العنوان العلمانية.. دعوة إلى الشك
الكاتب عبدالمجيد حامد صبح
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992
مشاهدات 74
نشر في العدد 1006
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 07-يوليو-1992
عقد دعاة العلمانية جمعهم، وأجمعوا أمرهم،
واتفقوا على هدفهم وتواضعوا على وسائلهم، أما هدفهم فهو وأد الصحوة الإسلامية، حتى
لا تصل إلى غايتها، فيحكم الإسلام حركة الحياة، وأما وسائلهم فهي مهاجمة
الإسلاميين في منطلقاتهم الأولى، ومقدماتهم الأساسية.
تقليد أعمى
وحقيق على الباحث عن الحق والحقيقة أن
يعلم أن موقف العلمانيين هذا تقليد حرفي لموقف مفكري عصر النهضة الأوروبية من سلطة
الكنيسة الكاثوليكية، من غير نظر إلى الفروق الرئيسة بين حقيقة الإسلام والمسيحية،
وبين ما كان لرجال تلك الكنيسة من صلاحيات مما لا يقر الإسلام مثله لعلماء
المسلمين.
ويأتي دعاة العلمانية اليوم يقلدونهم حذوك
النعل بالنعل، دون نظر منصف عاقل إلى الفروق الموضوعية، ودون نظر إلى النتائج
الواقعية، لأن ما كان يبتغيه مفكرو عصر النهضة من سعادة المجتمع لم يتحقق، لأنهم
غفلوا عن أن هدم مقررات الدين كان هدمًا للأساس الأول لسعادة الإنسان، ولئن نجحوا
في استنبات عقول مفكرة، فقد حرموا مجتمعاتهم القلوب الندية بالإيمان الرطبة
باليقين..
خواء روحي
ماذا جنى الذين رفعوا العقل إلى درجة
العبادة، وحطوا الدين إلى دركة المهانة؟ حقًا لقد ربحوا ثمرات مادية، وآلات
تطبيقية، بيد أنهم كلما ارتقوا درجة في سلم العلم فقدوا بمقدارها، أو أضعافها، من
الإنسانية والسعادة ومن سلامة الروح والسلام الروحي وغلبت عليهم شقوة الطمع،
والنهم إلى الصراع.
إن مهاجمة المسلمين «في منطلقاتهم الأولى
ومقدماتهم الأساسية» عود إلى الوراء قرابة أربعة عشر قرنًا، لندخل تجربة نطق
الزمان بخطئها، وتلك إذا كرة خاسرة!
|
* أيها الشباب: امضوا
في دعوتكم إلى الله على بصيرة ولا تستعجلوا من الله أمره ولا تتعجلوا قطف الثمر
فمن تعجل الشيء قبل أوانه حرمه. |
ماذا يريد العلمانيون بتقليد هذا المنهج
الذي نكص عنه أهله؟
إنهم يدعون الشباب المسلم دعوة صريحة إلى
الشك في دينهم فيقول كبيرهم، صاحب كتاب: «الوهم والحقيقة في الحركة الإسلامية
المعاصرة» د. فؤاد زكريا: اخرجوا من اليقين إلى الشك لأن عصور اليقين كانت عصور
الانحطاط: في العصور البدائية كان يقين الأساطير وفي العصور الوسطى كان يقين
الحقائق المقدسة كما تفهمها الكنيسة، وكانت عصور الشك هي عصور النهضة، وليسمح لي
شبابنا الإسلاميون أن أطرح عليهم شعارًا ضروريًا: «قليل من الشك يصلح العقل».
إن محاولة جمع اليقين في الإسلام وما ذكر
من عصور، يدل على قدر كبير من التعسف وتجاهل حقائق الإسلام، وخصائص منهجه
الاعتقادي بل وتجاهل حقائق عصور اليقين هذه..
الإسلام والعقل
ومع هذا التحقيق التاريخي العلمي فإن قياس
الإسلام على تلك العصور قياس باطل يفتقر العلة الرابطة ويرفض الحكم الجامع لأن
الأساطير إذا كان الغرض منها: محاولة تفسير الكون وظواهره تفسيرًا غامضًا لا يقبله
عقل، ولا يشهد له علم، فالإسلام الذي يقوم على البرهان اليقيني والدليل القاطع أبعد
شيء عن مناهج الغموض، ومعلوم أن الإسلام يرفض- في الاعتقاد- خمسة مناهج: التقليد،
والتخييل، والشك، والظن، والتمني. ولم يقبل أن يقوم الاعتقاد إلا على اليقين
المؤسس على البرهان، واليقين القرآني معناه: العلم الحاصل عن التفكر والاستدلال،
فالمستيقِن- بكسر القاف- هو الذي طلب العلم الجازم، فسلك طريق الاستدلال، ابتداء
من الشك، وانتهاء إلى اليقين.
إن قياس اليقين الإسلامي بيقين القرون
الوسطى كما كانت تراه الكنيسة أقوم شهادة على العلمانيين بالظلم والتعسف، فالإسلام-
كما ذكرت- يقيم عقيدته على العقل، وهذا ثابت بعشرات الآيات القرآنية، وكثيرًا ما
يمتدح القرآن «أولي الألباب» ويصف المؤمنين بأنهم «أولو الألباب» ويمن بالحكمة،
والحكمة هي: العلم الذي أحكمته التجارب العملية، وشهدت له الوقائع، وكان موقف
علماء المسلمين من العقل، والعلم والتجارب هو موقف القرآن فأقبلوا على كنوز الفكر
الدفينة، فاستخرجوها من إطارها، ونفضوا عنها غبارها، واعملوا فيها ما يعمل النحل
في رحيق الزهر! فأي ظلم أظلم من قياس حضارة هذا دينها وكتابها وهذا شأن علمائها-
على موقف رجال الكنيسة في عصورها الوسطى؟ الذين رفضوا النظر في الكون عن طريق
العقل والعلم.
فكيف يصح في الأفهام قياس دين يجعل في
الكون والأنفس وسيلة لإثبات حقائقه وآيات بينات على صدقه ويحض على النظر فيها،
والكشف عنها - على موقف أديان أخرى تجعل ذلك النظر، «هرطقة» وكفرًا، جزاؤه الحرق؟!
|
* إن قياس اليقين
الإسلامي بيقين القرون الوسطى كما كانت تراه الكنيسة أقوم شهادة على العلمانيين
بالظلم والتعسف. |
الإسلام والحكم
وكما كان مرجع المسلمين في الأخذ بالعلم،
وإعمال العقل، والنظر في الأنفس والآفاق هو كتابهم، كذلك كان مرجعهم بالحكم بما
أنزل الله وطاعة الحاكم به، وجعل ذلك مناط الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
(النساء: 65).
هذا بينما نجد غير القرآن ينص على نقيض
ذلك: فالمسيح عليه السلام لم يؤسس دولة، وصرح بالفصل بينهما، حين جاءه بعض غير
المؤمنين به ليحرجوه مع الحاكم، بالسؤال: هل نعطي الجزية لقيصر؟ فقال: «أعطوا ما
لقيصر لقيصر وما لله لله» (متى- إصحاح 22: 18 – 22) ثم ساعدهم على ذلك الفصل نجاح
العلم في الوصول إلى نتائج في نشأة الكون، والإنسان، على خلاف ما قررت التوراة في
سفر التكوين، مما دعا كثيرًا منهم إلى «الشك» في دينهم ومصادره من الكتاب المقدس،
ثم كانت مظالم رجال كنيستهم وقود هذا الشك، وكل ذلك على نقيض ما في القرآن الكريم.
ماذا
طرحت أوروبا؟!
بقيت مسألة: تقدم أوروبا عندما طرحت
«اليقين» وأخذت بالشك، فما هذا اليقين الذي طرحته أوروبا؟ إنه- كما عرفنا- يقين
الرفض «للعلم» والتعرف على الكون عن طريق العلم والعقل، إنه يقين «التقليد» إلى حد
التنكر لنتائج العلم المناقضة له، إنه يقين «عبادة البطل» التي تذوب فيها شخصية
عابديه، سواء كان من «أبطال الفروسية» أو من أبطال الفكر، كما فعلوا مع «أرسطو»،
لقد دعا «جاليليو» علماء جامعة «بيزا» إلى النظر في أجرام السماء ليروا بأعينهم
حركتها، فرفضوا، لأن أرسطو قال بسكون ما فوق القمر! ودعاهم إلى مشاهدة نزول حجرين
مختلفي الوزن في وقت واحد تقريبًا، فشاهدوا، ولكنهم رفضوا النتيجة لأن أرسطو قال
غير ذلك، فهل يقاس على هذا اليقين يقين القرآن؟!
القرآن والشك البناء
والقرآن والسنة يقرران «الشك» البناء
ليكون وسيلة إلى «اليقين»، لما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ
وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ
ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
(البقرة: 260) قال بعض الناس شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال
صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (صحيح البخاري)، ووجه الدلالة أن
إبراهيم إن كان عرض مسألته من جهة الشك لعلاجه بالعلم اليقين بالمشاهدة أو كان
عرضها من جهة العلم طلبًا لليقين بالعيان- فالقرآن على أية حال- يفرض طلب اليقين،
ويجعل التوقف، وأدنى درجات العلم سبيلًا إلى التحقيق الذي من وسائله: المشاهدة
والتجربة، والقرآن بذلك يقرر أن فطرة الإنسان تطلب المزيد من العلم والوقوف عند
المجهولات والكشف عن أسرار الوجود، وهل هناك تقرير لذلك أقوى من أن يجريه على لسان
خليل الله، وخاتم النبيين؟ وقد خاطبه الله بقوله: ﴿فإن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا
أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ
لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾
(يونس: 94) قال له ذلك تهييجًا لطلب الدليل، وإرساء لقاعدة «الشك البناء المطلق»
وليس «الشك المنهجي» الذي يزعمونه للفيلسوف «ديكارت».
وبهذا التوجيه القرآني كان المسلمون أولى
الناس باتخاذ العلم وتجاربه، وقد فعل ذلك سلفهم، ولو تابع خلفهم المسيرة لكانت
حضارة المادة حضارتهم كحضارة الكفر، والدين، والإنسانيات.. قال الراغب الأصفهاني
في كتاب: «الذريعة إلى مكارم الشريعة»: حق الإنسان ألا يترك شيئًا من العلوم إلا
ويخبر بشمه عرفه، ويذوقه طيبه، ولا ينبغي لعاقل أن يستهين بشيء من العلوم، ويجب أن
نشكر آباءنا الذين ولدوا فينا الشكوك، إذ كانوا أسبابا لما حرك خواطرنا للنظر في
العلم» (الذريعة: ص 232).
وختامًا
أيها الشباب: امضوا في دعوتكم إلى الله
على بصيرة ولا تستعجلوا من الله أمره، ولا تتعجلوا في قطف الثمر، فمن تعجل الشيء
قبل أوانه حرمه، وامضوا لا تصدكم صعوبة لأن المؤمن بإيمانه فوق الصعاب، ولا تقعدكم
عقبة، لأن المؤمن يُلذه اقتحام العقاب، ولا يقنطكم بخس، لأن المؤمن عند الله
يحتسب، امضوا في سبيلكم ولا تلقموا كل نابح حجرًا، فيكثر العواء ويصبح الصخر
مثقالًا بدينار، ولا يجرمنكم المتسكعون في الجهالة على أن تنقضوا دعوتكم بالفعل
الرديء أو قول السوء، وكونوا دعاة بعملكم قبل قولكم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا
مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقال إننِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
(فصلت: 33).
______________
(*) كاتب ومفكر إسلامي مصري.