العنوان نقض «بني إسرائيل» للمواثيق
الكاتب فضيلة الشيخ/ صلاح أبو اسماعيل
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1984
مشاهدات 63
نشر في العدد 656
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 31-يناير-1984
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين.
وبعد:
الله تبارك وتعالى أخذ على اليهود المواثيق أن يلتزموا ضوابط معينة فيها فلاحهم في عاجلهم وآجلهم، في حاضرهم ومستقبلهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (البقرة: 83).
هل هذا هو كل ما أخذ الله ميثاقهم ليلتزموه.. لا.
إن هناك أمورًا أخرى.. قال تعالى مخاطبًا بني (إسرائيل) ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة: 84)، فهم إذن علموا كلمات الله.. استمعوا إليها تمامًا، أقروا بميثاق الله، شهدوا أن هذه رسالة الله.. فماذا كان موقفهم؟
يقول تعالى في سورة البقرة في الآية «85» ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، لقد نزل الله تعالى بعضهم من بعض منزلة الذات ومنزلة النفس، لأن بني (إسرائيل) كان بعضهم يحالف الأوس وبعضهم يحالف الخزرج، وكان بين القبيلتين في الجاهلية حروب دامية وكان اليهود يتقاتلون بمقتضى هذا التحالف، وكان بعضهم ينتصر على البعض، وكان المنتصر يخرج المنهزم من دياره، وكانوا يعينون حلفاءهم من مشركي العرب على إخوانهم اليهود بالإثم والعدوان.. ولكن إذا ما أسر يهودي فإنهم كانوا يدفعون فداء الأسير يخرج بعضهم بعضًا من الديار بحكم منطق الحرب، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (البقرة: 85)، فإذ تفادون الأسارى إنما تؤمنون ببعض الكتاب، وإذ تخرجونهم من ديارهم تكفرون ببعض الكتاب.. فأين الاتساق المنطقي في موقف بعضهم من بعض؟ وأين الإيمان المطلق الذي ينسحب مقتضاه على المواقف كلها؟
إن الإيمان له منابع وله مقتضيات.. فمنابع الإيمان أن أعرف ربوبية الله معرفة مستقاة من الدليل.. وأن أعرف أن محمدًا رسول الله معرفة ينتجها الدليل.. فإذا عرفت ذلك كان عليّ أن ألتزم ما يقتضيه الإيمان.. هناك منابع الإيمان وهناك مقتضيات الإيمان، فإذا أنا استجبت لما يقتضيه الإيمان استجابة مطردة دائمة فأنا منطقي مع عقيدتي، أما إذا استجبت لمقتضيات الإيمان استجابة في موقف يتفق مع هوى النفس وتخليت عن مقتضيات الإيمان في موقف لا يرتضيه هدى النفس فإنه يرد هذا السؤال الإلهي ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85).. وهكذا كان بنو (إسرائيل).. إن يأتهم أحد إخوانهم أسيرًا يدفعون فداء استجابة للإخاء مع أنهم هم الذين حاربوه وألجأوه إلى الخروج من الديار وأوقعوه في الأسر.. فأين هم من هذه الاعتبارات حين يحارب بعضهم بعضًا وحينما يقتل بعضهم بعضًا؟!!
ولذلك- يقول تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85).
ويصفهم الله بأن الحياة الدنيا صارت عندهم شيئًا هائلًا باعوا في سبيله التوراة وباعوا في سبيله علاقتهم بالله وباعوا في سبيل علاقتهم بنبيهم موسى، وهذا هو قول الله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة: 86).
فكيف يستقيم قولهم قبل ذلك: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (البقرة: 80). إن الله تبارك وتعالى بيّن أن بني (إسرائيل) عبدة الأهواء والذي نراه منهم في المواقف المعاصرة إنما هو امتداد لما دمغهم القرآن به، فهم على سبيل المثال وفي عصرنا الحديث وفي وقت ليس بالبعيد علمنا أنهم تدخلوا لصالح الأرجنتين ضد بريطانيا التي كانت سببًا في وجودهم معتدين في أرض فلسطين الطاهرة العربية الإسلامية.
إن وعد بلفور هو السبب في أنهم وضعوا أقدامهم في هذه الأرض وبريطانيا هي التي أعانتهم يوم كانت صاحبة السلطان الاستعماري الأثيم في هذه الأرض فكيف كافأوا بريطانيا؟.. لقد أمدوا الأرجنتين بالسلاح وبالعتاد ضد بريطانيا.. لماذا؟ لأن الأرجنتين تشتري منهم سلاحًا وهم يريدون المال وهم يعبدون الذهب وهم يعبدون أهواءهم، وإن تعارض ذلك مع مبادئ الشرف ومعاني الإنسانية ومظاهر الوفاء.
إذا كلفهم الله التزامًا وإذا عطلهم هذا الالتزام عن تحقيق هوى أو حال بينهم وبين رغبة فإنهم ليسوا من الوفاء في شيء وليسوا من العرفان في شيء.. أنا لا أريد أن أقول إن طرفًا ما على حق أو إن طرفًا ما على باطل ولكنني آخذ جانبًا واحدًا فقط هو أن هؤلاء كانوا في ماضيهم حينما نزل القرآن بحديثه هذا عنهم.. كانوا يعبدون ما يهوون وهم اليوم كذلك.. ما أشبه الليلة بالبارحة، تاريخ ممتد على طريق عبادة الأهواء.. وهؤلاء هم الصهاينة وهؤلاء هم اليهود.
يقول تعالى في بيان عبادتهم للأهواء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: 87)، ثم يتجه إليهم ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87).
لقد علمنا إسلامنا مخالفة الهوى كما قال النبي- عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»، بل إن القرآن يبلغ المدى حين يقول ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: 6).
ونحن قد رضينا الله ربًا، والإسلام دينًا، والقرآن منهاجًا، وسيدنا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولًا، وربما جاءني واحد من المسلمين يسألني مثلًا في حكم من أحكام الرضاع ويكون قلبه قد تعلق بفتاة بعينها يريدها زوجة، ولكنه بين هواه ودينه يسأل عن حكم الله في الرضاع وعن اختلاف المذاهب، فإن وجد منفذًا شرعيًا إلى غايته سلكه آمنًا مطمئنًا، وإن لم يجد منفذًا شرعيًا وضع هواه خلف ظهره ودبر أذنه وتحت قدمه لتكون كلمة الله هي العليا.
أما هؤلاء فقد كان الهوى هو القائد.. وكانت الرغبات هي الدافع.. وكانت تطلعاتهم.. هي قوانينهم وكانت هي ضوابطهم.. كانوا يحكمون الهوى في المقدسات ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (البقرة: 87). احتقرتم الحق الذي يتعارض مع أهوائكم ولم تتلفتوا إلى المعجزات التي تتعارض مع تطلعاتكم، ولم تتلفتوا إلى النبوات التي جعلها الله فيكم ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87).. هؤلاء هم بنو (إسرائيل).
لقد كان برنادوت وسيطًا ممثلًا للأمم المتحدة وكان رجلًا يجهر بكلمة الحق ويصرخ بها في وجه الأباطيل الصهيونية المعاصرة.
▪ فماذا فعلوا...
لقد قتلوا الرجل وراح ضحية مواقفه التي ينادي خلالها بتقديس الحق وبإظهار العدل ولا مصلحة لهم في ظهور العدل ولا في قداسة الحق.
هذه ليلتهم وهذا أمسهم، وذلك من خلال ماضيهم غدهم.
وهؤلاء هم اليهود عليهم لعنات الله، ونسأل الله تعالى أن يذلهم وأن ينصرنا عليهم.. إن ربنا خير مأمول وأكرم مسؤول.