; لماذا كل هذا العطف على أثرياء البنوك؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا كل هذا العطف على أثرياء البنوك؟!

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 59

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

إلى من يهمه الأمر:

وزعت غرفة تجارة وصناعة الكويت قبل أيام مذكرة كانت قد رفعتها للجهات الرسمية العليا في شهر أغسطس الماضي، وهي تتعلق بموضوع بالغ الأهمية، ويشكل حلقة من الحلقات العجاف لأزمة «الأثرياء» التي تمر فيها الكويت منذ عدة سنوات. 

والمذكرة التي كانت تنتقد بطء الإجراءات الرسمية في حل أزمة المديونية المتفاقمة، قامت بدورها بالاقتراح باستخدام المال العام - أموال الشعب - في تسديد ديون التجار، وذلك كحل مثالي وفعال للأزمة، حيث تعتقد غرفة التجارة بأن الدولة إضافة إلى أطراف أخرى - كالمؤسسات والأفراد - كانت سببًا من أسباب المشكلة، وبالتالي فهي معنية بتحمل تكاليف معالجتها، أي أن يتم تقديم دعم فوري للبنوك المحلية ومنعها من السقوط. 

وحتى يتم فهم دوافع مذكرة غرفة التجارة، يجب أن نتطرق قليلًا لأزمة البنوك، فماهي هذه الأزمة؟

يمكن النظر إلى أزمة البنوك على أنها نتاج لثلاثة أنواع من الانحرافات:

  • الانحراف الأول: كان بسبب تجاوز البنوك للسقف الممنوح لها في خلق نقود الائتمان، فهذا السقف الذي يفترض ألا يتجاوزه البنك - والذي هو في المتوسط 10 % - قد تخطته البنوك جميعًا، ووصل متوسط نسبة الائتمان لدى البنوك في الكويت إلى 223 %، وهنا كان الخطأ الأول.
  • الانحراف الآخر والخطير: كان في النسبة الضخمة من الديون الممنوحة من البنوك للأفراد والمؤسسات وغير الممكن سدادها، إما لكونها من قروض غير مغطاة، وتم إعدامها لإفلاس المقترضين، وإما لأنها من قروض مضمونة بأصول تهاوت قيمتها الشرائية إلى نسبة ضئيلة من قيمتها الأصلية وقت الإقراض، وأصبحت في حكم المعدومة.
  • الانحراف الثالث: أن هذه البنوك قد أتخمت بما يقارب الخمسة مليارات دينار من الودائع المجمعة من القطاع الخاص ومن شركات النفط، وبما أن البنوك عاجزة عن استثمار هذه الأموال جميعًا، سواء في الداخل أو الخارج، فإنها بالتالي غير قادرة على الحصول على إيرادات من هذه الأموال تغطي به الفوائد السنوية المترتبة على الائتمانات، والتي تتجاوز الثلاثمائة مليون دينار، وينشأ هنا عجز مالي تتفاداه البنوك عادة بالتسديد من الاحتياطات الخاصة بها، ومن ذلك الاحتياطي السري للبنك. 

فإذا اجتمعت الآثار المترتبة عن هذه الانحرافات الثلاثة، وجدنا أن البنوك الكويتية قد ناءت بحمل ثقيل، وأنها باتت بحاجة إلى دعم حكومي وتوفير تدفق نقدي مستمر لصالح أعمالها، وبدون ذلك فإنها تنهار وتسيح كما تسيح الزبدة الدافئة تحت الشمس.

من هنا جاء حماس غرفة التجارة لدعم البنوك بأموال المواطنين وإنقاذها من مصيرها الأسود. 

ولكن هل تستحق هذه البنوك الدعم فعلًا؟

إننا نعتقد أنها لا تستحق، ولأسباب عديدة:

  • أن الضرر الأكبر الذي تعانيه البنوك يأتي من الديون الكبيرة المعدومة لديها، وحسبما اتضح من إجابة وزير المالية على سؤال برلماني، فإن النسبة العظمى لهذه الديون - أكثر من 90 % - تحتكرها نسبة ضئيلة جدًا من المقترضين، بينما السواد الأعظم منهم يستفيد من الفتات المتبقي من قيمة القروض.

إذًا دعم الحكومة هنا سينصب لصالح الفئة القليلة المحتكرة للقروض البنكية، والتي هي السبب الأساسي في أزمة المديونية.

  • أن للبنوك الكويتية مواقف غير مشرفة فيما يتعلق بالأحداث الاقتصادية، وهي لم تثبت حتى الآن النية الحسنة في دعم الاقتصاد وحل مشاكله.

فعلى سبيل المثال فإن الحكومة قد حاولت منذ فترة إنشاء ما عرف بالصناديق الثلاثة، والخاصة بتنشيط السوق عن طريق شراء الأسهم والعقارات، وقد رفضت البنوك جميعًا المشاركة في هذا المشروع، وخذلت الحكومة، وكذلك الأمر عندما اقترح إنشاء الشركة الخاصة لشراء المديونيات.

  • أن البنوك الكويتية لم تثبت قط أنها مفيدة للاقتصاد الكويتي، فهي تقدم خدمات بسيطة للمواطنين، كالقيام بدور الوسيط فيما بين عملائها وبين عملائها والخارج، إضافة إلى الفوائد التقليدية.

أما فيما يتعلق بالمشاركة في التنمية محليًا، أو ممارسة استثمارات إنتاجية محلية رائدة، أو دعم مشاريع الحكومة ومساندتها، أو التعاون مع أطراف محلية أخرى في دعم الرخاء المادي والاجتماعي للبلد؛ فإن البنوك آخر من يهتم.

إذًا البنوك لا تستحق كل هذا العطف من غرفة التجارة أو من الحكومة، وإذا كان من الضروري دعمها وإنقاذها من الدمار؛ فيجب أن يكون ذلك بوسيلة أخرى غير استباحة أموال الشعب، هناك دمج هذه البنوك، أو تصفية الضعيف منها، أو ربما التأميم، أو أي حل آخر يراه المختصون بالاقتصاد أنه يساعد على حل الأزمة، ولكن بعيدًا عن المال العام.

وبالنسبة لغرفة التجارة فإن مذكرتها لم تعكس أي اهتمام بالمصلحة العامة، وهي قد وقعت في خلط عجيب عندما قالت بأن الدولة شاركت في صنع الأزمة، وأنها بالتالي ملزمة بتسديد تكاليفها..

إن هذا الكلام محض افتراء.

إذا كانت السلطة التنفيذية والمسؤولون فيها هم من شارك في صناعة الأزمة وكانوا سببًا في تفاقمها، فإن الدولة نفسها «الأرض، والشعب، والثروة» ليست لها علاقة بالأزمة، فلماذا تلصق التهمة فيها؟

إن أزمة البنوك وأزمة «تجار البنوك» عمومًا ليست إلا تحقيقًا للوعيد الإلهي الصارم لكل من استحل الربا وولغ فيه، وملأ منه بطنه وجيوبه، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 278).

وقد أعلن تجار الكويت الحرب على الله باستحلالهم الربا؛ فواجههم الله بحرب من عنده لا هوادة فيها، فمحق رباهم عن آخره، وتركهم أكوامًا من المفلسين، والله عزيز ذو انتقام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

147

الثلاثاء 31-مارس-1970

لقاءات المسؤولين

نشر في العدد 102

138

الثلاثاء 30-مايو-1972

«السياسة».. والاتصال بإسرائيل!

نشر في العدد 119

116

الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

محليات (119)