العنوان حرب الشفق: خفايا ثلاثين عاماً من الصراع الأمريكي – الإيراني
الكاتب د. محمود المنير
تاريخ النشر الجمعة 01-يناير-2021
مشاهدات 108
نشر في العدد 2151
نشر في الصفحة 47
الجمعة 01-يناير-2021
يلقي الضوء على البُعد العسكري للصراع مستفيداً من علاقات مؤلفه ووالده بالنخبة العسكرية الأمريكية
يقدِّم الكثير من التفاصيل عن صفقة «إيران كونترا» التي تمت بين الإدارة الأمريكية برئاسة «ريجان» والإيرانيين
إدارة «بوش» الابن راهنت على أن نجاح التجربة الديمقراطية بالعراق بعد «صدام» سيؤدي إلى ارتدادات كبيرة داخل إيران
أساس الخلاف الأمريكي الإيراني أقرب إلى سوء تفاهم بين البلدين منه إلى صراع مصالحي وعقائدي
لو تمكن الطرفان من حسم المشكلة النووية دبلوماسياً فإن الحرب الأمريكية القادمة ستكون ضد إيران
بيانات الكتاب:
- عنوان الكتاب: حرب الشفق.. خفايا ثلاثين عاماً من الصراع الأمريكي – الإيراني.
- المؤلف: ديفيد كريست.
- الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.
- سنة النشر: الطبعة الأولى- 2016م.
- ترجمة: رجاء شلبي.
- عدد صفحات الكتاب: 638 من القطع الكبير.
نبذة عن المؤلف:
«ديفيد كريست» مؤرخ يعمل مع الحكومة الأمريكية، وهو مستشار خاص في شؤون الشرق الأوسط لكبار مسؤولي الحكومة الأمريكية، حائز على دكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط من جامعة فلوريدان، شهد شخصياً في سياق عمله كضابط في قوات المشاة البحرية حروباً عديدة، منها الحرب على تنظيم «القاعدة» والمواجهات الأمريكية ضد إيران.
هذا الكتاب:
منذ الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979م والولايات المتحدة وإيران تخوضان حرباً خفية، بطلتاها وكالتا الاستخبارات الأمريكية والإيرانية، وقد شملت هذه الحرب حملات تجسس وعمليات سرية وأخرى عسكرية، وتمكَّنت من إرباك كبار الرؤساء الأمريكيين، وهددَّت بإدخال البلدين في حروب مفتوحة.
يتناول «كريست»، في كتابه هذا، الصراع الإيراني الأمريكي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مركّزاً على البُعد العسكري للصراع في فترة حكم ستة رؤساء أمريكيين، هم: جيمي كارتر، ورونالد ريجان، وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن، وباراك أوباما.
- فماذا، مثلاً، عن مفاوضات إيران وأمريكا السرية بعد أحداث 11 سبتمبر؟
- وما الذي دفع السلطات الأمريكية إلى السكوت عن تفجير مقرات المارينز في بيروت عام 1983م الذي أودى بحياة 241 جندياً أمريكياً؟
- وكيف تتعامل واشنطن مع إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي؟
- وما الدور التفصيلي لإيران في لبنان منذ بداية الثمانينيات؟
قيمة الكتاب الوثائقية:
ما يميز كتاب «كريست» -وهو العسكري السابق الذي خدم في العراق وأفغانستان- أنه يلقي الضوء على البُعد العسكري للصراع، مستفيداً بذلك من علاقاته وعلاقات والده من قبله بالنخبة العسكرية الأمريكية، فقدَّم في كتابه جهداً بحثياً استنزف فيه جميع المعلومات المتاحة والمصادر المتوافرة، التي قدمها في 600 صفحة، تفاصيلها مرهقة أحياناً، وحاول خلالها توثيق العلاقة الأمريكية - الإيرانية منذ اندلاع الثورة في طهران في العام 1979م على نحو غير مسبوق، كاشفاً طبيعة الصراع بين البلدين.
غطى «كريست» في كتابه فترة حكم ستة رؤساء أمريكيين، كما أسلفنا، مع تفاوت في طبيعة المعلومات الواردة في كل حقبة زمنية ونوعية المعلومات التي يقدمها عن كل فترة، فالكتاب ثري بالمعلومات والمصادر والوثائق، ومصادرها معروفة حتى فترة الرئيس كلينتون، ولكن بعد ذلك، تتحول إلى مصادر سياسية مبهمة، على الأرجح تتحدث لا للتاريخ وإنما لأهداف سياسية.
خيوط الصراع
يعرض «كريست» في كتابه خيوط الصراع بين البلدين على مختلف المستويات، ويتعرض لموضوعات مهمة وسرية، حيث استغرق الكتاب عشرين عاماً من البحث بحسب مؤلفه، الذي استند إلى عدة شهادات من المشاركين في البلدين، مازجاً شهاداتهم بخبرته كعسكري سابق، والكتاب يناقش الحسابات الخطأ والمناقشات المريرة والخسائر الفادحة والخيانة.
ويقدم الكثير من التفاصيل عن صفقة «إيران كونترا» التي تمت بين الإدارة الأمريكية برئاسة رونالد ريجان والإيرانيين، بعدما بدأت الحرب مع العراق، حيث حصل الجيش الإيراني على سلاح أمريكي متطوّر في مقابل مساعدة طهران على تحرير رهائن أمريكيين في بيروت.
ويشير «كريست» إلى أن الاستخبارات الأمريكية لم تكن بذاك المستوى الكبير من الخوف من نوايا النظام الإيراني الجديد، مقارنة بما حصل بعد فترة من نجاح الثورة الإيرانية، فيتحدث في هذا الصدد عن معلومات مرّرتها «CIA" لأجهزة الأمن الإيراني أدت إلى إلقاء القبض على جواسيس يعملون لصالح الاتحاد السوفييتي، بعضهم أعضاء في حزب "تودة" الموالي لموسكو آنذاك، وذلك بعدما فرّ ضابط كبير في الاستخبارات الروسية المتمركزة في طهران يُدعى فلاديمير كوزيشكين إلى بريطانيا حاملاً معه كنزاً دفيناً من وثائق تتعلّق بعمليات تجسس سوفييتية، بحسب رواية "كريست".
ويقول: مع الوقت، بدأ الأمريكيون يتلمّسون مشاعر الإيرانيين السلبية تجاههم، وذلك بسبب العلاقة التاريخية بين الشاه والبيت الأبيض، هكذا قرّر الأمريكيون العمل على إنشاء شبكات تجسسية داخل إيران لاسترجاع فعالية دورهم في هذا البلد.
ويروي "كريست" كيف أن الكثير من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة تم إنفاقها من دون أن تحقق أي خرق استخباراتي حقيقي داخل الجيش الإيراني، لافتاً إلى أنه حتى الصفوف المتدنية التي تمكّنت "CIA" من اختراقها نجحت الأجهزة الإيرانية لاحقاً بالتعامل معها؛ مما دفع الأمريكيين للشعور باليأس.
ويشرح كيف كان لقرار واشنطن باستقبال الشاه الإيراني للعلاج من مرض خبيث أثرٌ كبيرٌ ضاعَف من عداء الإيرانيين للولايات المتحدة.
كذلك يشير "كريست" إلى درجة التعاون الذي بلغها الأمريكيون والعراقيون من أجل هزيمة طهران في الحرب التي استمرّت ثماني سنوات، ويلفت الانتباه إلى أن واشنطن مرّرت لبغداد حينها الكثير من صور الأقمار الاصطناعية التي تكشف تحرّكات الجيش الإيراني، مما مكّن الجيش العراقي من صد هجمات كلّفت الإيرانيين خسائر بشرية ضخمة.
المواجهة في العراق
في حين يشير «كريست» إلى نجاح ما حققه التعاون الإيراني – الأمريكي في أفغانستان، أثناء العمل على قيام نظام جديد يحلّ محلّ نظام «طالبان»، فقد تحدث عن تفاصيل المواجهة الكبيرة التي دارت بين الطرفين في العراق بعد اجتياح عام 2003م.
وفي حين راهن الأمريكيون على أن يقف المزاج الشعبي العراقي إلى جانبهم بعدما أسقطوا نظام صدام حسين، انكبّ الإيرانيون على العمل الميداني، من خلال دعم علاقاتهم المتنوعة مع العراقيين، وبدؤوا بمساعدة الكثير من الفصائل التي قررت قتال الاحتلال الأمريكي؛ مما منح إيران أفضلية كبيرة على الولايات المتحدة في الساحة العراقية، وذلك بالرغم من كل الجهود الأمريكية التي هدفت في مراحل لاحقة إلى القضاء على تلك الجماعات التي نسجت علاقات متينة مع حليفها الإيراني.
وبحسب «كريست»، فإن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن راهنت على أن نجاح التجربة الديمقراطية في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين سيؤدي إلى ارتدادات كبيرة في الداخل الإيراني الذي سيُطالب بالوصول إلى وضع مشابه في بلاده، على اعتبار أن النظرة الأمريكية للواقع الإيراني تزعم غياب الديمقراطية عن الإيرانيين بشكل كامل، لكن تطوّر الوضع الميداني في العراق ووصوله إلى درجة سلبية جداً بالنسبة للحسابات الأمريكية، وشدة تركيز الحرس الثوري الإيراني على عمله داخل العراق كشف عن مدى عدم صوابية الرؤية الأمريكية لواقع ذاك البلد.
ويقدم «كريست» الكثير من التفاصيل عن صفقة «إيران كونترا» التي تمت بين الإدارة الأمريكية برئاسة رونالد ريجان والإيرانيين، بعدما بدأت الحرب مع العراق، بحيث حصل الجيش الإيراني على سلاح أمريكي متطوّر في مقابل مساعدة طهران على تحرير رهائن أمريكيين في بيروت.
ويشرح كيف تلاعب أحد الوسطاء بالإدارة الأمريكية، هو منوشهر غربانيفار، الذي قيل لاحقاً: إن له علاقات مع «الموساد الإسرائيلي»، وكيف تمكّن الحرس الثوري الإيراني من الحصول عبر تلك الصفقات على مئات من صواريخ «تاو»، تم استخدامها لاحقاً ضد البحرية الأمريكية في الخليج العربي.
ويسلّط الضوء على الضربة التي وجهتها صفقات «إيران كونترا» للعلاقات بين واشنطن والعواصم الخليجية الحليفة لها، بالإضافة إلى عواصم أوروبية أيضاً، فقد ظهر أن الولايات المتحدة التي فرضت عقوبات على دول تهرّب الأسلحة إلى الإيرانيين، تقدّم لهم الأسلحة المتطورة على طبق من فضة، بحسب الكاتب.
حرب ناقلات النفط بالخليج
كما يستعرض «كريست» العديد من تفاصيل حرب ناقلات النفط في الخليج خلال سنوات الحرب الإيرانية – العراقية، فبعد أن بادرت الطائرات العراقية إلى ضرب ناقلات النفط الإيرانية؛ مما سبب الكثير من الضرر الاقتصادي لطهران، راح الحرس الثوري يستهدف بما أمكنه ناقلات النفط العراقية، بالإضافة إلى ناقلات نفط الدول التي كانت تدعم صدام حسين في الحرب، وخاصة الكويتية والسعودية منها.
ويروي كيف نجحت الألغام الإيرانية بإحداث أذى حقيقي لتلك الناقلات، وعرقلت تجارة النفط؛ وهو ما دفع بالحكومات الخليجية إلى طلب حماية البحرية الأمريكية لتحرّك ناقلات نفطها، لكن أثر الألغام الإيرانية لم يتوقف عند ناقلات النفط، لكن استهدف السفن الحربية الأمريكية، وأدّى في إحدى المرّات إلى تدمير إحدى أكبرها وتكبيد طاقمها خسائر كبيرة.
يؤكد «كريست» أنه بالرغم من الحقيقة التي ظهرت بسرعة لاحقاً بأنه تم استهداف طائرة مدنية إيرانية لا طائرة حربية، فإن الضابط الأمريكي الذي أمر بإطلاق صاروخ أرض – جو قد تمّت ترقيته على عمله هذا.
ويرى، بحسب المعلومات التي توافرت لديه، أن هذا «الخطأ» الأمريكي كان له الأثر الحاسم بدفع النظام الإيراني لقبول وقف إطلاق نار بأقرب وقت، بعدما فهمت طهران ما حصل على أنه قرار أمريكي نهائي بفرض حصار جوي على إيران، وأن ما حدث يمكن أن يتكرر في أي لحظة ويودي مجدداً بحياة مئات الإيرانيين.
ويشرح «كريست» كيف ضاعف قرار واشنطن باستقبال الشاه الإيراني للعلاج عداء الإيرانيين للولايات المتحدة مع الوقت؛ حيث بدأ الأمريكيون يتلمّسون مشاعر الإيرانيين السلبية تجاههم، وذلك بسبب العلاقة التاريخية بين الشاه والبيت الأبيض، هكذا قرّر الأمريكيون العمل على إنشاء شبكات تجسسية داخل إيران لاسترجاع فعالية دورهم في هذا البلد.
خلاصات الأفكار:
قدم كريست من خلال كتابه «حرب الشفق» جملة من الخلاصات لفهم العلاقات الأمريكية الإيرانية، من أهمها:
- أن أساس الخلاف الأمريكي الإيراني أقرب إلى سوء تفاهم بين البلدين منه إلى صراع مصالحي وعقائدي.
- حكام إيران يعتقدون أن واشنطن تحاول الإطاحة بنظامهم، مما يجبرهم على التحسب دوماً من نيات الأمريكيين، الذين لا يثقون بدورهم بأهداف الإيرانيين وينقسمون في طريقة التعامل معهم.
- منذ الثورة الإسلامية عام 1979م والولايات المتحدة وإيران تخوضان حرباً خفية شملت حملات موازية للتجسس وعمليات سرية وأخرى عسكرية، ورغم أن الأزمة حول برنامج طهران النووي قد أشعلت عدم الثقة المتجذرة بين الحكومتين، فإن هذه فقط إحدى القضايا الكثيرة المسببة للخلاف بينهما.
- يرى المؤلف أنه حتى لو تمكن الطرفان (الأمريكي – الإيراني) من حسم المشكلة النووية دبلوماسياً، فإن الحرب الأمريكية الكبرى القادمة ستكون على الأرجح ضد إيران.
- يُعتبر تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران إحدى الفرص الضائعة، حيث عندما كان أحد الطرفين مستعداً للتقارب لم يكن الآخر متحفزاً لذلك، والعكس بالعكس، وفي مناسبات عدة عرض محاورون إيرانيون ما ظنه البعض في واشنطن بأنه «صفقات كبرى» إلا أن مبادرات كهذه كانت هي أصل الريبة.
- يعتقد المؤلف أن الولايات المتحدة قد تلكأت وبشكل ثابت في وجه العدوان الإيراني، فتفجير ثكنات بيروت عام 1983م، والهجوم على «أبراج الخُبَر» في عام 1996م، واستخدام الجماعات الوكيلة لإيران لتقويض الجهود الأمريكية في العراق، ومحاولة اغتيال السفير السعودي لدى واشنطن، جميعها ووجهت بردود غير كافية.
- تحولت سياسة باراك أوباما خلال السنوات الثلاث الأولى التي قضاها في منصبه من التفاؤل المفعم بالأمل واليد الممدودة إلى عقوبات اقتصادية قاسية واستعدادات للحرب بسبب سلوك إيران السياسي وسياستها العدائية في المنطقة.
- يخلص «كريست» إلى أن مشكلة إيران ما زالت ثابتة بالنسبة للسياسة الأمريكية، وأنه كلّما حاول فريق ما أن يتقرّب من الآخر، سبق البارود الجميع ليبقى هو سيّد الموقف، هكذا لم تسهم 30 سنة من الصراع الأمريكي – الإيراني في تحسين العلاقات بين الطرفين حتى اليوم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل