العنوان أين يتواضع الإسلاميون في معتركات التدافع الحضاري؟
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999
مشاهدات 99
نشر في العدد 1348
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 04-مايو-1999
د. خضير جعفر(*)
شهد النصف الأول من هذا القرن حالة انحسار واضحة المعالم والأبعاد للإسلام عن ميادين الحياة وأنشطتها، وأجوائها، بيد أن النصف الثاني منه قد انعطف في عقده الخامس، وكأنه قد بلغ أشده متجاوزّا سن الرشد ليؤذن بنهاية الانحسار والضمور ويبشر ببدايات التعملق والظهور على مسرح الحياة ومناخاتها، عملًا وأملّا - لدين يحمل معه سر قوته ويتمدد بسرعة مذهلة باغتت كل الذين راهنوا على غيابه وتغييبه، وتحدثوا بجزم عن استحالة عودته في عصر النهضة والتكنولوجيا وعقود الإيديولوجيات والأحلاف، والكارتيلات التي لم تترك مجالًا لحركة عملاق كادت ثلاثية عجز علمائه، وجهل أبنائه، وكيد أعدائه أن تحوله إلى جثة هامدة مبضعة أثخنتها جراح الغدر واستنزفتها أحقاب القهر، وأحالتها إلى رقم مهمل في زوايا النسيان، ثم لاحقته قوى الشر بالتهم والافتراءات وحملات التشهير والتزوير، وكأنها لم تكتف بطرحه على الأرض منهكًا، وإنما راحت تحمله مسؤولية ما لم يكن عنه مسؤولًا، لكي تنهي الأمل في عودته ولو إلى عالم الفكر والذكر والذاكرة.
والأنكى من ذلك، أن هذا الفكر المغدور المصادر لم يجد من يدافع عنه، لتتجسد بذلك أكبر ظلامة في تاريخ الحضارات، تلحق بأعدل قضية لم ينبر للدفاع عنها حتى محامٍ فاشل... وما أن أكمل القرن الراهن نصف دورته حتى أفاق هذا العملاق من خدر الجراح وهو يعض عليها، لتدب في أوصاله العافية، وليتحول- بقدرة قادر - من مواقع الهزيمة، والانزواء والاحتضار.. إلى مواقع الدفاع والانتشاء. وإعادة الانتشار، ومنها يقفز - وفي زمن قياسي إلى سواتر الهجوم، وحدود الخصوم، في خنادق المواجهة، وساحات التحدي، وميادين الاصطكاك، وكأنه يريد أن يذكر ببدايات انتشاره وازدهاره يوم فتح نصف الأرض الأول في أقل من ربع قرن.
وقد تزامن ذلك مع أفول نجم الماركسية وغروب شمسها، وتراجع الفكر الرأسمالي الغربي، وحيرة القائمين عليه، وذهول المبهورين به.. لكن ذلك كله لم يمنع قوى الظلام.. المرعوبة من انتشار أنوار الهدى أن تجمع أمرها وشركاها، للحيلولة دون عودة هذا العملاق إلى واجهة الأحداث، ولذلك تظاهر على وأده كل دهاقنة الشر، وكهنة الظلام، وسماسرة الفكر والسياسة والإعلام، بيد أن هذا الوليد الجديد. بل العملاق العتيد قد شب عن الطوق، ولم يعد يخشى العوائق والعقبات التي تجاوزها بألق ودخل معركة المصير متدرعًا بوعد الله القائل: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥) ومتحصنًا بثقة الأمة التي أمدت طلائع الوعي، وحملة بيارق الصحوة الأباة بكل أسباب الثبات والكدح لمواصلة الشوط حتى بلوغ الأهداف الكبرى.
وانجلت الغبرة عن جبهتين تتعملق على خط إحداهما حضارة معربدة يحرسها غول مادي مجنون، وقوى شيطانية كبرى مدججة بكل أسلحة الدمار الشامل ووسائل الإعلام المضلل ورساميل الاقتصاد، وكارتيلات السياسة وأحلاف القهر والعدوان، وعملاق التكنولوجيا وتتفر عن مصرة على بسط هيمنتها، وهي عازمة على التفرد في ساحات المنازلة، وقد اتكأت في عالمنا الإسلامي على فكريين وثقافيين وسياسيين، بينما يقف على الطرف الآخر من جبهات التدافع والصراع قيم السماء وحضارات الرسل، وأخلاق الأنبياء تحتضنها جموع بشرية دبت مشاعر الوعي في مفاصل تفكيرها بعد أن سئمت الحياة في ظلال الجاهلية، وأتعبها التجوال في صحارى البحث عن الهوية، فلم تجدها إلا في أحضان الذات المضيعة والعودة إليها، وهزها الإحباط بعد طول الهرولة، وراء سراب المادية، وموضات العصر، وبريق الشعارات وخداع الأحزاب القومية والوطنية الشرقية منها والغربية فتلمست بعد الظمأ ضفاف غدران الذات المضيعة، وأحست ببرد مائها وأفيائها، فأيقنت أن شواطئ الأمن ومرافئ الأمان في ديارها لا في الغرب والغربة، ولذلك شدت من آزر فرسان الوعي الإسلامي ومدت أكفها لتبايعهم على مشروعهم كله وبلا تحفظ.
ترى أين يتموضع الإسلاميون في معترك حضاري كهذا الذي يحتدم فيه صراع مرير وخطير؟
الإجابة الموضوعية تحتم علينا القول بأن هذه المعركة ليست متكافئة ولكن أسلحتها متغايرة ومتفاوتة ، ففي الجبهة الأولى مادية مرعبة قادرة على أن تفتك بالأجساد وتقضي علي العباد، ولكنها عاجزة عن مناجزة الروح ومنازلة الفكر، وإنزال الهزيمة بأهله وإن صبغت الوجود بلون الدم وأشاعت فيه رائحة البارود، بينما أسلحة الجبهة الأخرى حضارة أصيلة خيرة قادرة على اختراق العقل وإقناعه وتموين الفكر بما يغذيه وإشباعه وتغيير النفس الإنسانية وتطهيرها وإنارة زوايا الظلمة في حناياها، ولذلك تأكد للمراقبين عجز القوة المادية المتغطرسة في مواجهة تتصادم فيه الروح مع المادة والفكر مع القهر، ويتشابك فيه منطق القوة مع قوة المنطق، بعد أن أثبتت تجارب التاريخ أن قتل الأمم وإبادة الشعوب لا يقضي على إيمانها، وأن قوة المنطق لا يمكن أن يقضى عليها بمنطق القوة؛ لأن الإيمان الذي تعمقه التضحيات والجراح لا يمكن أن تقمع قوة السلاح، بينما بإمكان المنطق القوي أن يغير المحتوى الداخلي لمن يحمل القوة وأدواته، فيصير منه نصيرًا ومنها سلاحًا لصالح الحق والمنطق والصواب.
ومن هنا فلا خيار للإسلاميين غير التسلح بالمنطق القوي والحجة البيئة، والتحصن بسياج الأمة، والاحتماء بجماهيرها، والعيش في أوساطها والنزول من أبراج التنظير إلى ساحات التغيير والتأثير، فلا يسبقونها بغرور يفضي لأن تستفرد بهم قوة باغية، ولا يتخلفون عنها فيفقدونها الرشد والنصح والتسديد، كما ينبغي ألا يغرقوا في بحار الأماني، ويضيعوا في طوفان العقل الجمعي؛ ليتحولوا من مغيرين مؤثرين فاعلين إلى منفعلين متغيرين ومتأثرين.
إن مسؤولية الواعين أن يضعوا على طريق حركة الأمة علامات مرور هادية لكي لا تكبو في وديان التهور فيهدموا بذلك ما أشادته الدماء والدموع، والعرق عبر الدهور، وأن يجنبوا حشودها الانجرار وراء الانفعالات التي لا يمكن أن يترشح عنها غير الخسائر والتفريط بما تم إنجازه على طريق تحقيق المشروع الإسلامي المبارك، ومن ثم دعوة الأمة إلى الركون المنطق العقل والتعاطي مع الأحداث بواقعية وموضوعية من شأنها أن ترسخ الوعي، وترشد الجماهير، وتثبت لها الأقدام وسط منزلقات الفتن لوضعها على المسار الصحيح في مواجهة الواقع الذي يسخر فيه الضد الحضاري كل أسباب العلم، ووسائل المعرفة والنظام، ومنطق الأرقام والإحصائيات الصالح معركته معنا وإلا فلا الأماني والطموحات ولا ردود الفعل والانفعالات، ولا حتى الدعاء والادعاءات بقادرة وحدها على حسم الموقف لصالح معركة الحضارة في عالم تسوده لغة القوة، ويتسلح أهله بآخر ما أبدعته تكنولوجيا الدمار وحضارة العنف والاستعمار وثقافة الاستئثار والاستهتار.
ويبقى الأمل بنصر الله أكبر عدة، شريطة أن نكون لذلك أهلًا وأن نفي بعهدنا معه سبحانه يوم عقد معنا ميثاقه بقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧) فهل نحن فاعلون؟! ذلك ما ينبغي لنا الإجابة عنه بالأعمال قبل الأقوال، وبالمبادرات لا بردود الأفعال.
(*) أستاذ أكاديمي- طهران
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل