العنوان سيد قطب.. شاهد على أحوال عصره وعصرنا
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002
مشاهدات 79
نشر في العدد 1500
نشر في الصفحة 36
السبت 11-مايو-2002
■ يرى أن «قيادة الرجل الأبيض للعالم انتهت لأنه لا يملك رصيدا من القيم يسمح له بذلك».
■ كان يوظف الفن الأدبي لخدمة الإسلام.. فأين أدباؤنا وأين فنانونا من فلسطين وعدوان يهود؟!
بدا ليَّ أن أكتب عن رمز من رموز الصمود في زمن عز فيه الصمود، وضحلت فيه معالم التضحية.. وأصبحت الأقلام تؤجر والعقول تنهي وتؤمر.. ومقالة الحق تنقلب سحراً على قائلها.. ومقالات الباطل نزدان في الإعلام مرئية ومسموعاً ومقروءاً.. واختلط الحابل بالنابل وما عدنا نفرق بين كاتب السلطان وكاتب الإيمان.
وأصبح من العسر بمكان الإشارة إلى كُتَّاَب عاهدوا ربهم وأسلموا أقلامهم لدينهم.. دفاعاً عن أمتهم حتى لو زجوا في السجون ولاقوا العنت والشجون.. مرارات.. وحسرات تتدافعني حين الكتابة وتفرض عليَّ أن اختار رمزاً صامداً.. عاش في سبيل نصرة دينه ورفعة أمته.. وما استخذى.. ولا استجدى.. لا تصاغر ولكنه علا بدينه.. واعتزّ بقلمه وعاش بمبدئه كالجبال الرواسي صامداً مجاهداً لا يحيد ولا يميد.. ولا يبيع شعره بحفنة شعير، ولا يتجر بنثره لنشارة خبز؛ إنه الشهيد بإذن الله.. والباسل في سبيل الله.. إنه صاحب الكتب التي تغتذي عليها الحركات الإسلامية إلى الآن.. لأنها اختلطت بدم صاحبها.. ولم تدنس.. إنه سيد قطب.. وما أدراك ما سيد قطب؟
تعالَ معي في تلك المحاورة التي تخيلت نفسي واقفاً بين يديه متلمساً من علمه ومستزيداً من فكره، عساني انتفع من نفقاته ونثاراته وأبكار أفكار قريحته، سالكاً في ذلك سبيل السؤال والجواب قلت.. وقال…
ولا يخفى على الفن ما لذلك من جرد لأفكاره وقصد لإظهار مثالب عصرنا وقياسها بمثالب عصره ومحاولة التعرف على أسباب السقوط ومدارج تاريخ الدعوة.. عسانا نجتنب موارد الزلل ودركات الانقطاع عن القائلين العاملين أمثال سيد قطب..
سيد قطب المنشأ.. والتكوين
قلت: ولد سيد قطب في أسرة ظاهرة الامتياز بقيمها.. وكانت مركز إكبار وإجلال؛ حيث مثل والده عائلته كلها فكان عميد الأسرة الكبيرة كما أن سيد قطب استشرب هذه العمادة في الفكر عن والده كما استقى عنه تدينه وقيامه بأداء فرائض الإسلام على وجه التمام ولآل قطب سدة راسخة التدين والأصالة والصبر ابتدئت بسيد قطب ثم بإخوانه وأخواته فقد عذبت أخته نفيسة الكبرى، وقتل لها ولد في السجن؛ لأنه لم يشهد ضد خاله سید وسجن الآخر وأمينة أخته نالها نصيبها من العذاب وقتل زوجها كمال السنانيري في السجن سنة ۱۹۸۱ ، وأخوه محمد – حفظه الله – نال نصيبه من العذاب الأليم في سجون عبد الناصر حتى أفرج عنه في مطلع السبعينيات، ومحمد مع أخيه سيد وشائج ووثائق وصلات فوق النسب، الفكر والحب والخلة والصداقة.
قلت لسيد: حدثني عن طفولتك؟
قال: طفولتي استحالت إلى رجولة مبكرة فلم أمض في دروبها ولم أنعم كأطفال المسلمين في ردهات المدارس الغربية في الغرب أو في بلادنا الإسلامية إذ يغتذون على مبادئ الغرب ويشربون قيمهم في صغرهم، ويتعلمون كيف يعرون بأربي وكيف يهيمون فيها، ولم أعرف لعبة البوكيمون التي تسرب إليها اليهود بألاعيبهم وأفانينهم ليخترقوا أطفالنا ويندوا فطرة الإسلام والعروبة في نفوسهم.
وإنما نشأت على الجد الصارم وجعلتني أهم وأنا في العاشرة من عمري أني بلغت مبالغ الرجال فرحت أتقمص الجد وادعي الجلد واستتبع العصامية في كل شيء وكأني أنشد قول القائل:
لو عدوا العمر لما وجدوا
قد جاوز سناً للعب
قلت: إن في وجهك سمرة بادية!
قال: نعم سفعتني شمس المحن لا شمس السماء، وعلاني غبار التعذيب وأرهقتني كرابيج الزبانية في الزنانين وأنهكتني الأمراض لأمتي لا أعراض علتي.
ثم إنه أشار إلى أخيه محمد ليروي عنه.
قال محمد قطب: وجدته يشكو كثيراً من الأمراض، ولا طاقة للبدن أبداً، مهما كان قوياً، أن يحتمل النفس الكبيرة:
وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام
ولقد وجدته وقد نالت منه الأيام، فبدت أثارها على وجهه.. وفي جبهته أخاديد عميقة، وفي عينيه حمرة، وفي شعره الأسود القائم شيب.
قلت: أيها الشهيد أراك تحبل البدن حقيقاً بما قاله فيك الشيخ عليّ الطنطاوي لطيفاً هادئاً، تبدو عليه سيما المسالمة والموادعة ولإيناس، فما بالك جاد القول صريح المهاجمة صعب المنازلة للباطل كأنما تحيي في كتاباتك عهود ابن حزم مع مجادليه أتراك واقفاً معه في خندق واحد؟
قال: دع عنك نحول، جسمي وموادعة شكلي.. فما الناس بأشكالهم وما الحق يوزن بأجسادهم أما سمعت القائل وهو عباس بن مرداس:
ترى الرجل النحيل فتزدريه
وفي أثوابه أسد هصور
ولتعلم.. وتُعلم إخوانك أن العبرة بالروح التي يحملها الكاتب بين جنبيه.
مناهج التعليم الإسلامية بين التغيير...والتدمير.
قلت: سمعنا أنك بوزارة التعليم في مصر فما رأيك في مناهجها ومناهج شقيقاتها من الدول العربية والإسلامية؟
قال: عملت في مدارس التربية والتعليم في مصر تسعة عشر عاما من 2/12/1933حتّى 18/10/1952م، فقابلت المتعصبين والروتينيين.
الذين لا همّ لهم إلا ترداد نصوص المناهج بقليل من الفهم ونادر من الاعتبار والإدكار، ولاقيت نقصاً في منظومة المناهج المقررة وحشواً زائداً في اللغة خاصة.. كأنما المقصود أخذها على علاتها لا تفهمها ولا اعتبارها.
قلت: وماذا عن مناهجنا الحديثة؟
قال: أما مناهجكم فهي أشد سوءاً وأكثر وبالاً.. إن غابت عنها قيم الجهاد.. ومروءات الأمة.. ورفع فيها نابليون فوق محمد بن عبد الله فتراهم في مصر الكنانة يعتبرون التاريخ السقيم الذي انحرف كثيراً عن مساره وأصابته أيادي العابثين فيرفعون نابليون بدخوله المجموع «مجموع درجات الاختبار».. أما التربية الإسلامية فهي لا تدخل مجموعاً.. ولا تعد في حقيقتها حصة وقد احتذى حذوها كثير من الدول العربية والإسلامية.. أما ضعف مجموع اللغة العربية والانتقاص منه في دول العرب والمسلمين وسوء توزيع حصصها فحدث ولا حرج لقد هزم شكسبير المتنبي في بلادنا.. لقد عرفونا بكتيس.. وشيلي.. وإليوت وجونه.. وطاغور وأنسونا حسان بن ثابت، وكعب ابن زهير وكعب بن مالك وغيرهم وغيرهم، لقد اهتموا بالإنجليزية وأهملوا العربية.
قلت: ماذا ترى من محاولات أمريكية لتغيير مناهج التاريخ واللغة العربية والتربية الإسلامية في العالم الإسلامي؟
قال: لقد قدمت من أمريكا عام ١٩٥٠م بعد بعثة لي هناك، وقمت بطلب تغيير المناهج واقترحت أموراً لإصلاح هيكل الوزارة، وإنشاء إدارة فنية صحيحة تقيم نظم التعليم ومناهجه سنة ١٩٤٧ ولكن ليس على طريقة الأمريكان أهل الزيف والبهتان... ولكن بما يمليه عليَّ ديني وبما أخدم به أمتي وليت شعري!!
أبت الوزارة على الإصلاح وخضعت لمناهج دانلوب كما هي تخضع الآن لمناهج الأمريكان.. فاستقلت منها وصدفت عنها.. وأبيت أن أكون غلاماً لأمريكا.. أو خدوماً لبريطانيا ولقيت في ذلك المشاق من ذوي الروتين، وباعة الدين وهددت ورعدت.. ولكن أبيت إلا الأسنة لي مركبًا.
قلت: التبس على الكثيرين سفرك إلى أمريكا ما بين قائل إنه ذهب ليكرم بسبب محاربته الشديدة العنيفة للاشتراكية والشيوعية.
حتى زعم كثير منهم أنك عميل لها.. ونبت من دوحة فكرها؟
قال: بخ بخ!!
لقد أضحكتني بعد استعبار ..!
من لي برفقة وعمالة الأمريكان وكيف ومتى وأين؟
إنما سفري لها لإخراجي من بلدي حيث كنت أعمل مفتشاً فنياً بوزارة المعارف وأراد القوم مني تحضراً وإن شئت فقل تحدراً بالاطلاع على مناهج ونظم التعليم في أمريكا ووافقت منيتهم منيتي.. وإرادتهم إرادتي مع فارق جوهري أنهم أرادوني مستغرباً مسلماً عن ديني وعروبتي وأردت أمريكا لاستبصر حقيقة واقعها الاجتماعي وتطورها المادي.. ومناهجها التي نبني بها أوطاننا.. ارادوا.. وأردت ومكروا ونجوت والحمد لله رب العالمين.
بين رحلة سيد قطب.. ورحلات أقطاب اليهود وأسياد اللذة إلى أمريكا وأوروبا
قلت: حدثني عن رحلتك إلى أمريكا ماذا أفدت منها وما عجيب ما نقلت عنها إن طالت سفرتك أياماً بالباخرة في عباب البحار ماخرة فجدير أنها بالعجائب زاخرة...؟!
قال: أما عن فوائد سفري فهي عديدة، وقصصها لدي مديدة وسأحدثك عن أطراف منها وخاصة في طريقي إليها.
قلت: حدثني إذن.. فكلي لك أُذن..!!
قال: لم يكن سفري بطائرات الجامبو ولا «إيرباص» المزودة بأفخم المتاع.. ولا بفيديو صغير على كرسي كل راكب يقلبه على المتاع أو لقطات الجنس التي ابتدعتها خطوط الطيران في دولنا العربية والإسلامية.. أو لقطات الإثارة مما تذيب الأفئدة، وتشعل نيران الشهوات الخامدة ولم
تكن سفرتي على الدرجات الفارهة التي تقدم فيها الخمور الطازجة أو المشعشعة على مذهب عمرو بن كلثوم التغلبي.
مشعشعة كان الحصى فيها
إذا ما الماء خالطها ثخينا
ولم تكن سفرتي محطة للامتلاء من المضيفات الحسناوات المغريات اللاتي يشعلن القلوب ويقلبن المشاعر واللاني أصبحن سلعة مروجة للشركات يتزين بافتن الزينة ويظهرن الشيء الكثير ليستمتع كل ناظر، وينظر إليهن كل باصر.. حتى يتلوث الجو بنا.. ويغضب علينا ربنا.
ولقد جاني من الأنباء ما فيه الحسرة والندامة أن شركة مصرية كويتية قد طردت مضيفة ولم يكن سبب طردها الفحش فهذه حرية.. ولا العري فتلك حضارة.. ولا معاقرة الخمر.. فتلك حقوق التمتع وإنما جريمتها كلها أنها ارتدت حجابها.. وعادت إلى ربها.. إذ قالوا لها مقال قوم لوط ولأله من المطهرين: ﴿۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [سورة النمل: 56].
قلت: فقيم كان شغلك الشاغل وماذا عن فوائد رحلتك البحرية التي لم تخامر فيها أجوانا الطائرة.. أو اللاطاهرة في شركات الطيران العربية والإسلامية؟
قال: أفدت فوائد جمة من سفري إلى أمريكا في تاريخ 2/١١/1948.. حيث أقلعت بآخرتي.. فانتشط ذهني واقتدحت قريحتي ورحت أتأمل في:
1– نعمة الله على الناس في تسخير البحر ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق قدر ما «أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بناء والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا، والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك، ولا شيء إلا قدرة الله وإلا رعاية الله وإلا قانون الكون الذي جعله الله، يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج الأمواج وخضمها الرهيب».
٢– قلت لنفسي وأنا مسافر الذهب إلى أمريكا وأسير فيها سير المبتعثين العاديين الذين يكتفون بالأكل والنوم، أم لا بد من التميز بسمات معينة، وهل غير الإسلام والتمسك بآدابه والالتزام بمناهجه في الحياة وسط المعمعان المترف المزود بكل وسائل الشهوة واللذة الحرام؟
٣– بعدما قررت اختيار الالتزام بالإسلام والدعوة إليه في أمريكا ندت لفتنتي إحدى الأمريكيات على ظهر الباخرة فأعانني الله في الاستيلاء عليها وحماني من فتنتها فتجلدت قبل خوض عباب المفاتن في أمريكا وقبل ولوج شاطئها المغرق بالملذات من شهوات وشبهات.
٤ – تحول هذا الاستيلاء على الشهوات والمغريات إلى دعوة لله على ظهر السفينة، فأبصرت مبشراً على ظهر السفينة يحاول فتن الناس عن دينهم فمضيت متوفراً بمشاعر الإيمان إلى القبطان وطلبت منه السماح لكل ركاب الباخرة المسلمين بصلاة الجمعة.. وتمت الصلاة وكنت خطيب الصلاة.. حتى أعجبت سيدة نصرانية يوغسلافية بمشهد الصلاة العجيب وخاصة قراءة القرآن.
سيد قطب يستعلي على فتن الملذات.. ويعتصم عن فتن الشبهات
قلت: وما أقسى ما رأيت في أمريكا من الفتن والمحن.. وكيف تغلبت عليها.. عظنا فإن شبابنا هلكي وغرقى في الملذات الأمريكية، وحكامنا طوعي للأمريكان.. إلا القليل القليل من الكثير الوفير.. ولست مبالغاً إن قلت إن أمة الإسلام رهينة بأمر أمريكا.. بعدما عجزت عن بحر مدللتها «إسرائيل» بالمقال.. ناهيك عن الفعال.
قال: وجدت في أمريكا مفاتن لا تخرج عن كونها شهوات أو شبهات، أما عن فتن الشهوات والملذات فعرضت لي في:
أ- متابعة فتيات حسناوات مزهرات متحللات لي رصداً وعمداً من جامعة لأخرى.
ب-مناقشاتهن المكشوفة الصريحة عن الجنس وأنه عملية بيولوجية جسمانية وليس لها شان بالدين والاخلاق وهذا أشد فتناً لأن فيه افتاناً بالشهوات وإقناعاً بالشبهات.
ج- حديث بعض الشباب العربي عن ملذات أمريكا الجنسية ومغامراته مع الأمريكيات.. ومحاولته إقناعي بخوض ذلك الوحل باسم الغربة وظروفها وطبيعتها.. وباسم داعي الشهوة وتحت وطلة الغفلة.
قلت: هذا عن فتن الشهوات فماذا عن فتن الشبهات؟
قال: أما عن فتن الشبهات فكانت أقوى وأشد.. وأكل للقلب وأقطع لليد إذ رام الأمريكان فتنتي بالجنس فما استطاعوا لذلك سبيلاً فراحوا يرسلون إليّ رجال المخابرات الأمريكية فما أوقعوا عندي شبهة.. وما نالوا مني حظاً.
حتى إن رجل المخابرات الإنجليزي جون هيوورث دن، كان قد أقام بمصر مدة وادعى الإسلام وتسمى باسم جمال الدين وتزوج مسلمة وألَّف كتابه الخطير: التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة، وراح يلتف علي لأعلن ولائي لبريطانيا الاستعمارية الغاصبة لمصر في هذا الوقت ولهذا:
أخبرني عن عشرات الأسماء الأمريكية البارزة المبشرة التي انتظمت في السلك الدبلوماسي لكي يحققوا ماريهم في مصر.
٢- عرض عليّ ترجمة كتابي العدالة الاجتماعية في الإسلام، الذي صدر سنة ١٩٤٩ مقابل عشرة آلاف دولار، فرفضت العرض وقدمته إلى المجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية مجاناً.
3- حدثني عن مستقبل مصر السياسي وعن جماعة الإخوان وشكك فيها وأنها تريد بمصر السوء وأن الأمل معقود على المثقفين ليلحقوا مصر بالحضارة الغربية.
٤- ونصحني كثيراً أن أكف عن معاداة بريطانيا ومهاجمتها لأنها إذا خرجت فستحل محلها أمريكا، وهي أشد عداء منها.
قلت: وما أعجب ما بأمريكا .. من موقفهم من الإسلام والمسلمين؟
قال: أعجب شيء هو أنني أقمت في ولاية كاليفورنيا مدة طويلة وأقمت في عاصمتها سان فرانسيسكو، غير أن جوها لم يرق لي فمرضت ودخلت مشفاها وهناك وجدت علامات البشر والسرور بادية على وجوه العاملين بالمستشفى. ولما سألت ما الخطب وما الأمر؟ قالوا: لقد مات الشيخ البنّا.
فأعجب.. إن شئت تعجباً.. واعتبر بما كان وما هو كائن..
قلت: حدثني عن رحلتك مع الإخوان؟
قال: لقد أعجبت بالإخوان إعجاباً امتلك عليّ عقلي ووجداني وكل مشاعري؛ حيث أعجبت بالمؤسس الأول حسن البنا رحمه الله، وقد عبرت عن ذلك بانضمامي إليهم في مطلع سنة ١٩٥٣ إذ بنى البنا الإخوان على أسس سليمة فجاء بناؤه روحياً نفسياً في كل نفس فرد، وبناء فكرياً متوازناً في تصور الأفراد والجماعة، وبناء تنظيمياً متيناً رفيعاً لدى الأفراد، ولدى الوحدة التنظيمية للجماعة.
ولي مقال عن «حسن البنّا» وعبقرية البناء. قلت فيه: لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيراً من الدعاة.. ولكن الدعاية غير البناء، وما كل داعية يملك أن يكون بناء مشيراً إلى حسن البناء وما كل بناء يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء.
هذا البناء الضخم.. الإخوان المسلمون.. إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات إن عبقرية البناء تبدو في كل خطوة من خطوات التنظيم.. من الأسرة إلى الشعبة، إلى المنطقة إلى المركز الإداري إلى الهيئة التأسيسية إلى مكتب الإرشاد.
ثم قلت: حيا الله الإخوان المسلمين.. لقد تلفتت مصر حين جد الجد، وتحرج الأمر، ولم يعد الجهاد هتافاً وتصفيقاً، بل عملاً وتضحية ولم يعد الكفاح دعاية وتهريجاً، بل فداء واستشهاداً.
قلت: حدثنا عن صفقات النظام معك قبل استشهادك.. وفيم ساموك.. ولم أعدموك؟
قال: انضممت إلى الإخوان مطلع عام ١٩٥٣ كما قلت لك ثم مضت ستون حتى أصابني لفح لهيب السلطة، فاعتقلت في ١٩٦٥/٨/٩ ثم حقق معي صلاح نصر.. وأوسعني زبانية عبد الناصر سوء العذاب.. ثم حاكمني الدجوي.. وما رقت السلطة لمرضي.. ولا استمعوا المقالي، ولا اعتبروا بإدانة العالم لمحاكمتي.. وما.. وما وقبل قتلي بأيام أرسلوا إلي يساومونني بأن:
أ– اترك التنظيم الإخواني الجديد.
ب- اكتب ولو سطراً واحداً أو جملة للرئيس عبد الناصر استرحمه واستعطفه.
ج– أن أتخلى عن دعوتي.. وأعتذر عن عملي مع الله، ومقابل ذلك فهناك المال والجلال والرفعة والدنيا قائمة لي وقاعدة، ولما استعليت بالحق عليهم وقطعت رجائي عنهم.. تلفظوا.. وحكموا عليَّ بما تعلمون.
ظلال سيد قطب بين واقعنا المرير وواقعه الكسير
قلت: هلا حدثتني عن ظلالك.. في حلك وترحالك.. وعن أفانينه ومناسبته.. وكيف خططت روائعه.. ومتى وأين وكيف؟
قال: طلب إلى الاستاذ سعيد رمضان أن، أشارك بمقال دائم في مجلة «المسلمون» فاخترت أن أكتب تفسيراً للقرآن وكان ذلك سنة ١٩٥١ وبهذا استمرت حلقات التفسير وانتهيت حتى الآية (۱۰۳) من سورة البقرة ثم عملت على إظهار أجزاء
منه بعيداً عن المجلة وكان ذلك سنة ١٩٥٢ حيث صدر منه سنة عشر جزءاً ثم أكملت باقيه في السجون حيث حكموا عليّ بخمسة عشر عاماً.
قلت: لقد عددناك عالماً مجدداً في التفسير لما اضفت إليه من أفكار حركية وتربوية على التفاسير السابقة بما يمكن أن نسميه رائد مدرسة التفسير الحركي، إذ تناولت فيه قضايا العقيدة والدعوة والحركة والجهاد والتشريع والجاهلية.
الفكر الإسلامي الحديث ومستقبله القيادي عند سيد قطب
قلت: وما رأيك في قيادة الرجل الغربي للعالم بما فيه عالمنا الإسلامي؟
قال: إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال، لأنه لم يعد يملك رصيداً من القيم يسمح له بالقيادة والإسلام وحده هو الذي يملك مقومات هذه القيادة.
قلت: وكيف إذن البديل أن يقود البشرية.
قال: البديل عندي هو الإسلام والإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا في مجتمع، أي أمة. ويقرر سيد قطب عند هذه النقطة أن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة.. فالأمة المسلمة ليست «أرضا» كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوماً، كان اجدادهم في عصر من العصور يعيشون بالنظام الإسلامي.. إنما الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي. وهذه الأمة، بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعاً.
ولذلك فإنه لا بدّ من بعث الأمة المسلمة التي واراها ركام التصورات وركام الأوضاع وركام الأنظمة التي لا صلة لها بالإسلام.
قلت: وما ذلك المجتمع المبتغى والمرتجي عندك؟
قال: الإسلام- من وجهة نظري- لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي، الأول يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة، شريعة ونظاماً وخلقاً وسلوكاً والمجتمع الجاهلي هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه تصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه، ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناساً ممن يسمون أنفسهم مسلمين بينما شريعة الإسلام ليست بقانون المجتمع، وإن صلى وحج البيت الحرام.
قلت: وماذا عن المجتمع الحر عندك؟
قال: التحرر الحقيقي هو أن تكون الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده، متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية، فتكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً وحقيقياً من العبودية للبشر.. المجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد، ويخرج فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
قال معقبًا: وهاتان الفكرتان الجاهلية التي أصابت المجتمعات الإسلامية، بل البشرية كافة والتحرر منها والانعتاق من أسرها بتطبيق الحاكمية هما الفكرتان الرئيستان في منهج سيد قطب الفكري، وهما الإضافة التي زود بها نهر الفكر السياسي الإسلامي.
وحول هاتين الفكرتين تدور كل الأفكار الأخرى التي تصادفنا في كتب سيد قطب، وفي مقالاته، بل في تفسيره للقرآن الكريم في ظلال القرآن، كلما تعلق الأمر بالفكر السياسي أو بالحياة الاجتماعية.
قلت: وبما أنك فنان فماذا عن الفن الإسلامي من وجهة نظرك؟
قال: الفنان المسلم رجل يعيش على الأرض بروح تحلق في السماء، فهو يتفاعل مع الواقع الاجتماعي بعقيدة ربانية ومنهج إلهي ليسمو به إلى غاياته التي يتطلع بها إلى عالم الخلود الذي سوف يستقر به في نهاية المطاف، والذي يعنيه مما سبق أن الفن الإسلامي مذهب مستقل يتباين تماماً عن تلك المذاهب الفنية التي نشأت عن تطور المفاهيم العلمانية في الغرب.
ولكن ذلك لا يعني أن الفن الإسلامي مدرسة فنية غير قابلة للتجدد لأن التصور الإسلامي للوجود والذي نعبر عنه هنا بالمثالية العقائدية والقيمية للتصور الإسلامي، والجانب المتغير هو الفاعلية الإنسانية التي يتعامل بها هذا التصور مع الواقع المتغير قابل للتشكل الفني بحسب التوجهات البشرية المختلفة ومن المزج بين وذاك يتسع المجال؛ لأن تتوالد العديد من المدارس الفنية المتجددة ولكنك ستلاحظ دائماً أنها تختلف عن المدارس الفنية الأخرى التي تتفاعل على أرضية أيديولوجية مختلفة.