; هل تصبح ثقافة المقاومة تحريضًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تصبح ثقافة المقاومة تحريضًا؟

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2003

مشاهدات 108

نشر في العدد 1561

نشر في الصفحة 18

السبت 26-يوليو-2003

«التحريض» كلمة لا يزال تعريفها غامضًا بعد أن عادت قضية محاربة التحريض مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات بين الفلسطينيين والصهاينة، من خلال خريطة الطريق. وقد ظهر المصطلح لأول مرة بعد مباحثات «واي ريفر»، في عام 1999 وتلى ذلك صدور مرسوم رئاسي من ياسر عرفات ينص على منع التحريض، في حين يطال المفهوم الصهيوني للكلمة الإعلام والمناهج الدراسية وحتى المساجد.وفي السابع من يوليو الجاري اتفقت الحكومتان الفلسطينية والصهيونية على تشكيل لجنتين لمراقبة ما يسمى بالتحريض في وسائل الإعلام والمناهج الدراسية الفلسطينية والصهيونية جاء ذلك عقب اجتماع وزير الإعلام الفلسطيني نبيل عمرو ووزير الخارجية الصهيوني سلفان شلوم.

وقد بدأ استهداف «وسائل إعلام الانتفاضة» وهي الشعارات والرسومات والبيانات الجدارية حيث شرعت السلطة بحملة لمسحها بحماية رجال الأمن.

ما يمكن أن يؤول إليه عمل لجنة «منع التحريض»، يثير العديد من التساؤلات فلسطينيًا: هل ستكون ثقافة المقاومة والانتفاضة مستهدفة في إطار منع التحريض؟ وهل سيصل الأمر إلى حد تغيير المناهج الدراسية خصوصًا تلك التي يتحفظ عليها الصهاينة وهي كثيرة؟.. وإلى أي مدى يمكن أن تذهب الحكومة الفلسطينية في التعاطي مع الشروط والالتزامات التي تقررها اللجنة التي يشرف عليها أيضًا الأمريكيون؟.

الاحتلال والتحريض

بعض وسائل الإعلام نشر بعد إعلان الهدنة أن وزير الإعلام نبيل عمرو بعث برسالة إلى محطات التلفزة والإذاعة الفلسطينية تضمنت تعليمات جديدة حول مضمون البرامج السياسية والإخبارية حضت معديها على تقصي الحذر والانضباط الذاتي وخلق أجواء ملائمة للعودة إلى مسار التفاوض وأضافت هذه المصادر أن مسئولين في الوزارة أرشدوا في الأيام الأخيرة المحررين والمذيعين لـ «القواعد الجديدة» ومنها مثلًا عدم إجراء مقابلات مع جهات غير رسمية «والابتعاد عن المبالغة» واعتماد معايير الهدنة.

لكن هاني المصري مدير عام دائرة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام الفلسطينية ينفي وجود تعميم على وسائل الإعلام يتعلق بتغيير خطابها أو منهجها وقال ما أفهمه أن المصدر الرئيس للتحريض هو الاحتلال ولا يمكن الحديث جديًا عن إنهاء التحريض في حين يغطي الإعلام الفلسطيني ممارسات الاحتلال ضد شعبنا الفلسطيني وبالتالي كيف يمكن أن نطلق على ذلك تحريضًا؟ وأشار المصري إلى أن الأمور التي نعلن تجنبها في إطار منع التحرير هي التحريض العنصري وأنه تم معالجة هذا الموضوع قبل تشكيل اللجنة وبعده.

وكان مسئولون صهاينة قد أعربوا عن ارتياحهم «للتغيرات الإيجابية»، التي قالوا إنها طرأت في الأيام الأخيرة على لغة وسائل الإعلام الفلسطينية وتجاوب المسئولين الفلسطينيين مع الطلب الصهيوني بالكف عن التحريض ضد إسرائيل، وأشاروا تحديدًا إلى غياب المشاهد التي تصور ممارسات جيش الاحتلال في الأراضي المحتلة من شاشة التلفزيون الفلسطيني وحلول موسيقى هادئة ومسلسلات ترفيهية وأناشيد محلها! 

وقال رئيس اللجنة الخاصة بمتابعة التحريض على العنف يعقوب عمدون: إن «إسرائيل» ستتابع بدقة التغيرات الحاصلة وإنها مازالت تنتظر «وقفًا تامًا للتحريض» معتبرًا تكرار كلمتي «شهيد» والجهاد، تنطويان على تحريض ذي دوافع دينية ينبغي وقفه!

تحريض أم تعبئة؟

وفي نفس السياق يؤكد المصري أن ما صدر فلسطينيًا بشأن منع التحريض هو بشكل عام المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس عرفات قبل الانتفاضة وقال: بعد قمة واي ريفر تم تشكيل لجنة متابعة منع التحريض ومنذ ذلك الوقت هناك انقسام في تعريف مفهوم التحريض، والإسرائيليون لديهم مفهوم يعتبر أي حديث عن المقاومة تحريضًا. ونحن من طرفنا نرى أن الاحتلال هو أساس التحريض.

إلا أن المصري اعتبر أن الإسرائيليين في موقع الدفاع في هذا الموضوع كون الحق الفلسطيني أقوى خصوصًا عندما يتحدث الوزير المتطرف أفيغدور ليبرمان عن إلقاء الأسرى الفلسطينيين في البحر، وهو قول أشد من التحريض.

وأضاف: بدون دولة حرة وبدون استرداد حقوق الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال، من المستحيل معالجة قضية التحريض إلا أننا فلسطينيًا نتعامل مع الموضوع كونه مطروحًا في خريطة الطريق وسنحاول متابعته بأقل الأضرار.

وتابع: بحسب المفهوم الإسرائيلي، كل شيء يندرج في إطار التحريض حتى الجنازات والمسيرات.. وفي إحدى المرات طلبوا منا إغلاق محطتين خاصتين في الخليل بحجة أنهما تقومان بالتحريض، وعندما راجعنا المحطتين عن سبب ذلك وجدناهما تغطيان اعتداءات المستوطنين على سكان المدينة. عندها أخبرناهم أنه عندما توقفون اعتداءات المستوطنين ستتوقف تغطية هذا الموضوع.

من ناحية أخرى حذر الإعلامي والكاتب عدلي صادق من الانجرار إلى استخدام مصطلح التحريض وتداوله وقال حتى وإن نصت خريطة الطريق على مصطلح «التحريض، فيجب الحذر من استخدام هذا المصطلح لأن الكلام والتوجهات السياسية الفلسطينية التي يريدون وصمها بصفة التحريض ليست ملفقة لكي تسمى تحريضًا، وأضاف: ربما يصح أن نستخدم مصطلح «وقف التحشيد»، أو وقف التعبئة القتالية، لأن التحريض انطلق من باطل، بينما تنطلق التعبئة من حيثيات القضية، وتابع: إن كان المحتلون بصدد وقف التحريض فعلًا فما عليهم إلا أن ينتهزوا الفرصة ويقلعوا عن ممارساتهم التي ترفع منسوب الغضب، وتمثل أسوأ محرض، سيغيب التحريض غيابه، وإلا فأي تحريض هذا الذي يتحدثون عنه؟!

يستهدف الإعلام الرسمي: وكان وزير الإعلام الفلسطيني نبيل عمرو قد وصف الاجتماع الذي عقده مع وزير الخارجية الصهيوني «بأنه كان مهمًا وساده جو من الصراحة» معتبرًا أن هذا الاجتماع لقاء أولي تعارفي بين الجانبين، مضيفًا: إن الاجتماع لا يلغي اللجنة الثلاثية الفلسطينية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة للتعامل وبحث موضوع التحريض.

وأضاف عمرو: نحن أبدينا استعدادًا للتعاون من أجل الدخول في مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على تطبيق خطة خريطة الطريق.

وأوضح أن الاجتماع تناول تعريف معنى التحريض، مشيرًا إلى أن التعريف سيتم تحديده بالتعاون مع الجانب الأمريكي حيث هناك العديد من الدراسات والأبحاث الفلسطينية للكثير من التصريحات والمقالات التي تصدر عن المسئولين الإسرائيليين، وقد أخبرونا أن لديهم تسجيلات ودراسات صادرة عن السلطة، كل ذلك سيتم بحثه ونحن على استعداد للإيفاء بكل التزاماتنا.

وفي إشارة إلى استحالة الاتفاق على تعريف لمفهوم «التحريض» دون أن يكون ذلك على حساب الجانب الفلسطيني تساءل الإعلامي صادق: كيف نحسم موضوع التحريض بينما العرب منذ نحو ربع القرن لم يصلوا مع الأمريكيين إلى تعريف للإرهاب يستثني المقاومة المشروعة من القائمة؟! 

من ناحية أخرى يرى الصحفي مصطفى الصواف عضو الهيئة الإدارية في كتلة «الصحفي»، بنقابة الصحافيين أن لجنة منع التحريض شكلت من أجل الإعلام الرسمي، وقد تغیرت بالفعل بعض المصطلحات والعبارات التي تكتب في التقارير الرسمية وظهر تغير واضح في تلفزيون فلسطين بنسبة 180 درجة، فبدل أن يبث الأناشيد الوطنية وصور الشهداء بدأ ببث أغاني السلام والمحبة والتمثيليات الهابطة.

وأضاف: تلفزيون فلسطين هو الذي يوجه له الطلب بشكل رئيس للانتقال من الإعلام التعبوي للشعب الفلسطيني إلى مربع بعض المفاهيم التي تقبل بالوجود الإسرائيلي، أما الإعلام غير الرسمي فلن يتقيد بما يخرج عن هذه اللجنة، فإن استطاعت أن تفرض بعض المفاهيم على الصحفيين والإعلاميين الرسميين فلن تفرضها على صحفيي الإعلام الخاص خصوصًا اليوم في ظل الإنترنت، حيث لا يمكن فرض الرقابة واعتبر الصواف أنه حتى لو التزم التلفزيون والإذاعة بما يصدر عن لجنة منع التحريض وأذاع فقط القرآن الكريم فإن «إسرائيل» سترى في ذلك تحريضًا أيضًا.

واستبعد الصواف أن تلجأ السلطة إلى التضييق على الصحفيين مستقبلًا لتنفيذ التزامات ما يسمى منع التحريض، مشيرًا إلى أنه في كل الأحوال سيبقى هناك هامش حرية لأن هناك لغة صحفية دبلوماسية، والصحفي الفلسطيني ذكي في التعامل مع الألفاظ والمصطلحات الإعلامية لكنه أشار إلى ضرورة أن تكون مؤسسات حقوق الإنسان على جاهزية فيما إذا تعرض صحفيون لمضايقات.

والمناهج مستهدفة: كما سعت دولة الاحتلال وأجبرت السلطة الفلسطينية على أن تكون المناهج الفلسطينية بعيدة عن السياسة والدين «ضمن اتفاقات أوسلو» تحت مسمى «الحيادية»، لا تتطرق إلى الصراع الإسرائيلي أو عملية التسوية «إيجابيًا أو سلبيًا» وفي هذا الإطار يقول د. إحسان الأغا مدير البحث العلمي في الجامعة الإسلامية: «تم إعداد المناهج بهذه الطريقة حتى تبقى صالحة لعشر سنوات قادمة وأن تكون مفرغة من محتواها، وبالتالي عديمة التأثير على الطالب، ولا تبث فيه أي قيم دينية أو وطنية كحال المناهج التي كانت تدرس في السابق في الأراضي الفلسطينية، سواء كانت أردنية في الضفة الغربية أو مصرية في مدارس قطاع غزة زمن الاحتلال.

ورغم أن تلاميذ فلسطين أول المشاركين في مقاومة الاحتلال إلا أن المناهج التعليمية التي يدرسونها لا تعبر عن هذا الواقع ولا تساهم في حفز الطلاب على مقاومة الاحتلال أو تظهر فضائل الجهاد، بل تخضع لشروط اتفاقية أوسلو والأوضاع السياسية المتذبذبة.

وأوضح الأغا أن «المنهج الفلسطيني مولته مؤسسات أوروبية، فكان معبرًا عنها». وأشار إلى أن المناهج التعليمية لا تؤثر في التربية الوطنية لدى الطفل الفلسطيني، وقال: «إن بعض النصوص القرآنية التي وردت في مناهج التربية الدينية التي تحث على الجهاد لم يتم تناولها بصورة مباشرة والوقوف على معانيها لاستنباط الأحكام منها، وهي النصوص التي توضح طبيعة العلاقة بيننا وبين العدو الإسرائيلي».

إحدى مدرسات مادة التربية الدينية وحاصلة على شهادة الماجستير في أصول الدين، قالت: «إن مادة التربية الدينية لم يطرأ عليها أي تغيير منذ عهد الاحتلال، والتزمت بصيغة الحياد والبعد عن واقعنا الفلسطيني».

وأضاف: «منعت سلطات الاحتلال تدريس موضوع: أهداف القتال الذي يحتوي على بعض الآيات القرآنية من سورة الأنفال في منهج الصف الثالث الثانوي، لأنه يحض على مقاومة الاحتلال والجهاد، وذلك قبل قدوم السلطة». وأكدت «أن هذا الدرس ما زال ممنوعًا حتى الآن، بحجة أنه يتنافى مع شروط عملية السلام».

المحرقة اليهودية أولى بالدراسة

وكانت مصادر فلسطينية قد كشفت قبل نحو عامين أن مسئولًا كبيرًا في وزارة التخطيط والتعاون الدولي في السلطة الفلسطينية أعطى الحكومة الإسرائيلية موافقة مبدئية على إدراج موضوع «المحرقة» «الإبادة النازية لليهود» ضمن المناهج الفلسطينية التي تدرس في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأنه تم تشكيل لجنة مكونة من وزارتي التربية والتعليم والتخطيط والتعاون الدولي لدراسة إمكانية إدراج هذا الموضوع في المناهج الفلسطينية إلا أن المؤسسات الرسمية لم تؤكد النبأ.

الرابط المختصر :