; التواطؤ الدولي مع ألاعيب «كاراذيتش» | مجلة المجتمع

العنوان التواطؤ الدولي مع ألاعيب «كاراذيتش»

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 74

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 16-يوليو-1996

بدلًا من الإعداد للانتخابات، وتمويل إعادة الإعمار وتمكين المشردين من العودة إلى مواطنهم، وملاحقة مجرمي حرب البلقان، كانت الأسابيع الماضية حافلة بالأخذ والرد، ونشر الأنباء ونفيها، وتوثيقها ثم تصحيحها حول موضوع واحد، هو استقالة المتهم بالإجرام الحربي وزعيم المتمردين الصرب في البوسنة والهرسك رادوفان «كاراذيتش» من منصب رئاسة دولة الجمهورية الصربية المزعومة، أم لا.... وهذا ما وصفه «أيوب جانيتش» -نائب الرئيس البوسني- بقوله: «أصبحت الأسرة الدولية رهينة «كاراذيتش» وقائده العسكري ميلاديتش».

هل أصبحت «الأسرة الدولية» عاجزة فعلًا عن إسقاط «كاراذيتش»؟ هل بلغ التمرد الصربي من الدهاء والبراعة السياسية ما يجعله قادرًا على المضي في لعبته إلى ما لا نهاية، وكان زعماء العالم أصبحوا بين يديه، رغم ما يملكون من أجهزة وخبراء وقدرات وطاقات أشبه بالدمى في مسرح العرائس؟

بغض النظر عن تقويم الأوضاع في بعض بلداننا الإسلامية كالصومال والسودان وليبيا... يمكن القول:

عندما أرادت «الأسرة الدولية» مواجهة فارح عيديد في الصومال الدامي، أطلقت قواتها الدولية بزعامتها الأمريكية أمرًا بملاحقته عسكريًا، وأعلنت الأمانة العامة للأمم المتحدة أنه مطلوب القبض عليه «حيًا أو ميتًا»، ولم يعبأ أحد آنذاك بسقوط من سقط من الضحايا من الصوماليين، إلى أن سقط بعض القتلى من الأمريكيين، فتركت «الأسرة الدولية» الصومال لنزيفه ورحلت!

وعندما اعتبرت «الأسرة الدولية» السودان عدوًا بسبب وصول اتجاه إسلامي إلى السلطة فيه، اتبعت مختلف الأساليب لممارسة أشد الضغوط عليه إقليميًا، وبدأت بمقاطعته دوليًا، غير عابئة بآثار ذلك على الملايين من أهله.

وعندما قررت كما أرادت بريطانيا وأمريكا تركيع ليبيا، وأعطت البلدين حق الاتهام والمقاضاة ضد مواطنين اثنين من ليبيا، فرضت عليها المقاطعة وما تزال ماضية على ذلك رافضة أي حل وسطي موضوعي.

وبعض المحللين الغربيين يقولون الآن: إن عدم جدوى هذه الأساليب دروس تعلمتها «الأسرة الدولية»، ولهذا فهي تتعامل مع «كاراذيتش» وأقرانه بأسلوب آخر، ولكن علام تستمر إذن على ممارسة هذه الأساليب مع سواهم كما تبين الأمثلة المذكورة؟ ثم هل اتبعت مع التمرد الصربي الإجرامي في البوسنة والهرسك أسلوبًا حاسمًا طوال السنوات الماضية؟

لقد كان سلوك «الأسرة الدولية»، مع صرب البلقان من البداية سلوك التواطؤ الدولي وازدواجية تطبيق المعايير المتعارف عليها، وهو بالذات ما أوصل حرب البلقان إلى ما وصلت إليه، ولم تتحرك «الأسرة الدولية»، ولا سيما زعامتها الأمريكية إلا مرتين اثنتين:

أولهما: عندما غدر الكروات بالمسلمين وتحالفوا مع الصرب فمارس المسلمون حربًا جهادية على جبهتين استرجعوا خلالها جزءًا كبيرًا من الأرض في وسط البوسنة والهرسك، وكادت هزيمة الكروات تصبح هزيمة نهائية، فتحركت القوات الدولية في المنطقة، وتحرك المراقبون لحظر السلاح عن المسلمين وتحرك الدبلوماسيون الأمريكيون لإنهاء القتال وإنشاء ما عرف بالاتحاد بين المسلمين والكروات.

ثم كانت المرة الثانية: بعد أن بلغ التواطؤ الدولي مداه، وتحرك البوسنيون من داخل سراييفو فاستطاعوا كسر الحصار الصربي في مواقع عديدة، وتحرك الكروات عقب ذلك مع المسلمين في شمال البوسنة والهرسك، فتحركت الطائرات الأطلسية فجأة وانطلقت الإنذارات بوقف القتال إلى الطرف المعتدي والطرف المعتدى عليه على السواء، ولكن دون أن يمنع ذلك من سقوط جيبا وسربيرينيتسا، وتحرك الدبلوماسيون الأمريكيون مجددًا لتنتهي حرب البلقان إلى اتفاق دايتون لفرض التقسيم الواقعي باسم السلام.

ليست «الأسرة الدولية» عاجزة عن التحرك إذن، ولكنها تتحرك في الوقت الذي تريد ولتحقيق غايات مدروسة تمامًا، وهذا -لا العجز المزعوم- هو ما يجعل تحركها في غالب الأحيان على حساب المسلمين وقضاياهم ومصالحهم في مختلف المناطق.

التعامل مع «كاراذيتش»:

لا يراد أن يعيب «كاراذيتش» عن الساحة، فتنفيذ المخططات الموضوعة للبلقان يتطلب وجوده مع ما يرمز إليه صربيا، وما انفسح المجال من قبل لوضعه من قوة عسكرية تحت يديه، ولا يعنى ذلك أن «الأسرة الدولية» لن تتخلى عنه في قادم الأيام، فليست هذه هي المرحلة الأولى التي تلجأ القوى الدولية فيها إلى استخدام جهة من الجهات فتدعمها مباشرة أو من وراء قناع معاداتها، ثم تتخلى عنها عندما تزول متطلبات وجودها ومعظم ما يجري في الوقت الحاضر تحت عنوان الضغوط الدولية على كاراذيتش يتحول إلى فصول محبوكة في مسرحية سياسية على أعلى المستويات، وبأسوأ الغايات، عند النظر فيه نظرة فاحصة متأملة، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: 

  1. المفوض الدولي «كارل بيلدت»، الذي يحمل مهمة تنفيذ اتفاق دايتون، بما في ذلك تنقية زعامة الصرب المتمردين من المتهمين بجرائم الحرب، هو نفسه الذي لجأ إليه رئيس وزرائهم، والمفاوض السابق باسمهم «رايكو كازاجيش» طالبًا الدعم الدولي ضد إقالته من جانب «كاراذيتش» قبل ثلاثة شهور، ولم يجد ذلك الدعم، فاضطر إلى الانسحاب من الميدان بعد أسبوع من محاولة الرفض. 
  2. والمفوض الدولي «كارل بيلدت» هو نفسه الذي أعلن أنه لا يعتبر رئاسة حزب «الصرب الاشتراكيين»، منصبًا عامًا يسري عليه ما يقرره اتفاق دايتون بنفسه عن المتهمين بجرائم الحرب، وجاء ذلك الإعلان من قبل أن يجتمع الحزب ويجدد انتخابات «كاراذيتش» لرئاسته، فكان الإعلان أشبه بالتشجيع على ذلك. 
  3. وعندما طالب «أنطونيو كازيس» -رئيس محكمة لاهاي لجرائم الحرب في البلقان- باستخدام المقاطعة للضغط على الصرب بهدف إسقاط «كاراذيتش» المتهم بارتكاب أفظع جرائم حربية عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وليس بإسقاط طائرة لوكربي مثلًا، سارع بيلدت إلى رفض أسلوب المقاطعة، وعارضت ذلك الولايات المتحدة الأمريكية بل وطالب «میشائیل شتاينر» -نائب بیلدت- بإجراءات محددة ضد الضرب، وبأن تتخذ «الأسرة الدولية» قرارها حول المقاطعة، فعارضه رئيسه بيلدت مجددًا وكررت واشنطن المطالبة باستقالة «كاراذيتش» جنبًا إلى جنب مع رفض تحديد مهلة زمنية تقترن بالتهديد بالمقاطعة.
  4. بل إن صياغة النص الذي تناقلته وكالات الأنباء في أواخر يونيو حزيران الماضي، واعتبرته إعلانًا رسميًا باستقالة «كاراذيتش» -على حد تعبير يلدت- كان في واقع الأمر من صياغة مكتب المفوض الدولي نفسه، ولم يكن يتضمن سوى نقل صلاحيات الرئاسة مؤقتًا إلى «بيليالنا برفسيش» -نائبة رئيس ما يسمى بالجمهورية الصربية على أرض البوسنة والهرسك-.
  5. وعندما علّق «نيقولاس بيرنز» -الناطق باسم الخارجية الأمريكية- على ذلك النص، اكتفى بالقول بأنه «غامض الصياغة لا يرضي»، فامتنع عن مجرد وصفه بما يستحق أنه مناورة سياسية محضة من جانب «کاراذیتش» بمشاركة «بيلدت».

صناعة البطولة المزيفة:

صحيح أن التعامل مع «كاراذيتش» أصبح أشبه بلعبة القط والفأر على حد تعبير إحدى الوكالات لكن مع ملاحظة أن «الأسرة الدولية»، ارتضت نفسها دور الفأر في تلك اللعبة، عامدة وليس عجزًا، وبالمقابل ليس صحيحًا أن «كاراذيتش» استطاع مجددًا أن يناور ويخدع الدبلوماسيين الأوروبيين والأمريكيين على حد تعبير صحيفة نيويورك تايمز» يوم 1996/7/2م، فليس ساسة القوى الدولية المسيطرة من البلهاء أو البسطاء ليمكن خداعهم على هذا النحو.

الواقع أن «الأسرة الدولية» القادرة على الحزم حين تريد، وعلى تمييع الأمور حين تريد، كانت وما زال تمارس أسلوب التمييع في قضية البلقان، حيثما ارتبط ذلك بتثبيت تقسيم الأرض لصالح الصرب والكروات وعلى حساب المسلمين وتمارس أسلوب الحزم في القضية نفسها، حيثما ارتبط ذلك بانتزاع مزيد من التنازلات من جانب المسلمين تمامًا كما جرى عبر الضغوط المكثفة على حكومة «سراييفو» عندما قامت وفق مقررات دايتون بالقبض على جنرالات صرب متهمين بجرائم حربية لتسليمهم إلى محكمة لاهاي، كذلك تمارس «الأسرة الدولية» أسلوب الحزم حيثما يرتبط ذلك بتقويض المقومات الضرورية لوجود الدولة البوسنية على أسس وطيدة وهذا ما يسري على الإصرار الدولي الراهن على إجراء الانتخابات النيابية في سبتمبر أيلول المقبل، رغم عدم تنفيذ معظم الشروط المقررة لها في اتفاق دايتون مثل عودة المشردين ومعظمهم من المسلمين الناخبين إلى ديارهم، أو مثل تجريد المتهمين بجرائم الحرب من مناصبهم وتسليمهم للمحاكمة في لاهاي، فالمطلوب هو إجراء الانتخابات في ظروف ترسخ أوضاع التقسيم وتحول - ما أمكن - دون بقاء قادة الصمود البوسني في السلطة، وهو ما يجري عبر دعم نشأة أحزاب لم يعرف لمعظمها ولمعظم زعمائها دور في الصمود، حتى بلغ عدد الأحزاب في ساحة البوسنة والهرسك في الوقت الحاضر ٤٩ حزبًا.

«الأسرة الدولية» التي تكرر ذكرها، هي في واقع الأمر تلك القوى الدولية المعدودة، التي تطلق على نفسها هذا الوصف، وهي تمارس على الصعيد العالمي سياسة الاستبداد المطلق لإملاء إرادتها في مختلف الميادين السياسية والأمنية والاقتصادية وحتى الفكرية والثقافية على بقية أعضاء «الأسرة الدولية»، وهذا ما يجعلها تمارس على الأصعدة الإقليمية أيضًا سياسة ترسيخ استبداد الهيمنة من جانب قوى مختارة، كالروس وسط آسيا، والهنود في جنوب شرقها، واليهود في قلب الأرض العربية، وكذلك الصرب والكروات في البلقان، والسياسة المتبعة في مسلسل حكايات استقالة «كاراذيتش» منذ شهور، هي جزء من تلك السياسة الشاملة، وما تتضمنه من مخططات مدروسة وليست ناشئة قطعًا عن ضعف تلك «الأسرة الدولية»، أو عجزها تجاه مناورات «كاراذيتش» وأقرانه.

* الأسرة الدولية القادرة على الحزم حين تريد.. وتمييع الأمور حين تريد مازالت تمارس أسلوب التمييع في قضية البلقان على حساب المسلمين

وإذا كانت لعبة القط والفار تستهدف من جانب «كاراذيتش» التحول إلى بطل قومي في فترة إحلال السلام الحيلولة دون محاسبته على جرائمه، فإن السياسة الدولية أصبحت تسانده في ذلك عبر التركيز المكثف على قضيته دون حسمها، وإهمال مختلف القضايا الأخرى المرتبطة بمستقبل البلقان والتي تتطلب الجسم السريع، وتحويل «كاراذيتش» إلى بطل قومي مريف يمكن أن يجعل سقوطه النهائي مستحيلا حتى وإن امتنع عن ترشيح نفسه للانتخابات الروسية أو استقالته من مناصبه الصربية، وكان مما يلفت النظر أنه اختار مع حزبه الصربي يوم 1996/6/28م بالذات موعدًا لإعادة انتخابه رئيسًا للحزب ليذكّر الصرب بمعركة ۱۳۸۹م في مثل ذلك اليوم، عندما قضى الجيش العثماني في منطقة كوسوفو على زعيم الصرب لازار وجيشه، وكثيرًا ما أبدى «كاراذيتش» سروره عندما يصفه الصرب بأنه «لازار الأصغر».

وإجراء انتخابات سبتمبر «أيلول» المقبل بعد تثبيت موقع «كاراذيتش» - رسميًا أو كبطل قومي مزيف، لا يمثل في نهاية المطاف إلا تحويل هدف تلك الانتخابات من اختيار حكومة بوسنية مشتركة، تثبت وحدة الدولة البوسنية بحدودها المعترف بها دوليا، إلى نوع من «الاستفتاء» الذي يتطلع «كاراذيتش» إلى إجرائه في صفوف الصرب لترسيخ خطوط التقسيم وفق ما رسمتها خرائط دايتون، وتحويلها من خطوط إدارية إلى حدود سياسية بين اتحاد للكروات والمسلمين، ومن ورائه كرواتيا كقوة إقليمية مهيمنة، وبين الجمهورية الصربية التي ورد اسمها في اتفاق دايتون على هذا النحو، تمهيدًا لفصلها عن البوسنة والهرسك، ومن ورائها صربيا كقوة إقليمية مهيمنة في البلقان أيضًا. 

وكما هو الحال مع تطورات قضايا إسلامية عديدة أخرى، ليس فيما سبق ما يدعو إلى الإحباط أو يبرره، رغم التواطؤ الدولي وما يستند إليه من أسباب القوة والسيطرة عالميًا، فمقياس استشراف ما يمكن أن يكون عليه مستقبل المسلمين في البلقان لا يستمد من الأحداث الآنية وحدها، بل يوزن بموازين التاريخ، وقبل بضعة عشر عامًا فقط لم نكن نتحدث عن المسلمين في البلقان إلا كأقلية مهضومة الحقوق لا تكاد تملك من أمرها ومن أمر مستقبلها شيئًا وليس الجيل الذي تحرك في البوسنة والهرسك، وحال بصموده البطولي اعتمادًا على إمكانات محدودة لا تستحق الذكر، دون تنفيذ مخططات أخطر بكثير مما يجري تنفيذه الآن، إلا ذلك الجيل الذي نشأ في ظل الاستبداد الشيوعي المطلق طوال أربعين عامًا، وبعد السيطرة الصربية والكرواتية المفروضة منذ حرب البلقان عام ١٩١٣م، ومن هنا اليقين باستحالة أن يكون الجيل المقبل الناشئ في ظل ما صنعه هذا الجيل، إلا جيل تحقيق مزيد من الأهداف المشروعة على طريق التحرر والسيادة وحمل رسالة الإسلام في قلب الأرض الأوروبية.

الرابط المختصر :