; المجتمع التربوي (العدد 1175) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1175)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 168

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

حول قصة طالوت وجالوت قراءة في أوراق جولة في التدافع الحضاري (6 من 7)

جيل النصر

بقلم: د. حمدي شعيب

* على الداعية أن يعمل على بناء القاعدة الصلبة المرتبطة بالمبادئ والقيم لا بالأشخاص فهي تدور مع الحق لا مع الهوى.

﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:249- 250). لقد حدث التمايز، وبرزت القلة المؤمنة التي تغلبت على عوائق الطريق الأربع، ونجحت في التصفيات الثلاث، وهم الربيون والرواحل، الذين يتميزون عند الشدائد، وهم طليعة كل أمة، والقاعدة الصلبة، التي بها يتم التغيير الحضاري للأمم، ولنحاول أن نتدبر ونلم ببعض صفاتهم الواضحة جليًّا هنا:

1- أنهم قلة: ويستشعرون قلتهم، فهم الناجون فقط من التصفيات، حيث أصبح عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا مؤمنًا خالصًا من أصل أمة اشتاقت للجهاد، ومن مجموعة جيش كان تعداده بين السبعين والثمانين ألف مجاهد، وتأمل كيف كان عددهم مثل عدد أصحاب بدر، فعن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- «إن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن، وهم بضعة عشر وثلاثمائة، وفي رواية ثلاثمائة وثلاثة عشر»(1).

2- أنهم ربانيون: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ فهم يوقنون باليوم الآخر وموازين السماء.

3- ذوو طبيعة جماعية مترابطة على رأي واحد: وهذا ما توحي به، جماعية وصفهم في الآية: «يظنون» ثم في دعائهم بصيغة الجماعة.

4- يتمتعون بالطبيعة الذاتية الإيجابية التحرك، وهذا ما توحي به الآية من أنهم الذين بادروا وأعلنوا رأيهم، ووجهة نظرهم، لحظة المواجهة، ولم يجبنوا، وهي نفس الذاتية التي أتت بمبادرة سعد بن معاذ والمقداد- رضي الله عنهما- وتحركهما الذاتي ليتكلم أولهما عن الأنصار والثاني عن المهاجرين أثناء اللحظات الحرجة قبيل غزوة بدر، وليعلنا ترابط الأنصار مع المهاجرين خلف قيادته صلى الله عليه وسلم.

5- أصحاب ثقافة ودارية بالتاريخ وسننه سبحانه: وهذا نلمحه من قولهم: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: حيث إن «التاريخ هو المرآة التي تتجلى فيها سنن الله تعالى في الكون عامة، وفي الاجتماعي البشري خاصة، ولهذا عني القرآن عناية بالغة بلفت الأنظار، وتنبيه العقول إلى هذه السنن للانتفاع بها، وتلقي الدروس العملية منها، فهي سنن تتميز بالثبات، فلا تتبدل ولا تتحول كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43) كما تتميز هذه السنن بالعموم فهي تنطبق على الناس جميعًا، بغض النظر عن أديانهم، وجنسياتهم، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمنًا لخطئهم في غزوة أحد، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 165). على أننا لا نعني بالتاريخ، تاريخ المسلمين فحسب، بل تاريخ البشرية حيثما عرف، فالعبرة لا تؤخذ من سير المؤمنين وحدهم، بل تؤخذ من المؤمن والكافر، ومن البر والفاجر، لأن الفريقين تجري عليهم سنن الله بالتساوي، التي لا تحابي أحدًا، كما أنه ليس المهم لمن يسير في الأرض وينظر في آثار الأمم أن يراها بعين رأسه، ويسمع أخبارها بأذنه، إنما المهم هنا هو عين القلب وأذنه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(الحج: 46) إن أحداث التاريخ تتكرر وتتشابه إلى حد كبير لأن وراءها سننًا ثابتة تحركها وتكيفها، فالغربيون يقولون: التاريخ يعيد نفسه، والعرب يقولون: ما أشبه الليلة بالبارحة، والقرآن الكريم أشار إلى تشابه المواقف والأقوال والأعمال، نتيجة لتشابه الأفكار والتصورات التي تصدر عنها كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (البقرة: 118) ومن عرف التاريخ وسنن الله فيه، تعلم من أخطاء الآخرين، واقتبس من خيرهم، «فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها»(2).

6- لهم موازين ربانية تميزهم عن أهل الهزيمة الداخلية: فلا يخدعهم الظاهر، ولا تغيب عنهم حقائقه التي قد تطمسها الشدائد، ولا تعجزهم قتلهم، ولا ترهبهم كثرة عدوهم ذي المائة ألف مقاتل، لأنهم بحبله سبحانه وبقوته موصولون، وبركنه الشديد جل وعلا يلوذون.

7- يستشعرون معنى أنهم الأعلون: فيثقون بأنفسهم، ويدركون عظم دورهم، وعمق الأمانة المنوطة بهم، وأنهم ستار لقدر الله، بهم ولهم يتحقق نصر سبحانه، وتأمل قولهم: «والله مع الصابرين» فهي ثقة بقوتهم المستمدة من معينه الخاصة سبحانه معهم فهم الصابرون المختارون منه سبحانه للمعركة الفاصلة بين الحق والباطل، وهم الفئة التي قرر بها سبحانه مصير المعركة.

8- أوابون تائبون عابدون: وتأمل تمسكهم بالدعاء، خاصة عند مواطن استجابة الدعاء عند لحظات الهول الرعيب قال صلى الله عليه وسلم: «ثنتان لا تردان، أو قلما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا»(3).

9- يفقهون طريهقم وسيلة وغاية: فهم ذوو فقه بناء راقي للطريق، وتأمل خطوات مبادرتهم فقد رغبوا في الجهاد في سبيل الله كطريق للخروج بأمتهم من مرحلة الذل والهوان، ثم ذهبوا لقيادتهم فطلبوا من نبيهم قائدًا ينضوون تحت لواءه، ثم خرجوا مع قائدهم المختار، وأطاعوه، ولم تلن لهم قناة أمام عقبات الطريق، وبعد مرحلة الإعداد، كان اللجوء والدعاء، وتأمل مكان الدعاء: فلقد كان في مواجهة العدو بعددهم الكثير، وتدبر وقت الدعاء: حين البأس، وتفكر في أسلوب الدعاء: لقد طلبوا ثبات القلوب بمزيد من الصبر بحيث يغمرهم، وينسكب عليهم، فيزيدهم طمأنينة وسكينة واحتمالًا للمعركة الرهيبة الشاقة، ثم طلبوا ثبات الأقدام فلا تتزحزح، ولا تزل ولا تميد.

10- يفقهون ويدركون قواعد النصر: وتأمل ما ورد في دعائهم: «بإذن الله والله مع الصابرين» و«وانصرنا» فهم يعلمون أن النصر «لا يأتي عفوًا، ولا ينزل اعتباطًا، ولا يخبط خبط عشواء، إن للنصر قوانين وسننًا سجلها الله سبحانه في كتابه الكريمن ليعرفها عباده المؤمنين، ويتعاملوا معها على بصيرة.

أ- إن النصر من عند الله تعالى، فمن نصره الله فلن يغلب أبدًا: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: 10) ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (آل عمران: 160)

ب- إن الله لا ينصر إلا من نصره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)

ج- إن النصر لا يكون إلا بالمؤمنين ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال:62) وقد ينصر الله من يريد نصره بالملائكة كما حدث في غزوة بدر والخندق وحنين: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الأنفال:12) وقد ينصر الله من يريد نصره بالظواهر الطبيعية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (الأحزاب:9) وقد ينصر الله من يريد نصره بأيدي أعدائه وأعداء الله أنفسهم، كما حدث ليهود بني النضير: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر:2) ولكن أدوات النصر هذه كلها تتوقف على وجود المؤمنين»(4).

11- يدركون حقيقة عدوهم وقدره وصفته: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:250)، أي أنهم كافرون بكل ما تحمله الكلمة من معاني الجحود والانحراف والهوان على الله- عز وجل- فهم حزب الله أمام حزب الباطل، ولهذا طلبوا منه سبحانه النصر عليهم.

ولهذا يدرك الداعية، مدى أهمية إيجاد مثل تلك القاعدة الصلبة، ووجوب المشاركة في صنعها، وفرضية نصرها بالقول والعمل، فهم جيل النصر، ومفتاح التغيير، وباب الخروج من مرحلة القصعة والوهن الحضاري.

لقطات من ميدان المعركة:

فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت، وأتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء: لقد لجت القضية وحسمت المعركة، وكسروا عدوهم، وانتصروا بإذن الله.

وكان من قدره سبحانه لداود- عليه السلام- أن أتاه الملك بعدب طالوت، والنبوة بعد موت شمويل أو صوميل، ولم يجتمعا لأحد من قبله، وعلمه صنعة الدروع ومنطق الطير، وورثه ابنه سليمان- عليه السلام- و«هذه أعلى قمة وصلت إليها دولة بني إسرائيل في الارض، وهي عهدهم الذهبي الذي يتحدثون عنه، والذي لم يبلغوه من قبل في عهد النبوة الكبرى، وكان هذا النصر كله ثمرة مباشرة لانتفاضة العقيدة من تحت الركام، وثبات حفنة قليلة عليها أمام جحافل جالوت»(5).

وشريط المعركة، يدعونا للوقوف عند بعض اللقطات الميدانية، لنتدبر، ونستجلي بعض الملامح التربوية.

أ- فقه تصنعه الحركة: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة:251) هكذا شاء سبحانه أن يعطي على أرض المعركة درسًا علميًّا في العقيدة، ليربي أولئك المنتصرين، ولمن جاء بعدهم، ويذكرهم بما علموه من قبل، بأن هزيمة عدوهم كانت بإذن ومشيئته وكانوا هم مجرد ستار لقدره، وقد نالوا شرف الجهاد وشرف رفع لواء الحق، الذي إن لم ترفع بهم فسيرفع بغيرهم، والتربية لا تكون إلا بالحركة، والفقه لا يأتي للقاعدين المراوحين، بل للمتحركين الإيجابيين المجاهدين.

ب- في مبادرة الغلام لقتل جالوت: توحي بأن حالة التعبئة العامة للجهاد قد امتدت لكل الطبقات، حتى الغلمان والفتيان كما شملت الملأ من قبل، وتوحي بأهمية تربية الأبناء على حب الجهاد والموت في سبيل الله، خاصة في أمة قد تداعت عليها الأمم.

ج- رجل المرحلة: في اختيار الله سبحانه للفتى داود ليقتل جالوت ويحول دفة المعركة إلى نصر مؤزر: تبين أهمية وجود رجل المرحلة في الصف المسلم، بغض النظر عن موقعه، فيجب أن لا يبخل بنفسه إن رأي خيرًا هو له أهل، ويجب على الصف أن يعطيه فرصته، فلعلها الشرارة المنتظرة.

د- في استئذان الفتى من قائده:توحي بمدى الدقة والتنظيم في الجيش، فكل الخيوط بيد القيادة، من أكبر رتبة إلى أصغر جندي.

هـ- ما أشبه الليلة بالبارحة: إذا صحت الرواية التي ذكرت أن العمالقة الذين غلبوا بني إسرائيل، وأذلوها كانوا هم الفلسطينيين، وكان للحجر والمقلاع دور في يد فتى بني إسرائيل، وكانا من ضمن ركائز تحويل دفة المواجهة، وكانا شرارة النصر، ترى هل عاد المقلاع والحجر، ولكن في جانب القوة الأخرى حسب سنة التداول الإلهية، عادا في أيدي أشبال الأقصى، ليؤديا دورهما في جولة الصراع الحضاري المعاصرة، وليعطياها الوقود؟! خاصة وأن التعقيب على هذه القصة يركز على سنة إلهية في عملية التحول والتغيير الحضاري وهي سنة التدافع أو المدافعة؟!.

(1 ) رواه البخاري.

(2 ) الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف: د. القرضاوي 101- 104 بتصرف.

(3 ) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

(4 ) جيل النصر المنشود: . القرضاوي (8- 12).

(5 ) في ظلال القرآن جـ 2 ص 262.

الرابط المختصر :