العنوان ماذا يقول الشِعِر الإسلامي في السلام مع اليهود..؟؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
مشاهدات 59
نشر في العدد 422
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
إن واقع الأمة لا بد وأن يجثم بكلكله على صدر الشاعر المسلم مهما حمل من مرارة وألم، لذا فإن الشاعر المسلم الحر لا بد وأن يقول كلمة الفصل التي تمليها عليه عقيدته، ولا بد أن يبدي رأيه ويبين موقفه من الأحداث التي يعيشها، ولما كانت أمتنا وصلت في صراعها مع عدوها اليهودي إلى حال لا تحسد عليه من التراجع والاستسلام، فإن للشِعِر تجربة ماضية مع هذا الواقع المرير.
إن الدعوة إلى الصلح مع عدونا ليست دعوة جديدة ، فمنذ أن وطأت أقدام الدفعات الأولى من المهاجرين اليهود أرض فلسطين، انطلقت دعوات الداعين إلى التعايش السلمي مع اليهود الوافدين، وكانت تلك الدعوات كثيرًا ما تتردد في الصحف العربية التي أقنعت قطاعات كبيرة من أبناء فلسطين بفكرة المجتمع العماني الذي يقيم المسلمون والنصارى والمهاجرون اليهود فيه، وقد استمرت تلك الدعوات في التضليل إلى أن تمكنت العصابات اليهودية من تنظيم نفسها عسكريًا واجتماعيًا وصارت قوة يحسب لها الحساب، وتعد لها الأمور لعبور المستقبل الحضاري للدولة اليهودية التي لم يشعر العرب إلا بولادتها عام ١٩٤٨ وكان أن تشرد الشعب المسلم الذي سلبت أمواله ودياره في أرض فلسطين وبدأت المناوشات تتري بين الجانبين العربي واليهودي، وخلال تلك الفترات حمل اليهود لواء الدعوة إلى السلام مع العرب، بينما طرد أصحاب البيوت من بيوتهم ولم يعودوا يملكون سوى بعض الخيام التي لا تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء.
على أن المرحوم الشاعر هاشم الرفاعي عايش تلك الأحداث المفجعة، وكان بصيرًا بما يدبر لأمته من مكيدة وخدعة، وللمرحوم قصيدة شعرية قديمة يذكر فيها خدعة السلام ويشير إلى أن السلام كان هو الممر الذي عَبَر منه اليهود وطردوا العرب أصحاب الحق الشرعيين بأرض فلسطين ليعيش هؤلاء تحت الخيانة وقد كتب هاشم الرفاعي قصيدته تلك على لسان أحد أبناء فلسطين المهاجرين الذين سكنوا الخيام لاجئين في الدول العربية المجاورة، والرفاعي يترك العنان لذلك اللاجئ، فيحدثنا عن مأساة شعبه ووطنه، أثناء وصيته لولده الصغير، حيث نبهه في ختام القصيدة إلى خدعة السلام التي أغرت كثيرًا من أبناء الأمة، فكانت النتيجة تشردهم وحرمانهم، والرفاعي يعرف تمامًا أن تاريخ المكر والزيف والخداع لا بد وأن يعيد نفسه مع اليهود، وهذا هو الذي جعل اللاجئ في القصيدة يوصي ابنه وينبهه قائلًا:
سيحدثونك يا بني عن السلام
إياك أن تصغي إلى هذا الكلام
كالطفل يخدع بالمنى حتى ينام
وهنا يبين اللاجئ لابنه أن السلام مع اليهود ليس هو الطريق الصحيح الموصل إلى الحقوق، فالسلم الحقيقي الذي عرفه بعد تجربة مريرة لا يعود إلا إذا عادت إلى الأمة كرامتها ونفضت غبار الذل عن وجهها ملبية داعي الجهاد، أما التصديق بدعوى الخداع والمكر فإنه هو الذي صنع المأساة من أولها، وجرد ذلك اللاجئ المسكين من حقه وأرضه وممتلكاته ليعيش على فُتاة تقدم إليه من المحسنين، تقول القصيدة على لسان اللاجئ، في وصيته لأبنه:
لاسلم.. أو يجلو عن الوجه الرغام
صدقتهم يومًا فآوتني الخيام
وغدًا طعامي من نوال المحسنين
يلقى إلي.. إلى الجياع اللاجئين
إن هاشم الرفاعي مسلم علمه دينه أن اليهود لا ينفكون عن الخداع والمراوغة أبدًا مهما بدت منهم النية حسنة، وهذا الذي جعله يختتم وصية اللاجئ لابنه بقوله:
فسلامهم مكر وأمنهم سراب
نشر الدمار على بلادك والخراب
صحيح ما ذهب إليه شاعرنا المرحوم الشهيد هاشم الرفاعي، والأيام التي تعيشها الأن أمتنا خير شاهد ودليل على ذلك. إن فكرة السلام التي خدعت الكثيرين في الماضي عادت اليوم لخداع الأمة، إلا أن الشاعر المسلم لا بد وأن يقف بالمرصاد معريًا زيف تلك الدعوات، ومبينًا أن الحق السليب لا يرجع إلى أهله بهذه الطريق الاستسلامية التي لا يراد منها إلا تطويق الأمة بأغلال الذل وقيود الإرغام.
وهذه حقيقة ترددت في قصيدة الأخ الشاعر كمال رشيد «نداء إلى الأحياء» في ديوانه شدو الغرباء، وفي هذه القصيدة يقول متعجبًا:
قالوا السلام سبيلنا.. يا ويحهم!!
أو يرجع الحق السليب سلام؟
نحن الألى خبروا المعارك قادة
أيراد منا الذل والإرغام؟
كيف الحقوق تضيع من أصحابها
إن كان فيهم مبدأ وحسام؟
صحيح.. فلو تمسكت الأمة بمبدأ القوة الذي أوصى به القرآن لما ضاعت الحقوق من أصحابها، والشاعر هنا يتعجب من أبناء هذه الأمة الذين نادوا بالسلام مدعين أنهم سيعيدون حقوق الأمة بما سموه اليوم بالحل السلمي، وهو يكشف الخدعة المدبرة بقوله مستنكرًا؟
أيراد منا الذل والإرغام
ومثله الأخ الداعية شاعر الأقصى الأستاذ يوسف العظم الذي استنكر على أرباب الحل السلمي ما ينشدون في قصيدته الغراء السلام الهزيل التي يتساءل في مطلعها:
أي سلم هذا الذي تنشدونه
وشعار هذا الذي ترفعونه
إن الأستاذ العظم يستنكر على حكام هذه الأمة مسيرتهم وشعاراتهم المزيفة الخادعة، تلك التي عطلت الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، والذي هو فرض عين على علي كل مسلم، مدعين زورا أن المسيرة السلمية الخيانية هي الطريق التي تزيد عدوان المغتصب، لا، إن شاعرنا ليس واحدًا ممن تنطلي عليهم حيل اللاعبين
على حبال الاستعمار أو الناعقين بما يريده المغتصب المحتل نفسه، لذا فهو يضع حكام أمته أمام مسؤوليتهم فيستعرض أمامهم صورًا من وحشية العدو اليهودي الذي لا يرعي إلًا ولا ذمة يقول في السلام الهزيل:
أي سلم هذا الذي تنشدونه؟
وشعار هذا الذي ترفعونه
إن تزيلوا العدوان دون جهاد
وتدكوا في كل أرض حصونه
والعدو الدخيل في كل شبر
بث فيكم أذانه وعيونه
يملأ الأرض والفضاء فسادًا
ويغذي بكل حقد جنونه
كم صغير ذاق الردى بيديه
وصغير ما عاد يلقى الحنونه
وعجوز في عتمة الليل باتت
جرحها ينزف الدماء سخينه
دمروا بيتها فصار حطامًا
واستباحوا في حقلها زيتونه
وفتاة عذراء مزقها القيد
وكانت رمز العفاف مصونة
وفتى ثائر يذوب جراحًا
هجر النوم والنعاس جفونه
من لظى جرحه يصوغ نداء
عل قومًا تخاذلوا يسمعونه:
يا حماة الأقصى الجريح أفيقوا
أين أقصاكم الذي تحمونه؟
إن الشعر الإسلامي يقول كلمته على لسان شاعر الأقصى، ويهيب بحكام المسلمين أن يثوبوا إلى رشادهم ويستلهموا تاريخهم المجيد معيدين سيرة النبلاء الأبطال الصادقين في القادسية وحطين وغيرها من ملاحم الأمة المسلمة المجاهدة، فالطريق كما يقول العظلم هو:
أن تسيل الدماء حتى تروي
صخرة القدس والقباب الحزينة
في يوم الهجرة
شِعِر: محمد هدى قاطرجي
سرت العير في ضنى الصحراء
ومضى الركب نير الأضواء
وغدا الحق أبلجًا وصبيحًا
وزها تحت راية عصماء
يا لركب الأصحاب والآل بوركتم
فسيروا في عزة وإباء
إن تلك الركبان لله لبت
ومضت دون محنة وبلاء
والنبي الأمين في الغار يجثو
والطواغيت حوله في عماء
يا رؤوس الطاغوت أنت على الشرك
فحومي في لجة عمياء
يا رؤوس الطاغوت موتي على الحقد
ودسي الرءوس في الصحراء
هكذا الله يا محمد يحمي
كل ركب من جنده الخلصاء
ودنا الركب من قباء فصارت
يثرب دار عزة وهناء
والأهازيج من قلوب الصبايا
تتعالى بطيبات الغناء
يا ركاب النبي أهلا بما جئت
من النور والهدى والضياء
فغدا الكون نضرة وبهاء
من بريق النبوة اللألاء
وغدا الكفر ذلة وهوانًا
يتلوى في غارة شعواء
سيد الرسل أي نور تسامى
وصل الأرض روعة بالسماء
أي حق وأي جود وفضل
ملأ الكون منك بالنعماء
فقبسنا من نور هديك فينا
مشعل الحق والهدي والبهاء
وأطعناك ملة وذمامًا
وولاء، وبالخير ولاء
يا حبيب الإله جئت إلينا
بسراج الشريعة السمحاء
بسراج ما زال يعلو علي البغي
بأيدي دعاته العظماء
حطم البغي كلما لاح حتى
صار كل البغاة قيد الفناء
أبت الشريعة السموحة أن يبقى
طغاة في عِزة وإباء
وأبى الله أن يظل دعاة الحق
في نير ماكر مشاء
هكذا ديننا الحنيف لتبقى
راية الحق في ذرا العلياء