العنوان حصاد عام من الأحزان في البوسنة
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993
مشاهدات 83
نشر في العدد 1045
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 13-أبريل-1993
·
بلغ عدد القتلى في البوسنة خلال عام واحد مائتي ألف والْمُشَرَّدُونَ
مليون شخص والمغتصبات خمسين ألفًا والخسائر المادية 120 مليار دولار.
«مائتا ألف قتيل ومليون مشرد» حصيلة عام
من الدمار والخراب وحرب الإبادة التي يشنها الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك.. هذا
ما صرح به الرئيس البوسني المسلم علي عزت بيجوفيتش في الأسبوع الماضي، أما عدد
النساء المسلمات اللائي تعرضن للاغتصاب على أيدي مجرمي الصرب فقد بلغ حسب معظم
الإحصائيات خمسين ألف امرأة مسلمة، أما المساجد التي بناها المسلمون العثمانيون
الفاتحون والتي كانت تزين بمآذنها الشامخة كل مدينة وقرية في البوسنة والهرسك فقد
دمر الصرب منها ما يزيد على ثمانمئة مسجد عمر كثير منها يزيد على أربعمئة عام، وقد
كانت طوال القرون الخمسة الماضية شاهدًا من شواهد الحضارة الإسلامية ومنارة للعلم
في قلب أوروبا.
أما أطفال المسلمين في البوسنة فقد
استقبلت الكنائس والأديرة في إيطاليا وألمانيا والنمسا وبريطانيا وهولندا الآلاف
منهم ليتم تنصيرهم أو التجارة فيهم بالبيع والشراء، حيث أكدت مصادر صحفية أن إحدى
عصابات المافيا في إيطاليا قد قامت ببيع خمسة آلاف طفل من أبناء المسلمين بعدما
نجحت في استخراج شهادات ميلاد وتغيير هوية لهم فيما يتلقى آلاف آخرون التعاليم
النصرانية في الأديرة والكنائس مع صمت دول العالم الإسلامي واكتفائها بالفرجة.
وقد ساعدت أوروبا الصرب بكافة الطرق
والوسائل على إفراغ البوسنة من المسلمين حتى يُفَتَّت هذا الكيان الذي بدأ يعود
إلى الإسلام من جديد ففتحت أبوابها لعشرات الآلاف منهم حتى يتم تذويبهم في
المجتمعات الأوروبية ويفقدوا كيانهم ويتخلوا عن عودتهم إلى دينهم. فاستقبلت
ألمانيا مئتي ألف واستقبلت السويد خمسة وخمسين ألفًا واستقبلت بريطانيا ستة آلاف
وخمسمئة فيما يتواجد في كرواتيا أكثر من سبعمئة ألف علاوة على عشرات الآلاف، لاسيما
من النساء والأطفال والعجائز في المجر وهولندا وإيطاليا وبولندا وفرنسا وهنغاريا
ودول أوروبية أخرى.
أما الخسائر المالية التي تعرضت لها
البوسنة خلال عام من الحرب والدمار فقد ذكر وزير خارجية البوسنة حارث سيلاجيتش في
حوار نشرته صحيفة العالم اليوم في الأسبوع الماضي بأنها خسائر جسيمة تتجاوز مئة
وعشرين مليار دولار.
أما معدلات القذائف التي تسقط على المدن
البوسنية بصفة يومية والتي تبين صورة وحجم وحشية الصرب فإنها تختلف من يوم لآخر
ومن مدينة إلى أخرى وإذا أخذنا معدل يوم واحد على مدينتين مختلفتين الأولى هي
العاصمة سراييفو والثانية هي مدينة سريبرينتسا المحاصرة التي تقع في شرق البوسنة
فقد أحصى مراقبو الأمم المتحدة سقوط 2400 قذيفة على العاصمة سراييفو في الثاني
والعشرين من مارس الماضي- أي بمعدل مئة قذيفة في الساعة- فيما أُحصي سقوط ثلاثة
آلاف قذيفة على سريبرينتسا- أي بمعدل 125 قذيفة في الساعة- وهي أرقام يمكن أن
نتبين من خلالها حجم المعاناة النفسية والحياتية التي يمكن أن يكون عليها السكان
المسلمون المدنيون المحاصرون مع عدم توفر الاحتياجات الحياتية الأساسية، ونستطيع
من خلال مراجعة بسيطة لهذه الأرقام أن نحصي سقوط ما يزيد على مليون قذيفة على كل مدينة
من مدن المسلمين الكبيرة والمتوسطة في البوسنة خلال عام من الحرب والدمار.
أما الصورة التي أصبحت عليها مدن المسلمين
وقراهم في البوسنة والهرسك بعد عام من جرائم الصرب ضدهم فنستطيع أن نتعرف عليها من
خلال تعرفنا على سراييفو وصورتها الزاهية بعدما بناها المسلمون الفاتحون قبل
خمسمئة عام وكيف كانت حتى العام الماضي وما صورتها اليوم.
لقد جعل الفاتحون العثمانيون سراييفو
منارة للإسلام في قلب أوروبا حيث أسسوا فيها كل مقومات الحضارة والمدنية الإسلامية
فشيدوا بها 177 جامعًا ومسجدًا، و12 مدرسة، و8 دور للقراء «مضافات»، و180 كتابًا
لتحفيظ القرآن وتعليم اللغة، و47 تكية، وداري إمارة، و8 حمامات، وبرج ساعة واحد، و23
خانًا، وسبع جسور لربط ضفتي نهر البوسنة «البوشناق»، و3 دور «مسالخ» لذبح الأضاحي،
و410 سُبُل ماء للشرب، ومكتبتين رسميتين تحتويان على أكثر من عشرين ألفًا من
المخطوطات الإسلامية النادرة-أحرق الصرب معظمها. هذه الصورة التقت مع البناء
الحديث والعمارات الفخمة فكانت سراييفو من أزهى وأرقى وأنظف مدن يوغسلافيا حيث كان
ذلك قبل عام واحد.
أما صورة سراييفو اليوم فقد وصفها وزير
الدفاع الهولندي ريلوسي تيربيك حينما كان يتفقد قوات بلاده الموجودة ضمن قوات
الأمم المتحدة في سراييفو في السابع عشر من مارس الماضي فقال: «لقد تحول كل شيء
هنا إلى أنقاض».
أما مراسل رويترز فقد وصف سراييفو في
تقرير أعده بمناسبة مرور عام على بداية تدمير الصرب لها فقال: «لقد تغير وجه
سراييفو تمامًا بعد عام من الحصار والدمار وأصبح من الصعب أن تجد أسرة واحدة في
المدينة التي يبلغ عدد سكانها 380 ألف نسمة لم تكتو بنيران الحرب وعند القصف يهرع
الجميع إلى المخابئ حتى الكلاب. إن رائحة الموت تملأ جوانب المدينة التي كانت
يومًا من الأيام مدينة جميلة تحفل بالمآذن وتصطف الأشجار على جنبات شوارعها حيث
أصبحت القبور في كل مكان». وقد ذكر أيوب جانيتش نائب رئيس البوسنة أن المدينة قد
أضيف إلى قبورها أحد عشر ألف قبر جديد خلال عام واحد. ويمكن أن نقيس من خلال هذه
الصورة وضع مدن المسلمين وقراهم في باقي البوسنة.
أما المرارة التي تملأ نفس كل مسلم بوسني
بعد عام من التواطؤ الدولي والصمت الإسلامي فقد عبر عنها أحد مسلمي البوسنة
المحاصرين حينما قال: «إننا لن ننسى أبدًا هذه السنة، الموت والمهانة والمعاناة
و... ولن نسامح أبدًا من فعلوا بنا هذا أو من وقفوا يتفرجون».
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل