; صفحات من دفتر الذكريات (٤١) .. معيزة.. ومصالي حاج وحزب الشعب الجزائري | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٤١) .. معيزة.. ومصالي حاج وحزب الشعب الجزائري

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995

مشاهدات 91

نشر في العدد 1143

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 28-مارس-1995

لقد ذكرتُ مصالي حاج عدة مرات، وقد حان الوقت ليعرف القارئ كيف التقيت به لأول مرة، وكيف عرفت شخصيته وجهاده في سبيل استقلال الجزائر. 

كان ذلك في بداية إقامتي في باريس عام ١٩٤٦م، وكان الوطنيون الجزائريون يعتبرون أن باريس هي العاصمة الحقيقية التي تدار منها شئون الجزائر التي تصر فرنسا على اعتبارها جزءًا من الجمهورية الفرنسية وليست مجرد مستعمرة من مستعمراتها، وأنها كانت تضم محافظات فرنسية، كما أن وجود عدد كبير من الجزائريين الذين يعملون في باريس مكن الحركة الوطنية من تنظيم مركز قوي لحزب الشعب الجزائري يضم أكبر عدد من هؤلاء العمال الكادحين في فرنسا، والذين يؤمنون بمستقبل وطنهم.

ثم إن الظروف في باريس كانت تمكنهم من أن يقوموا بنشاط لا يمكنهم أن يقوموا به في الجزائر نفسها، نظرًا لأن الحكام الفرنسيين في الجزائر كانوا يطبقون قوانين خاصة لقمع الجزائريين وإرهابهم والاستبداد بهم، ويسمونها القوانين الأهلية وتطبق على المسلمين وحدهم، ولا تطبق على الفرنسيين أو الأجانب وهي تختلف عن القوانين الفرنسية التي تطبق في فرنسا، رغم أن الجزائر في نظرهم جزء من فرنسا، ورغم أن القوانين الفرنسية تطبق على الفرنسيين والأجانب المقيمين في الجزائر.

المستعمرون يعتبرون الجزائريين غرباء

وكانوا يصفون الجزائريين دائمًا بأنهم «المسلمون»، ولا يسمونهم جزائريين، بل بالعكس يعتبرون

 الفرنسيين المقيمين في الجزائر هم الجزائريون وهم المواطنون الكاملون، أما أهل الجزائر فكانوا يسمونهم «مسلمين»، ومعنى ذلك في ذهنهم أنهم طبقة معادية لهم، أو يسمونهم الأهالي، إشارة إلى أنهم طائفة مستضعفة مضطهدة يتمنون أن يجدوا الطريق إما لاستغلالها استغلالًا مفرطًا وإما لإبادتها، وكلا الأمرين في نظرهم لا مفر منه، فالاستغلال هو وسيلة من وسائل الإبادة، لأنه يضطر عددًا كبيرًا منهم إلى الهجرة إلى فرنسا وإلى بلاد أوروبا للعمل فيها، وهؤلاء مصيرهم أنهم يذوبون هناك في تلك المجتمعات الأوروبية والمسيحية، أما الذين يعيشون في الجزائر فيعيشون في رعب مستمر لا يتمتعون بأي حق من حقوق الإنسان سواء حرية الكلام أو العمل السياسي، أو حتى حرية العمل الزراعي أو التجاري، فالأرض كلها تقريبًا نزعت من الأهالي المسلمين وأعطيت للمستعمرين الفرنسيين يملكونها ويسيطرون على من يعملون بها، كأنهم عبيد للأرض طبقًا للنظام الإقطاعي الأوروبي في العصور الوسطى، حيث كان الفلاحون عبيدًا يلتصقون بالأرض ويملكهم مالك الأرض، فضلًا عن حرمانهم من أن تكون لهم ثقافتهم العربية أو الإسلامية.

المستوطنون الفرنسيون بالجزائر يصفون الجزائريين بالمسلمين ولا يرونهم مواطنين

محاربة التعليم العربي الإسلامي

وكانت الإدارة الفرنسية تحارب التعليم العربي والإسلامي وتعتبر أن إنشاء مدرسة عربية جريمة يعاقب من يرتكبها، وهكذا فإن المسلم الجزائري بمجرد خروجه من الجزائر يشعر بأنه انتقل إلى عالم آخر يمارس فيه بعض الحقوق الإنسانية التي يتمتع بها البشر جميعا وإن كانوا رغم ذلك يضطهدون أيضا في فرنسا، ولكن بأساليب وبإجراءات تختلف عما يجري في الجزائر فهي تصرفات مخالفة للقانون الفرنسي وليست مدَعَّمة بقوانين أهلية مثل تلك التي تحكم في الجزائر، وفرق بين اضطهاد بالقانون والاضطهاد المخالف للقانون، فإن الاضطهاد المخالف للقانون يعطي للمضطهد الحق في أن يصرخ ويستنجد ويحتج ويقاوم في بعض الأحيان، وهذا هو ما يفعله الجزائريون المقيمون في فرنسا، ولكنهم كانوا يفضلون المقاومة السلمية، وإذا اضطر بعض أفرادهم للمقاومة الفعلية باستعمال السلاح أو العنف فإنهم لم يكونوا يترددون فيها، وقد أدى ذلك إلى أن الفرنسيين يتهمونهم كثيرًا بأنهم يلجئون للعنف في فرنسا، وسبب اللجوء للعنف اعتقادهم بأن الآخرين يخالفون قوانينهم في معاملتهم ويستبدون حتى في فرنسا نفسها، لكن الحركة الوطنية قدمت لهم بديلًا عن العنف الفردي، وهو المقاومة السياسية والتنظيم الحزبي، لذلك أصبح للحزب الوطني «حزب الشعب» قاعدة صلبة من الجزائريين المقيمين في فرنسا وفي باريس بصفة خاصة، وكلهم عمال، لا يوجد منهم تاجر إلا نادرًا، في حين كان هناك بعض التجار من المغاربة ومن التونسيين ولهم محلات تجارية وبعضهم كان يتمتع بقدر لا بأس به من الثراء، أما الجزائريون فكانوا كلهم عمالًا.

التعرف على مسئولي حزب الشعب

لقد بدأت الحركة الوطنية داخل نقابات العمال الفرنسية، فتسربت إلى بعض قادتهم الأفكار الاشتراكية ولكنها لم تصرفهم عن قضيتهم الوطنية، كما أنها لم تتعمق في الجماهير، إن الحركة الوطنية الجزائرية تمتاز بأنها بدأت في باريس، ولذلك فإنها كانت تعتبر باريس قاعدتها، وموطنها، وعاصمتها، وميدان عملها الأول، وأن عدوها هو الحكومة الفرنسية وليس فقط العاملون أو الموظفون أو المعمرون المستوطنون في الجزائر.

وكان من حسن حظي في أول عهدي بباريس إنني تعرفت على المسئول عن حزب الشعب الجزائري في فرنسا، وهو الشهيد المرحوم إبراهيم معيزة، وكان يسكن في منزل بالحي اللاتيني بالقرب من حديقة «لوكسامبورج» ويعيش مع زوجته وابنته، وكانت معرفتي به عن طريق اثنين من التونسيين أولهما صديقي الأستاذ «محمد الميلي»، وكان طالبًا يدرس علوم المواصلات والاتصالات السلكية في باريس وعندما عرفته قلت له إن عليَّ أن أتعرف على المسئولين في جميع الحركات الوطنية في شمال إفريقيا وأولهم الجزائريون، فقال لي: إن لي صديقا تونسيًّا هو السيد «الطاهر جيجة» وكان طالبًا في السوربون في كلية الآداب، قال لي: إن «جيجة» هو تونسي ولكنه لا يعمل إلا مع الجزائريين ويعتبر نفسه عضوًا مجندًا في حزب الشعب الجزائري لأنه في نظره الحزب الوطني الشعبي الحقيقي، فأعجبني ذلك والتقينا بـ «جيجة» في مطعم الطلبة طلبة شمال إفريقيا الموجود في سان

 ميشيل في رقم (١١٥) وكانوا يعرفونه دائما بـ (١١٥).

ما زال هذا المطعم موجودًا، فقد رأيته في آخر زيارة لي لفرنسا، وهو عبارة عن دور أرضي في إحدى العمارات يقدم لهم الغذاء بسعر معقول يكاد يقارب سعر المطاعم الجامعية في المدينة الجامعية، وطبعًا هذا بفضل العمالة الرخيصة والاجتهاد في المشتريات بالجملة، وكذلك معونات من بعض الجهات العربية والإسلامية وبعض الهيئات التي ترعى الطلاب.

حزب الشعب بقيادة مصالي حاج، يستقطب الجزائريين في حركة سياسية منظمة لمقاومة المحتل الفرنسي معتمدًا على العروبة والإسلام

لقد التقيت بجيجة، وأخذني إلى منزل إبراهيم معيزة، وكان شابًا رقيقًا طيب الحديث وقد رحب بي كثيرًا لأنه كان يشعر بشيء من العزلة وخصوصًا بعد الحرب، وسبب العزلة كما أعرف أو كما لاحظت أن إخواننا الجزائريين عمومًا يشعرون بأن جميع أبناء الدول العربية والإسلامية يبتعدون عنهم ويخشون الاتصال بهم، لأن الفرنسيين يخوفونهم من ذلك ويشيعون لديهم أنهم فرنسيون، ولا يجوز لهم أن يعاملوهم على أنهم مواطنون عرب، أو أنهم جزء من الأمة العربية أو الإسلامية، وقد لمست هذا بنفسي في أول وصولي لباريس، إذ طلبت من الملحق الثقافي أن يعطيني خطابًا إلى الجهات الفرنسية المختصة في وزارة الداخلية لكي أزور الجزائر زيارة سياحية أو دراسية، ولكنه رفض وقال لي ابتعد عن الجزائر فلا دخل لنا بها، لأن الفرنسيين يعتبرونها جزءًا من فرنسا، فقلت له: وإذا كانت جزءًا من فرنسا، ونحن في فرنسا فلماذا يمنعوننا من زيارة جزء من بلادهم العزيزة!

قال: هكذا.. هذه سياستهم ونحن ليس من مصلحتنا الآن أن ندخل معهم في معركة من أجل الجزائر، اشتغل بعلومك ودروسك ولا تفكر في هذا الموضوع إطلاقًا.

 لقد سكتُّ على مضض، لأنني وعدت الشيخ الفضيل الورتلاني، بأن أعمل كل ما أستطيع لكي أزور الجزائر، وأتعرف عليها وأعرف واقعها، وهذه النية لازمتني طوال مدة إقامتي في فرنسا، وقد استطعت أن أزور تونس وطنجة والمنطقة الشمالية في المغرب، أما الجزائر، فقد عدت لمصر دون أن أتمكن من دخولها، لكن الله عوضني عن ذلك أنني دخلتها في أول يوم من أيام الاستقلال كما سأذكر فيما بعد في عام 1962م.

أثناء إقامتي في فرنسا لاحظت أن الجزائريين عمومًا كانوا يشعرون بأن المسلمين والعرب المنتمين إلى البلاد الأخرى بما فيهم أبناء تونس والمغرب الأقصى يتعالون عليهم وكأنهم يقولون لهم بصيغة ضمنية نحن مواطنون لدولة عربية وقد تكون محتلة أو تحت الحماية، ولكن بلادكم في نظر فرنسا مستعمرة وأنتم أبناء المستعمرات هذه العزلة جعلت الأخ «إبراهيم معيزة» يأنس كثيرًا بأن طالبًا من الشرق يبحث عنه ويجلس ويتحدث معه في شئون الجزائر ويقول له: إن الجزائر بلادنا جميعًا، ونقلت له صورة عن أحوال أبناء الجزائر وشمال إفريقيا في مصر ونشاطهم، وتبين لي أنه لم يكن هناك أي اتصال مباشر بين هاتين المجموعتين من أبناء الحركة الوطنية، إذ لم يكن هناك أية مراسلة بسبب ظروف الحرب، وأذكر أن الذين ودعوني في مصر لم يقل لي أحد منهم أنه يعرف مندوب الحركة الوطنية في فرنسا (رغم أنه يمثلها في مصر)، لكي أتصل به في فرنسا، وقالوا لي: أنت هناك تبحث وتسأل حتى تعرف، وقد يكون هذا بسبب سريَّة الحركة وقد يكون بسبب انقطاع الاتصال زمن الحرب وهو الأغلب.

تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية

إن «معيزة» بدأ يقص على تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، وكيف نشأت هذه الحركة في فرنسا نظرًا لوجود قدر من الحرية يسمح لهم بالنشاط والاجتماع والخطابة والكلام والاتصال بالصحف، والصحف طبعًا هي صحف فرنسية ولا تهتم بقضاياهم إلا من باب الإثارة لا أكثر ولا أقل، وقال: بلا شك إن اليساريين الفرنسيين وخصوصًا الشيوعيين والاشتراكيين والنقابيين منهم بصفة خاصة كانوا أول الناس اتصالًا بهم، لا حبًّا فيهم، لكن لأن النقابات كانت تريد توسيع قاعدتها نظرًا لوجود عدد كبير من العمال من أبناء شمال إفريقيا، وكان لهم الحق في الانضمام إلى النقابات، فكانت النقابات الأولى والكبرى كان يسيطر عليها الاشتراكيون والشيوعيون، ولكن وجدت بعد ذلك نقابات الأحزاب الأخرى، وكان هناك صراع وتنافس كبير بين هذه النقابات.

هذا التنافس استفاد منه أبناء الجزائر وأبناء شمال إفريقيا في أنه أصبح لهم موقع يستطيعون أن يمارسوا فيه بعض النشاطات ويبذلوا جهدهم للشكوى من سوء الأحوال في بلادهم وتبليغ الرأي العام الفرنسي شكاوى بلادهم وشعوبهم.

عندما التقيت بالسيد إبراهيم معيزة لأول مرة قالوا لي بأنه الآن مشغول بحملة يقوم بها الحزب في الجزائر وفي فرنسا للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين عامة وخصوصًا الذين اعتقلوا إثر حوادث سطيف وقسنطينة في (8) مايو (١٩٤٥م) التي اهتز لها الرأي العام في الجزائر وفي فرنسا، وكذلك الإفراج عن مصالي حاج المحكوم عليه بالإعدام أو بالأشغال الشاقة المؤبدة، والذي قضى مدة طويلة في سجن «لامبيزه» في الصحراء الكبرى، وهو سجن مخصص للمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، ودعاني لحضور أحد الاجتماعات التي نظمها لهذا الغرض وهناك وجدت قاعة معلومة بالجزائريين وكانوا يشتعلون حماسًا، وكان المتحدثون مجموعة من الجزائريين والفرنسيين يشيدون بحزب الشعب وزعيمه مصالي حاج، ويتحدثون عن الفضائح التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وعن حوادث «سطيف» وضحاياها الذين قتلوا والذين سجنوا، وأيدوا المطالبة بالإفراج عنهم.

جهاد مصالي حاج الوطني

حضرت اجتماعات أخرى من هذا القبيل، وكانت لي لقاءات متكررة مع إبراهيم معيزة عرفت فيها كثيرًا عن تاريخ الحركة الوطنية في الجزائر، وتاريخ زعيمها «مصالي حاج»، الذي كان عاملًا من العمال الذين جاءوا للبحث عن الرزق، وكان يتنقل من عمل إلى عمل، وكلها كانت أعمال يدوية عادية، وأنه دخل النقابة وهيأت له شخصيته أن يبرز نشاطه في النقابة الفرنسية اليسارية، وشجعه النقابيون ليستفيدوا منه في جذب العمال الجزائريين إلى نقابتهم، وبدأ يدعو العمال الجزائريين أن يدافعوا عن حقوق شعب الجزائر، وعن عروبتها وإسلامها وأنشأ في عام ١٩٢٦م حركته وسماها نجم شمال إفريقيا، ومعنى ذلك أنه كان يهدف لوحدة الأقطار الثلاثة، وعندما قرر العودة للجزائر ليمارس نشاطه هناك في عام ١٩٣٧م.

فرنسا كانت تعتبر الجزائر جزءًا منها فقبضت على مصالي حاج، وأصدرت عليه حكمًا بالإعدام لأنه يطلب الاستقلال لشعبه

أنشأ حزب الشعب الجزائري وبسببه اعتقل وحكم عليه بالإعدام الذي عدل إلى السجن المؤبد 

حزب الشعب الذي أنشأه يطالب باستقلال الجزائر وانفصالها عن فرنسا، وهذه خيانة لفرنسا، لأنها في نظرهم حركة انفصالية وجناية طبقًا للقانون الفرنسي الذي يقرر أن الجزائر جزء من فرنسا يضم ثلاث محافظات فرنسية وراء البحار.

وقد لاحظت أن هذه النظرة الفرنسية كانت عقبة في طريق وحدة الأحزاب الوطنية في شمال إفريقيا، لأن المغاربة أو التونسيين كانوا يخشون التورط مع الجزائريين تورطًا يؤدي إلى أن يقعوا تحت طائلة القانون الجنائي الفرنسي، ومع ذلك كان الجمهور متحمسًا لإيجاد صيغة من التعاون والتضامن بين هذه الحركات الوطنية، وقد لاحظت أن الحركة الوطنية الجزائرية كانت دائمًا تعتبر وحدة الحركات الوطنية في شمال إفريقيا في صالحها لأن الجزائر كان وضعها أسوأ بكثير من وضع تونس والمغرب من الناحية القانونية والناحية السياسية، حيث إن تونس والمغرب دولتان موضوعتان تحت الحماية، أما الجزائر فهي تعتبر مستعمرة أو إقليمًا ضمته فرنسا إليها، وطول مدة إقامتي بفرنسا كنت أعتب على إخواننا المغاربة والتونسيين، لأن عندهم قدرًا أكبر من الأنانية ومن الظن الخاطئ بأن قضية بلادهم هي قضية سهلة وليس من مصلحتها أن ترتبط بقضية الجزائر التي فيها صعوبات كبيرة، وهذا هو ما كان يمنع من وحدة الكفاح، وحاولت طول مدة إقامتي أن أجذب الجميع إلى خطط متفق عليها ومنسقة قدر الإمكان، ولكن هذا المسعى لم يكن يلقى نجاحا عند المغاربة والتونسيين نتيجة ذلك الفهم الخاطئ.

 المهم أنه في يوم من الأيام بعد شهور قليلة وبعد عدة مقابلات مع معيزة، أخبرني أن مسعاهم قد أحرز نجاحًا وأن الحكومة الفرنسية تتجه إلى الإفراج فعلًا عن مصالي حاج، وعن كثير من المعتقلين السياسيين في الجزائر، وقال لي إنه يتوقع وصول مصالي حاج، إلى باريس لأن الفرنسيين لا يريدون أن يسمحوا له بالذهاب إلى الجزائر، إلا عن طريق باريس، وفعلا أبلغني «بوصول مصالي»، وقدمني إليه في منزله وجلست معه مدة طويلة، ثم تعددت مقابلاتي معه.

 بعد أن وصل مصالي إلى فرنسا كان يستعد للعودة للجزائر وكان متفائلًا، وكلف إبراهيم معيزة، بأن يسبقه إلى هناك ليقوم بما يلزم من استعدادات لنقل الحركة إلى الجزائر وبعد شهور قليلة من تعارفي مع إبراهيم معيزة عاد إلى بلاده، وكان هذا آخر لقاء لنا لأنني سمعت فيما بعد أنه توفي في «حادث سيارة»، ولحق بقافلة الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم من أجل الجزائر، وهم كثيرون قبله.. وكثيرون بعده.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل