العنوان العودة إلى حراسة حظيرة الأمن الصهيوني
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001
مشاهدات 56
نشر في العدد 1455
نشر في الصفحة 26
السبت 16-يونيو-2001
صحيح أن الطرف الفلسطيني يدفع ثمنًا باهظًا في حال استمرار الانتفاضة إلا أن طريق الانتفاضة يوصل إلى الحقوق المشروعة
من المؤلم تبرير وقف الانتفاضة بزعم أن عملية تل أبيب الاستشهادية أدت لخسارة المعركة إعلاميًا. الذين يتحدثون عن كسب الرأي العام العالمي واهمون
بدأ الوعي بحقيقة القضية الفلسطينية ينتشر وأصبح العامة من الغربيين يتحدثون بألسنة أخرى أقرب إلى الإنصاف. مظاهرة «بون» النسائية إشارة مشجعة
القول إن عملية تل أبيب الاستشهادية هي التي عرضت السلطة إلى ضغوط دولية وعربية كبيرة إلى جانب الضغط العسكري الصهيوني، وأن هذا ما أرغمها على مواقفها الأخيرة بدءًا بإعلان ما وصف بوقف إطلاق النار، وانتهاء -حتى الآن- بتجديد ما يسمى اللقاءات الأمنية بمشاركة أمريكية، هذا القول يدخل في باب التبرير لا التعليل القويم، وفيه ما لا يخفى على أحد من توجيه الاتهام بسوء التوقيت، أو بالإقدام على عمل لا ينبغي الإقدام عليه، وما شابه ذلك من اتهامات مباشرة وغير مباشرة، إلى أولئك الاستشهاديين الذين يقدمون أقصى ما يملكه إنسان في هذه الحياة الدنيا، أملًا في مستقبل أفضل لمن يبقى بعدهم، وهؤلاء هم من لا ينبغي توجيه الاتهام لهم.
والأبعد من ذلك أن المسؤولين في السلطة يعلمون بحقيقة الإرادة الشعبية الفلسطينية ويرصدون يوميًا ما يعبر عنها، فإذا صح أن المقصود بالمواقف الأخيرة هو درء خطر عمليات عسكرية مكثفة ضد أبناء فلسطين، فلا يصح -على الأقل- ربط تلك المواقف الماضية في اتجاه حراسة الأمن الصهيوني والمتناقضة مع الإرادة الشعبية الفلسطينية، بتلك العملية الاستشهادية والتشكيك فيها وفي أمثالها، لا سيما أن السلطة نفسها تعلم كمختلف القوى السياسية العربية والدولية، أن مثل هذه العمليات تأتي ردًا علي الوحشية الصهيونية التي بلغت أقصى مدى.
وإذا كان الحديث عن الأمن الصهيوني مراوغة لانتزاع تنازل سياسي وميداني ما كما يقال، فلا يوجد ما يبرر ربط هذه المراوغة بعملية تل أبيب وسواها، بدعوى الضغوط الخارجية لا سيما أن وقوعها كان منتظرًا، وأن استخدامها ورقة للضغوط كان متوقعًا سلفًا، وبالتالي وجب الاستعداد المسبق كيلا تؤدي تلك الضغوط مفعولها، هذا انطلاقًا من مقتضى قول السلطة عن نفسها إنها في خندق واحد مع القيادات الشعبية الميدانية للانتفاضة، أي مع صانعي هذه العمليات.
وبتعبير أوضح إن وجود السلطة في الخندق المشترك كان يتطلب منها الامتناع في الأسابيع الماضية عن إطلاق الإدانة الرسمية العلنية بعد الإدانة لعمليات استشهادية وعمليات تفجير سابقة، فهذا ما كان تمهيدًا للوضع الراهن الذي حشرت السلطة نفسها في النفق الموصل إليه حشرًا.
رفض «إصابة المدنيين»
من أخطر الانزلاقات -ونقول انزلاقات تمسكًا بمنطق الحديث عن وجود السلطة مع سواها في خندق واحد- هو رفض إدانة سقوط مدنيين من الفلسطينيين أسوة بإدانة سقوط مدنيين من اليهود الصهاينة، ففي هذا الكلام من الباطل ما يتراكم بعضه فوق بعض، فعلاوة على البنية العسكرية لغاصبي الأرض جميعًا وعلاوة على مشروعية توجيه ضربات تستهدف العدوان المتمثل في أصل وجود ذلك الاغتصاب الأجنبي القادم من أنحاء الأرض، وعلاوة على أهمية الردع الواجب استخدامه ضد العدو... علاوة على ذلك جميعه لابد من التساؤل عن مدى الحنكة السياسية الواقعية المزعومة في تلك الإدانة الرسمية المعلنة مرة بعد مرة من جانب السلطة، وفي أسلوب التعبير عنها وتبريرها تجاه ما يسمى المجتمع الدولي والرأي العام العالمي.
هل باتت السلطة الفلسطينية ترصد من تلك القوى الدولية المعنية بممارسة الضغوط، أي إدانة واضحة وفعالة لقتل المدنيين الفلسطينيين يوميًا بالسلاح الأمريكي في الدرجة الأولى؟
هل تحركت تلك القوى في الشهور الماضية لممارسة أي ضرب من ضروب الضغوط الوضع حد لتلك الحواجز الصهيونية، التي تمنع المدنيين الفلسطينيين المصابين حتى من العلاج في المستشفيات؟
وأين إدانة حصار «القتل البطيء والسريع» معًا، وحرمان المدنيين الفلسطينيين من الغذاء والدواء والوقود، ومن ثمار حقولهم، وجدران مساكنهم، وصفوف مدارسهم، وقاعات جامعاتهم، ناهيك عن الأرض والكرامة والحرية؟
صحيح أن المشاعر الإنسانية تفرض علينا الإحساس تلقائيًا بالألم تجاه معاناة أي إنسان صغير أو كبير مهما كان وضعه وانتماؤه ولونه فلا شنان» في ديننا يبرر الامتناع عن الالتزام بالعدل وما يقتضيه في أي حال من الأحوال ولكن القضية المطروحة على أرض الأحداث الفلسطينية ليست قضية «الإنسان وحقوقه» وليست قضية الالتزام بمواقف العدل، إنما هي هنا قضية ارتداء اللباس الإنساني فجأة في تبرير إدانة العمليات الاستشهادية بالذات على ألسنة فلسطينية وعربية، وهذا بدعوى التعامل السياسي مع جهات جمع بينها تواطؤ إجرامي دولي رهيب، وجمع بينها الامتناع الذي أسقط سائر الاعتبارات الإنسانية من قواميسها ومن سياساتها، عن اتخاذ موقف فعال وإجراء عملي ما، يتضمن فيما ينبغي أن يتضمن إعلان إدانة صريحة لما يرتكب من جرائم صهيونية أمريكية وحشية بحق الإنسان الفلسطيني، فذاك تواطؤ ينطوي على أقصى درجات الاستهانة بالمشاعر الإنسانية الفلسطينية والعربية والإسلامية، إلى جانب دوسها بالدبابات الصهيونية الأمريكية وقذفها بالصواريخ والقنابل والرشاشات.
لا ينبغي الخلط المتعمد كما يجري حاليًا، ما بين مشروعية توجيه ضربات موجعة للمغتصب المعتدي -وليس للمغتصب صفة «مدني»-وبين المنطلقات والمشاعر الإنسانية، وبين أداب الحرب والتزامات دولية تتعلق بالمدنيين وغير المدنيين، ثم بين ذلك جميعه من جهة، والجانب السياسي المباشر للمواقف والخطوات العملية الجارية من جهة أخرى، فهنا محور الحديث، وهنا يأتي رفض ذكر قتل «مدنيين» من عناصر العدو، لتبرير موقف سياسي مرفوض من الأصل أو لصياغة إدانة عملية من العمليات إدانة مرفوضة من الأصل، ثم للانتقال من مستوى الإدانة إلى ما هو أبعد من ذلك، فهذا ما يمثل توجيه طعنة في الظهور للانتفاضة ولقياداتها الميدانية ولأبطالها من الاستشهاديين ولإخوانهم المتظاهرين في وجه الدبابات، ولأمهاتهم اللواتي يعلن الاستعداد المزيد من التضحيات.
السلطة و «خندق الانتفاضة»
ليس من السهل بعد ذلك أن نتجنب السؤال: هل لا تزال السلطة في خندق واحد مع هؤلاء أم أنها بدأت تتحرك واعية -ولا نريد اتهامها بأنها غير واعية بما تصنع- في اتجاه خندق آخر تسهر فيه مجددًا على حراسة حظيرة الأمن الصهيونية كما كان عليها أن تصنع طوال سنوات أوسلو العجاف؟
صحيح أن واشنطن رفضت مرة بعد أخرى مجرد الحديث مع السلطة إلا عن أمر واحد هو إعادتها إلى دور الحراسة على باب حظيرة الأمن الصهيوني، وهنا لا نحتاج إلى التذكير بمدى العداء الأمريكي لفلسطين وأهلها، ولا التنويه بالممارسات العدوانية الأمريكية الدائمة والمنتشرة على أوسع نطاق ضد المسلمين، شعوبًا وحكومات ولكن التركيز الأمريكي على دور الحراسة يتطلب توجيه لوم أشد إلى من يضع نفسه في موضع تسهيل هذه المهمة العدوانية الأمريكية، ولم يكن ذلك نتيجة إدانة العمليات الفدائية أثناء شهور الانتفاضة فقط، بل نجد عبر النظر في مشروع أوسلو برمته، وفي سائر ما ترتب عليه أن الجانب المتعلق بالأمن الصهيوني هو الجانب الواضح الوحيد والثابت في ذلك المشروع، بدءًا بالنصوص التي شغلت الحيز الأعظم من الاتفاقية الأولى وسائر الاتفاقات التالية، وانتهاء بما يجري على أرض الإجراءات الواقعية، ومن الجدير بالتنويه هنا أن هذا لا يقتصر على عهد شارون فقط، وهو الذي أسقط حتى اللافتة السياسية المرفوعة على الحظيرة الأمنية، بل طوال السنوات السابقة له أيضًا، بل يكاد يكون التركيز على «إجرام شارون السفاح» بصورة متبجحة حاليًا، تمهيدًا لمرحلة تالية يراد فيها القبول خضوعًا وتسليمًا باتفاقات لا تختلف مضمونًا وإن جرى تقديمها تحت «أجنحة حمائم عمالية» تنتظر دورها.
إن الانتفاضة هي التي أعطت السلطة الفلسطينية فرصة الخروج من ذلك الموقع الضيق الذي حشرت فيه نفسها، والمرفوض في موازين الوطنية والكرامة، وكذلك بمنطق توظيف السياسة الواقعية توظيفًا سليمًا قويمًا لخدمة أهداف وطنية كريمة، ولكن الخروج من ذلك الموضع المرفوض لا يتحقق دون النزول الفعلي في الخندق المشترك الذي صنعه شهداء الانتفاضة الأولى والحالية من أمثال محمد الدرة وإيمان حجو، وسائر إخوانهما وأخواتهما، فهل نزلت السلطة إلى ذلك الخندق كما تؤكد؟ هل استجابت فعلًا لدعوات المنظمات الفلسطينية التي تؤكد من جانبها أيضًا وجود السلطة معها في خندق واحد؟
إن تجارب الأحداث عبر عقود عديدة ماضية تفرض بدورها قياس الأقوال الجارية على الألسنة وفي البيانات على مجرى الأحداث الفعلية على الأرض ونوعية المواقف المؤثرة في صناعة القرار ومن العسير في الوقت الحاضر على الأقل، أن تعتبر الاستجابة للمطالب الصهيونية- الأمريكية المشتركة فيما يتعلق بحظيرة الأمن الصهيوني: حتى وإن كانت استجابة مشروطة تنسجم فعلًا مع الانطلاق من خندق واحد تجاه عدو مشترك.
ورقة «إسقاط السلطة»
إن ظاهر تسلسل الأحداث يرجح أن السلطة واجهت بعد عملية تل أبيب توقعات تقول إن الهجمة العدوانية الصهيونية التالية لن تقتصر على الشعب، أو على القيادات الميدانية، أو على أفراد أجهزة الشرطة والمخابرات، بل ستطال هيكل القيادات الرئيسة للسلطة نفسها، ويبدو أن هذا ما دفع إلى تحرك سريع، في ذلك الاتجاه المرفوض.
وقد سبق الترويج من قبل أكثر من مرة إلى أن العدو الصهيوني يستهدف البنية الهيكلية للسلطة وأجهزتها، وهذه أقوال تسيء للسلطة نفسها وليس للقضية فقط، فمن جهة ليس مجهولًا أن توجيه ضربة مباشرة للسلطة أمر ممكن وفق ميزان القوى القائم لو توافر قرار سياسي بذلك. فكأنما يجري التنبيه غير المباشر، والمثير للتساؤل بطبيعته، إلى حقيقة أن الضربات الصهيونية لم تستهدف ولا تستهدف السلطة، بل الشعب، ولا القيادات السياسية، بل الميدانية، ولا كبار من تتهمهم رسميًا بالمسؤولية عن «العنف والإرهاب». بل العناصر الأمنية، أي «الصغار»، إذا صح التعبير، وهم الأقرب إلى الالتحام اليومي مع الشعب ومعاناته، ومن هنا إساءة السلطة لنفسها إساءة بالغة عندما تردد الأقوال المذكورة أو تروج لها، فهي تتجاهل إذن الحقائق عامدة أو تستهين بعقول العامة من أبناء فلسطين ومن العرب والمسلمين.
ومن جهة أخرى تظهر هذه الإساءة أيضًا من خلال ما يثيره ترويج هذه الأقوال من تساؤلات أبعد مدى تصل بالمرء شاء أم أبي إلى التذكير بذلك الأسلوب العتيق البالي، الذي تردد وما يزال يتردد مع وقوع هزيمة عسكرية مخزية، من مزاعم ممجوجة تقول إن الهزيمة الفاضحة «نصر كبير» لمجرد أن السلطات بقيت موجودة في مواقعها، أي بقيت قادرة على التشبث بكراسي المسؤولية، رغم إثبات عجزها بالدليل القاطع البين عن حمل تلك المسؤولية بحقها، وهذا رغم كل ما دفعته الشعوب وليس الأنظمة والسلطات، ثمنًا لذلك الدليل المتكرر من دماء وأرواح ومن حقها الأصيل الثابت في حياة عزيزة كريمة.
أسوأ من تلك الصورة الكاريكاتورية المأساوية، أن يدفع السلوك الرسمي التبريري للمواقف الأخيرة إلى التساؤل ما إذا كانت عملية تل أبيب قد أثارت خشية قيادة السلطة على نفسها، أي من التعرض لضربة مباشرة، لا تصيب الشعب فقط، وأن هذه الخشية هي التي حدث بها إلى اتخاذ سلسلة من المواقف المرفوضة أصلًا، والمرفوضة أو التي كانت مرفوضة على ألسنة المسؤولين من السلطة أنفسهم كما رددوا ذلك في الأسابيع الماضية.
إذا صح ذلك فلا بد من الإقرار بأن الخوض في التعليق عليه ولو من باب الرفض المطلق يثير الشعور بالخجل مع الأسى. فما اتخذ أو أعلن من مواقف وخطوات أكبر من كل شخص أيًا كان، وأكبر من أي موقع مهما كان مبرر التشبث به، وهي خطوات ومواقف بالغة الخطورة فيما تعنيه الآن وما يمكن أن يترتب عليه في قادم الأيام، وقد أسقطت مزيدًا مما سبق إعلانه تحت عنوان ثوابت فلسطينية مشتركة، كبديل طرح في حينه عن «ثوابت حقيقية» سبق إسقاطها، ومن ذلك كمثالين فقط.
بعد الرفض المتكرر المصطلح وقف إطلاق النار، جاء الإعلان الرسمي بعنوان «وقف إطلاق النار»، وهو ما يترتب عليه الكثير داخليًا بإجراءات على الأرض تضع الفلسطيني ما بين أخيه الفلسطيني المقاوم فيصده عن المقاومة، وعدوه الصهيوني الغاصب دون أن يرده عن مواصلة العدوان.. ولا يستبعد بعد سنوات أوسلو وما كان فيها، أن توصل في المرحلة الراهنة من تسلسل أحداث القضية إلى الحرب الأهلية التي يراهن عليها الأمريكيون والصهاينة منذ اللحظة الأولى لتوقيع مدريد وأوسلو.
بعد رفض المحادثات الأمنية دون السياسية جاء ذلك الانتكاس الكبير، وإن كان متوقعًا وفق المقدمات التي سبقته عبر التركيز على المبادرة المصرية- الأردنية ثم تقرير لجنة ميتشل، وكلاهما، يضع باب حظيرة الأمن الصهيوني، هو المدخل إلى أي حديث بمضمون سياسي بغض النظر عن نتائجه إذا جرى فعلًا، وفي هذا التطور ما يرفع الحرج عن «الوسيط الأمريكي» المنحاز وقد بدأ انحيازه يجد النقد المتصاعد حتى في أوساط حلفائه المقربين، كما يحول قضية التحرير من احتلال جاثم على الأرض، وتوسع استيطاني لا ينقطع. إلى مجرد سطور في ورقة «ميتشل» لا يوجد فيها ما يستحق أن يكون هدفًا بحد ذاته، ناهيك عن عدم وجود ما يلزم فيها، أو ما يصلح لتوظيفه في عمل سياسي ما للتحرير.
إن حماية أي سلطة لنفسها من السقوط أمر مشروع لا غبار عليه، ولكن ألا يكون الثمن هو التخلي عن جزء من مبرر وجود تلك السلطة، في أي ظروف عادية ناهيك عن ظروف النضال للتحرير.
الموقف الدولي و«الرأي العام»
ومن شأن الخطوات المذكورة أن تعطي ذريعة إضافية لمحاولات تبرير التواطؤ الدولي فيما يجري أمام الرأي العام العالمي، وهذا دون الاضطرار إلى أي تعديل جوهري في المواقف السياسية، لا الإعلامية والكلامية المحضة، وقد كان من الملاحظ مثلًا أن وزير الخارجية الألماني فيشر قد حرص حرصًا شديدًا طوال وساطته الاضطرارية، على تجنب الإدلاء بكلمة واحدة توحي لوسائل الإعلام بأنه يتحدث مع أي من الجانبين عن أمر سياسي ما، بما يتجاوز حدود وقف العنف وفق اللغة اليهودية- الأمريكية المستعملة في طرح الحدث، كذلك فإن حكومة واشنطن تعمدت بصورة استعراضية، أن تكون أول خطوة تتخذها بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار «وبقي وقف قذف الحجارة» هو إرسال رئيس مخابراتها المركزية للتفاوض، وهذا موقف استعراضي مقصود في الفترة الراهنة بالذات فليس مجهولًا أن من سبق أن أرسلتهم وكانت لهم صفة سياسية ما كانوا أيضًا لا يتكلمون في شأن سياسي بل في شأن أمني، أي عن إجهاض الانتفاضة وحماية حظيرة الأمن الصهيوني، وحتى التحرك المفاجئ للأمين العام للأمم المتحدة، وهو لا يتحرك بما لا يرضي من يعول عليهم في إعادة توظيفه في منصبه لفترة ثانية، قد اقترن بإعلان البقاء في حدود توصيات لجنة ميتشل تمامًا وفق ما أرادته لها السياسة الأمريكية مادة المفاوضات جديدة، ولتسقط سائر المواعيد والاتفاقات والمقررات والمرجعيات السابقة، مثلما ستسقط محتويات ورقة ميتشل أيضًا بعد أداء المطلوب منها بإلهاء المنطقة، أو إعطاء المسؤولين في الأنظمة المحلية عنوانًا آخر يستخدمونه في لفت الأنظار عن عدم أداء ما يجب أن يؤدوه وفق مسؤولياتهم.
ومن المؤلم أن يشمل التبرير للمواقف الأخيرة ترويج مزاعم تقول إن عملية تل أبيب أدت إلى خسارة المعركة الإعلامية دوليًا، واستعداء الرأي العام العالمي، فالسلطة مضطرة لتصنع ما تصنع، وهذه المزاعم لا تختلف عن نغمة عتيقة في الاتجاه نفسه، ما فتئت تبرر الخطوات الانهزامية والاستسلامية جميعًا بالرغبة في كسب الرأي العام العالمي، وكأن الرأي العام العالمي هو من مستوى «سلاح نووي» يعمل العدو على تكديسه وتضع أنظمة بلادنا على أيدي بلادنا بنفسها القيود من دونه عبر الدخول من جانب واحد في مختلف الاتفاقات العالمية المعقودة لاحتكاره لدى قوى دولية وإقليمية معينة من جهة وحظر امتلاك الآخرين لأسباب الردع عن استعماله من جهة أخرى.
يجب أن يكون واضحًا عند الحديث عن الرأي العام العالمي أن كسبه حتى بصورة كاملة واضحة، لا يحسم في مجرى حدث من الأحداث أو في واقع قضية من القضايا، ولو ساعد جزئيا على صعيدها، ثم الأهم من ذلك هو أنه لا ينبغي قلب الأمور رأسًا على عقب، فالحدث المؤثر هو الذي يصنع الرأي العام. لا العكس، كما أن التعامل الفعال مع الحدث وتوظيفه من جانب الطرف المعني به هو الذي يجعل الرأي العام أقرب إلى مناصرته. لا العكس.
من الشواهد على ذلك ما نرصده من تأثير على الرأي العام، وتصاعد حدة نبرة مواقفه تجاه المسؤولين في الغرب، وتجاه الإجرام الصهيوني المباشر بفلسطين بصورة لافتة للنظر خلال شهور الانتفاضة الأخيرة، وهو من صنع أحداث تلك الانتفاضة. لا المواقف السياسية المخزية تجاهها، لاسيما المواقف المتعاملة معها على المستوى الرسمي العربي وحتى الإعلامي العربي في غالبيته، وهذا ما يكرر حالة مماثلة عايشناها مع الانتفاضة السابقة قبل وأدها في مدريد وأوسلو، وهي عملية وأد شملت «تعاطف الرأي العام العالمي أيضًا، والآن أيضًا يمكن أن تساهم الجهود المحلية المبذولة في إجهاض الانتفاضة أو وأدها، في القضاء على بذور التعاطف المتنامي على مستوى الرأي العام العالمي، مع شهداء الانتفاضة وعامة أبناء فلسطين وحقوقهم المشروعة بحدها الأدنى على الأقل.
لقد بدأ الوعي بحقيقة القضية ينتشر رغم سائر الإمكانات المالية والإدارية التوجيهية للقوى الصهيونية والأمريكية عبر وسائل الإعلام العالمية، ولقد بدأ العامة من الغربيين يتظاهرون ولو على نطاق ضيق، ويتحدثون بألسنة أخرى أقرب إلى الإنصاف عبر رسائلهم الموجهة إلى وسائل الإعلام، وعبر مشاركاتهم في برامج حوارية، وعبر حملاتهم المتزايدة في نطاق الشبكة العالمية.
وتوجد على ذلك شواهد عديدة لا يتسع المجال لسردها، وتكفي الإشارة على عجالة إلى ما بين أيدينا مباشرة دون بحث وتنقيب مثل مظاهرة نسائية ألمانية في بون ساعة كتابة هذه السطور -يوم ٨/٦/۲۰۰١م- ولا علاقة لها بمنظمات أو جهات إسلامية أو عربية في ألمانيا. انطلقت تطالب عبر اللافتات بوقف الممارسات الاستيطانية الصهيونية، وبإنهاء الاحتلال، وبرفع الحصار، وهذا ما لم يسبق مثيل له في ألمانيا إلا نادرًا وبالذات منذ الانتفاضة الماضية، مثله في ذلك مثل بازدياد نسبة المواقف الإعلامية المعبرة بصورة صريحة وغير معتادة عن رفض السياسات الصهيونية والأمريكية ووصفها بالعنصرية والعدوانية، إلى جانب استغراب السياسات العربية والتعجب من درجة التخاذل فيها!
إن التضحيات المستمرة هي التي تصنع الرأي العام، لا مواقف التراجع التي عجزت عن شيء من ذلك على امتداد عقود عدة، وليس شهورًا عدة فقط وإن استمرار الانتفاضة هو الضمان لكسب الرأي العام أكثر فأكثر، يومًا بعد يوم، وإن وأد الانتفاضة أو محاولة إجهاضها أو الانحراف بها عن هدفها هو ضربة موجهة إلى الصميم من مجرى قضية فلسطين، سيان ما المبررات التي تعلن والوان التزييف التي تتبع.
مستقبل صناعة القرار والحدث
الذين يتحدثون عن كسب الرأي العام العالمي عبر خطوات التراجع، يتوهمون ذلك أو يريدون أن يتوهمه الناس، وربما يخلطون عمدًا أو جهلًا، بين الرأي العام وبين إقدام هذا السياسي أو ذاك من ساسة الغرب على تجديد أسلوب حديثه معهم، وليس الرأي العام العالمي هو رأي السياسيين، بل هو الذي يؤثر بمقدار معين وشروط معينة على السياسيين رأيًا وسلوكًا.
في الأخير فإننا نقول إنه ينبغي أن تدرك السلطة الفلسطينية، ومعها جهات عربية تعول على إجهاض الانتفاضة أن فلسطين عام ٢٠٠١م ليست فلسطين عام ۱۹۹۱ م أو ۱۹۹۳ م عند التحرك على طريقي مدريد وأوسلو، وليس شعب فلسطين اليوم كما كان آنذاك، وحتى الذين حصلوا من بعض فئاته على بعض الميزات المعيشية وغير المعيشية على قدر اقترابهم من مشروع أوسلو، وجدوا أنفسهم في هذه الأثناء كسواهم عرضة لبطش الاغتصاب الصهيوني للأرض والكرامة والمقدسات، فلا فرق بين فتح وحماس والجهاد وسواها، إنما المطلوب هو القضاء على الإنسان الفلسطيني، كي يستقر الاغتصاب ومعه الهيمنة الأمريكية، وكذلك لتتابع حكومات المنطقة التعامل مع الاغتصاب دون أن يعكر صفو العلاقات المطلوبة أمريكيًا، تمرد إرادة شعبية فلسطينية وعربية وإسلامية.
إن الثمن يدفعه الطرف الفلسطيني في الحالتين على السواء حالة التراجع وحالة متابعة الانتفاضة، ولكن الفارق الحقيقي هو فيما يحصل عليه في نهاية كل من هذين الطريقين صحيح أن طريق النضال حافلة بالتضحيات والمعاناة، ولكن هي الموصلة إلى الأهداف الكريمة والحقوق الأصيلة المشروعة، بينما لا توصل سبل الاستسلام المتشعبة، لا توصل إلى عشر معشار تلك الأهداف ثم فوق ذلك لا تدفع العدوان على الكرامة، والحقوق، والمقدسات، والإنسان.