; الإسراء بين الأمس واليوم | مجلة المجتمع

العنوان الإسراء بين الأمس واليوم

الكاتب علي عبدالعزيز حسنين

تاريخ النشر الأحد 02-فبراير-1992

مشاهدات 75

نشر في العدد 987

نشر في الصفحة 34

الأحد 02-فبراير-1992

نحن الآن نعيش عصرًا يطلق عليه تارة عصر العلم وتارة عصر القضاء وتارة عصر الذرة ومعنى ذلك أنه ليس فيه وقت أو مجال لأن تناقش فيه أمر الإسراء هل كان بالروح أم كان بالجسد أم كان بهما معًا.. كما كان ذلك الحوار أو تلك المناقشات تأخذ حيزًا كبيرًا من النزاعات في عالم البشر ودنيا المناظرات ذلك لأن هذا العصر بفاعلياته وإثباتاته العلمية قد أبطل هذه النوادي وتلك الأسواق التي كانت تقام بين الحين والآخر لتلك الصراعات.

لقد وصل أرمسترونج إلى القمر بروحه وجسده وعاشته المركبات الفضائية أيامًا معدودات بأجساد راكبيها وأرواحهم وسادت المحطات المدارية أشهرًا عدة في أجواء الفضاء بأجساد أرواح راكبيها، بلا معاناة أو إرهاق، بل بدأت التجارب اليوم لزراعة بعض الكواكب تمهيدًا لغزو الفضاء بل للحياة في كواكب أخرى من الفضاء.

إذن فإن هذا العصر قد تجاوز أمر الحوار في حادث الإسراء وما كان يدار حوله من نقاش كثيرًا ما كان يتناول الإيمان من فساد ونقصان وكثيرًا ما كان يقع بسببه الخلاف والشقاق بين الخلف من الأمة بل بين سلف الأمة الذين هم خير القرون والمشهود لهم بالجنة والمذكورون في كتاب الله بصورة في أنصع صورة لبني الإنسان ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّه وَأُوْلَٰٓئِكَ هُم أُوْلُواْ الألبابِ﴾ (الزمر:18).

إن الذي أعطى الإنسان من الخصائص ما يمكن أن يأتي بها بالمعجزات، ثم هداه بهذه الخصائص أن يفعل ما كان يظن قبل ذلك بأنها من رابع المستحيلات يوم نزول هذه الآيات فهل يعجز أو يشق عليه أن يسري برسوله دون هذه القوانين أو تلك الخصائص؟

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعمَى ٱلأبصَٰرُ وَلَٰكِن تَعمَى ٱلقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ (الحج:46).

إن الذي ينظر في عطاء الله لعباده يراه بعين الحقيقة لا يخرج عن صورتين أو طريقتين؛ طريق المعجزة وهي تلافي الأسباب والخاصيات وما يترتب عليه من منجزات ثم من طريق آخر وهو طريق الأسباب وما يتبع ذلك من نتائج ومقدمات، فهو سبحانه مصدر العطاء سواء كان بالأسباب أو بانعدام الأسباب.

إن الله خلق آدم بادئ ذي بدء ثم جعل له من نفسه زوجًا ليسكن إليها ثم جعل من أسباب الخلق والإيجاد اللقاء بينهما والإخصاب منهما ثم الإنجاب نتيجة حتمية لهذا اللقاء وذلك الإخصاب ويعتبر ذلك الوسيلة الشريفة للإعمار وتكثير بني الإنسان.

 ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ﴾ (الحجرات:13).

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ﴾ (النساء:1).

وفي الوقت نفسه خلق عيسى بدون أب فانعدمت الأسباب من لقاء وإخصاب ونفس الشيء كانت الأسباب من زواج ولقاء ولم يتم إخصاب ولا إنجاب كما كان الشأن بين آسيا وزوجها فرعون، وصدق الله أن يقول ﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰاثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ. أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰاثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ﴾ (الشورى:49-50).

فالأسباب ليست خالقة وإنما الخالق هو الله، وإن الخصائص ليست معطية وإنما المعطي هو الله، وصدق الله أن يقول﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (الواقعة:58-71).

فالتذكرة المرادة هنا في هذا التعقيب بعد ذلك التفصيل تعني أن مصدر العطاء بالأسباب أو بانعدام الأسباب واحد، وأن مصدر المنع بالأسباب أو بانعدام الأسباب واحد، فحين أراد منع إبراهيم وزكريا الذرية رغم توافر الأسباب هو واحد، وحين أعطى إبراهيم وزكريا الذرية رغم وجود الحائل وهو العقم واحد، كذلك الشأن في سيولة الماء وإحراق النار حين أبطل خصائصها.

إذن فعلام الحوار والنزاع والنقاش حول الإسراء والمعراج وهو أمر منسوب إلى الله بدءًا ونهاية فنرى من يذكر هذا الحادث باعتباره خارقًا للعادة أو غير معهود من البداية، أو ترى من يرفض الحادث بالجسد والروح معًا باعتباره خارجًا على العقل أو مناقضًا لما عليه العصر.

الاعتراض على هذا الحادث بعد ثبوت انتسابه إلى الله جريمة لعدة اعتبارات:

أ- إفراغ الدين من صلته بالله، ومعنى ذلك أن يراد به أن يكون ذا صلة بالفعل أكثر منه صلة بالوحي فيصير كشطحات الإلياذة والأوديسا أو صراعات كالكوميديا الإلهية أو كرسالة الغفران أو كدراسات الأهرام.

ب- عدم معرفة الذات الإلهية وقدرتها على الخلق والإيجاد على الإخصاب والإنجاب لأن القرآن حكى عن زكريا ومريم أنهما جوبها برد حاسم حين أخبرا أن الله سوف يرزقهما الذرية وقد قالوا ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰامٞ﴾ ﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غلامٞ﴾ ﴿قال كذلكِ قال ربك هو علي هين﴾..

ج- إنكار المعجزات أيًا كانت المعجزات فإنكار المعجزة لا ينفع معه إيمان بالله لأن القرآن مليء بالمعجزات وإنكار آيات من القرآن هو بمثابة تعطيل لآيات الله وهذه مسألة قد تعرض الإنسان للكفر والعياذ بالله، لأن الإيمان يشمل الحق والرسل والكتب واليوم الآخر والملائكة والموت والبعث والجنة والنار.

وعلى هذا فإنه يتعين على المسلم أن يقي نفسه فضلًا عن أهله وأبناء جلدته هذه المزالق وهي إفراغ الدين من الوحي، عدم معرفة الله وصفاته، إنكار المعجزات، تعطيل آيات القرآن إلى غير ذلك من الأمور التي سقط فيها الآخرون وخاصة في العقائد فضلًا عن الشرائع والشعائر والأخلاق والسياسات.

فإذا ظن إنسان أن المذهب الفلاني أو العالم الفلاني يرى كذا في هذه المسألة فإن الإسلام علمنا أن نكون حيث كان الإسلام وندور حيث دار القرآن وأن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق فلم نعرف الإسلام من نوح حين نادى ابنه ولا من إبراهيم حين أشار بإصبعه ولا من يونس حين ترك قومه وموضع عمله، وإنما عرفناه من خلال كتابنا وهدي نبينا حين عوتب هؤلاء في كثير من الأمور سواء كان في الكتاب أو السنة، الأمر الذي يجعلنا نؤمن بأن الحق لا يعرف بالرجال بل الرجال هم الذين يعرفون بالحق، فلولا الآيات التي أشارت إلى أن هؤلاء كانوا قد فعلوا خلاف الأولى لعرفنا أن ما جاء على أيديهم أيًا كان فهو الحق الصريح، ولكن الله ذكر أن الكتاب فقط هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

الرابط المختصر :