العنوان عقيدة أهل السنة في الميزان (4)
الكاتب محمد علي الصابوني
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1983
مشاهدات 81
نشر في العدد 630
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 26-يوليو-1983
من واجب الدعاة في هذا العصر.. أن ينتبهوا إلى المخاطر التي تحدق بهم... وأن يبذلوا قصارى جهدهم لرب الصدع بين الفئات الإسلامية.. التي تريد أن تعمل مخلصة لخدمة دين الله.. سواء كانت هذه الفئات من السلفيين، أو من أتباع المذاهب الأربعة.. أو من أنصار السنة، أو من الإخوان، فإن واجب الإسلام اليوم أن تتضافر الجهود، لصد تلك الهجمات الشرسة، التي يتعرض لها المسلمون في جميع الأقطار الإسلامية، بأيدي الكفرة أعداء الله، أو بأيدي من ينتسبون كذبًا وزورًا إلى الإسلام، وهم أشد فتكًا وبطشًا من أسيادهم المستعمرين.
إنني أدعو مخلصًا كل الدعاة، وكل من يشتغل بالدعوة الإسلامية، أن ينتبهوا إلى الخطر، وأن يستيقظوا من غفلتهم وسباتهم؛ فالأعداء -وما أكثرهم وأخبثهم وأمكرهم- يلتقون على هدف واحد، يريدون أن يجهزوا على الإسلام، ولن يرحموا مسلمًا أبدًا يقول «لا إله إلا الله محمد رسول الله» سواء كان متمذهبًا، أو متسلفًا، أو منتسبًا إلى حزب يريد أن يخدم الإسلام، أو متدينًا منطويًا على نفسه يريد أن يعبد الله، بعيدًا عن الجماعات الإسلامية والأحزاب!!
* * *
إن المكر واحد، والكيد واحد، والحرب واحدة.. والهدف من وراء ذلك كله هو القضاء على المسلمين وتحطيم قواعد الإسلام.. وصدق الله العظيم ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (النساء: 102) ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (النساء: 89).
فإلى متى نبقى مغفلين عن مكر هؤلاء الأعداء؟! إلى متى نبقى نتخاصم ونتناحر بين بعضنا البعض.. وأعداؤنا قد شخذوا السكاكين لذبحنا واحدًا بعد الآخر؟!
* * *
إن من الغباء والجهالة أن يتناحر المسلمون ويتخاصموا، في وقت اجتمعت عليهم فيه قوى البغي والشر من كل مكان.. من ماركسية، وشيوعية، وقومية، واشتراكية، ودعاة للإلحاد والضلال. ينشغل بعضنا ببعض، ونترك عدونا يسرح ويمرح.. نكفر بعضنا البعض لأبسط الأمور، ونرمي إخواننا المؤمنين بالضلال، كأننا لم نعم ندرك تلك المخاطر التي تحيط بنا، والتي تستدعي منا توحيد الجهود الإسلامية، بدل تفتيت الوحدة وتمزيق الصف. فمتى نصحو من هذه الغفلة؟
ومتى يلتقي دعاة الإسلام على كلمة سواء، ليجابهوا قوى الشر والعدوان؟ ألم يحذرنا القرآن من الفرقة؟ ألم يأمرنا أن نكون كالبنيان يشد بعضه بعضًا؟ أين التواضع للمؤمن؟ أين الحرص على أخوة الإيمان؟ أين اللين وخفض الجناح للمؤمنين؟ ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؟(الشعراء: 215)
* * *
لقد أضحت فينا صفات اليهود والمنافقين كما قال القرآن عنهم ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: 14). وانقلبت الأوضاع والموازين، فبدلًا من أن نشتد على الكفار، نشتد على المؤمنين، وبدلًا من محاربة أعداء الله، نحارب المسلمين، ثم نزعم أننا على بصيرة من الدين، وأين هي صفات المؤمنين ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؟! (الفتح: 29). لقد انقلبت الآية فصرنا أشداء على المؤمنين، رحماء على الكفار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ألم نسمع وصف المؤمنين في كتاب ربنا ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71).
أقول ناصحًا ومشفقًا: ليس هذا الوقت وقت مهاجمة لأتباع المذاهب، ولا للأشاعرة، ولا للإخوان، حتى ولا للصوفيين، أصحاب الطرق المعروفة.. لأن الجميع يجمعهم شيء واحد، هو حب الإسلام، وخدمة الدين.. والجميع يريدون وجه الله، ومنهم من يخطئ في الأسلوب أو في الطريق، فعلينا أن نوجهه بالحسنى إلى الجادة، دون أن نجعله عدوًا لنا، أو نشعره بأنه في صف الأعداء!؟ نعم حتى «المتصوفة» الذين تكثر عندهم الأخطاء -لأن بعض شيوخهم جهلة- لا يعرفون إرشادهم إلى الطريق المستقيم- ينبغي أن نكسبهم إلى جانبنا، لأنهم يحبون الله، ويريدون وجهه، وقد يخطئون في طريقة الوصول إليه، والتقرب منه جل وعلا.
ينبغي أن نوفر طاقتنا وقوتنا لحرب أعدائنا، من الملاحدة، والشيوعيين والمنافقين، المذبذبين بين ذلك ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (النساء: 143). وأن نصنف كل فئة في زمرتها، ونعرف عند التصنيف الأخطر فالأخطر، حتى نعلم كيف نرد مكر أولئك الخبثاء عنا وعن الدين، وأن نكف الآن عن أهل السنة والجماعة، فحسبنا أنهم مسلمون يعتزون بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ويعملون لصالح الإسلام والدين.
* * *
«مذهب الأشاعرة»
وبعد: فمن هو «أبو الحسن الأشعري» الذي يحمل بعض الناس حملة شديدة عليه وعلى أتباعه، دون أن يعرفوا حقيقة دعوته ومذهبه؟!
إنه أحد أئمة علماء أهل السنة والجماعة، وأحد العباقرة الأعلام الذين وقفوا في وجه طغيان المعتزلة، فكشف عن زيفهم، ودافع دفاعًا عظيمًا عن أهل السنة، بما منحه الله عز وجل من علم واسع، وفهم ثاقب، ودك حصون المعتزلة، وأتى على قواعدها من الأساس، وقد أراد الله أن يبرزه للأمة كمصلح ومنقذ، لحفظ السنة المطهرة، ولرد أباطيل أهل الزيغ، في وقت طغت فيه موجة تقديس العقل، ورجحت كفة أهل الاعتزال فيه، على كفة أهل السنة والجماعة، وذلك بتبني بعض الخلفاء لمذهبهم مثل «المأمون بن الرشيد» الذي كان شديد الإعجاب بآراء المعتزلة، بل كان حامل رايتهم، والمدافع عنها بقوة سلطانه، في ظل الدولة العباسية.
* * *
ولا يغرب عنا تلك الحقبة من الزمن، التي مرت بها الأمة الإسلامية.. وتلك المحنة القاسية الشديدة.. التي مر بها الفقهاء، والمحدثون، وعلماء أهل السنة.. فقد اخترع المعتزلة فكرة القول بـ«خلق القرآن»... اعتقادًا منهم بأن الله هو وحده القديم، وكل ما عداه فهو محدث مخلوق.. وأنكر عليهم علماء أهل السنة ذلك وقالوا: القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، وصفاته قديمة جل وعلا، فلا يجوز أن نقول عن القرآن إنه مخلوق.. وكثر الجدال والمناظرة بين أهل السنة والجماعة، وبين المعتزلة.. وانتهى الأمر لصالح المعتزلة بفرض الخليفة «المأمون بن الرشيد» هذا الرأي على أهل السنة بقوة النفوذ والسلطان.
«محنة أهل السنة»
وحدثت المحنة التي عُذّب من أجلها المحدثون والفقهاء، وعلى رأسهم إمام أهل السنة «أحمد بن حنبل» رضي الله عنه وأرضاه.. فقد قاسى الشدائد والأهوال من جراء هذه الفتنة التي أثارها أهل الاعتزال، في عهد الخليفة المأمون ثم «المعتصم» الذي انتصر لمذهب المعتزلة كما كان الأمر في عهد المأمون، فقد ضرب الإمام أحمد ضربًا شديدًا، وقيد بالأغلال، وخلعت كتفه، وبقي في السجن شهورًا لأنه لم يجب السلطان على رغبته بالقول بخلق القرآن.
يقول الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه «رجال الفكر والدعوة في الإسلام» في محنة الإمام أحمد رحمه الله: «رأى المعتزلة أن الإسلام يتركز في الاعتقاد بخلق القرآن، وحملوا رأس الحكومة الإسلامية «المأمون بن الرشيد» العباسي على حمل المسلمين على هذه العقيدة، فحمل الناس عليها سنة «218هـ»، وبدأ ذلك بإرسال كتاب إلى والي بغداد «إسحاق بن إبراهيم» ذكر فيه: «إن خليفة المسلمين واجب عليه حفظ الدين، وإقامته والعمل بالحق في الرعية، وذكر أن القائلين بقدم القرآن، والمنكرين لخلقه، هم شر الأمة، ورءوس الضلالة، المنقوصون من التوحيد.. وأحق من يتهم في صدقه، وتطرح شهادته، ولا يوثق بقوله ولا عمله.. فإنه لا علم إلا بيقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد» وأمره بجمع الناس وامتحانهم في هذه العقيدة، وعزل كل من لا يوافق عليها ولا يدين بها.
وهكذا بدأت هذه الفتنة، التي تسمى في التاريخ «بالمحنة» وكان ذلك قبل وفاة المأمون بأربعة شهور.
«الدولة تتبنى مذهب المعتزلة»
احتضنت الدولة العباسية الكبرى، في عهد ملك من أقوى ملوكها، وأعظمهم شأنا وسلطانًا، عقيدة لا يفهمها العامة، ولا يوافق عليها المسلمون، وفرضتها على الجمهور، وجعلتها فارقًا بين الكفر والإيمان، والشرك والتوحيد، وأمرت بإقصاء كل من لا يدين بها أو يخالفها، وامتحانه وتعذيبه، فكانت محنة عظيمة على الأمة.. وكتب المأمون إلى واليه «والي بغداد» أن يرسل إليه سبعة من كبار المحدثين، الذين عارضوا هذه العقيدة ففعل، وأجاب هؤلاء فأعادهم إلى بغداد، وأمر الوالي أن يجمع الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث في داره ففعل، أجاب هؤلاء فخلى سبيلهم، ثم أصدر كتابًا ثالثًا غلظ فيه القول، وضيق الأمر، وأمر بالتوسع في امتحان الناس.
وامتثل الوالي أمره، فأحضر مشاهير العلماء وامتحنهم، وكانت إجابة القوم مضطربة ومختلفة، وحرر الوالي محضرًا بجميع أقوال الممتحنين، وأرسله إلى المأمون، فلما قرأه اشتد غضبه وثار بقراءته، وأمره أن يعود إلى امتحانهم، فإن أصروا فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا ويتوبوا، حملهم جميعًا على السيف «إن شاء الله ولا قوة إلا بالله» وامتثل الوالي أمر الخليفة، وجمعهم ثانية، وقرأ عليهم كتاب المأمون، فأقروا جميعًا بأن القرآن مخلوق إلا أربعة «أحمد بن حنبل» و«سجادة» و«القواريري» و«محمد بن نوح» فأمر بهم فشدوا في الحديد.
واعترف «سجادة» بخلق القرآن، فأطلق سراحه، وأجاب القواريري بعد يوم آخر، فأطلق سراحه، وانحصر الأمر في اثنين «أحمد بن حنبل» و«محمد بن نوح» فشدهما في الحديد، ووجههما إلى المأمون، ثم أرسل البقية من الممتحنين بأمر المأمون، وبلغتهم وفاة المأمون وهو بالرقة، فخلى والي بغداد سبيل أكثرهم، ومات محمد بن نوح وهو عائد إلى بغداد، وهكذا تركزت رئاسة المعارضة في أحمد بن حنبل، فكان زعيمها وعلمها ومتجه الأنظار فيها(1).
«انحسار مذهب المعتزلة»
وهكذا نجد أن آراء المعتزلة، فرضت على أهل السنة بقوة الدولة والسلطان، ولم يضعف شأن المعتزلة إلا بعد وفاة «المأمون» و«المعتصم» ومجيء «المتوكل» الذي كان يحمل العداء لأهل الاعتزال، وقد تولى الخلافة بعد «الواثق» فأقصاهم من مناصب الحكومة الخطيرة.. ولكن رغم ذلك كله فقد ظل المعتزلة يسيطرون على الأوساط العلمية.
لقد فقدت عقيدة «خلق القرآن» سلطانها، ولكن كانت للمعتزلة عقائد ونظريات، ولا تزال جديدة تشغل العقول، وتسيطر على الأذهان، وخضع لعبقرية هؤلاء وذكائهم كثير من الناس، وأصبح شبه المقرر عندهم أن المعتزلة يمتازون بدقة النظر، واتساع الفكر والتحقيق، وأن آراءهم وما وصلوا إليه من نتائج علمية، أقرب إلى العقل، وقد صار كثير من طلبة العلم الشبان، والذين يحبون الظهور والتفوق على الأقران، يظهرون الاعتزال تطرفًا.
* * *
بالعكس من ذلك لم يظهر بين الفقهاء والمحدثين- بعد الإمام أحمد- شخصية قوية جذابة، وأعرض المحدثون والفقهاء عن العلوم العقلية، وأساليب البحث والاستدلال الجديدة، التي شاعت بتأثير المعتزلة، فكان نتيجة ذلك ظهور المعتزلة في مجالس البحث والمناظرة على منافسيهم، وبدأ الناس يشعرون بأن أهل السنة متخلفون عن ركب العلم، ويجهلون مبادئ الفلسفة..
حتى قيض الله لدينه تلك الشخصية العبقرية الفذة، التي تفوق المعتزلة في مواهبها العقلية، وفي مستواها العلمي، ذلكم هو الإمام «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» من ذرية الصحابي الجليل «أبي موسى الأشعري» الذي كان قمة في العقل والعلم، والذي ولد بالبصرة سنة «270» هجرية، وعكف على العلوم الدينية ينهل منها بشوق ورغبة، حتى فاق أقرانه، ودرس آراء المعتزلة دراسة متفحص متعمق، فاستطاع بذكائه وعبقريته، أن يتغلب على أربابها بمناظرته وقوة بيانه، وبخاصة في علم الكلام، فقد كان قمة لا يصل إليها أحد، وقد نشأ في مدرسة «أبي الحسن الأشعري» علماء فحول، ومتكلمون كبار، خضع لنفوذهم وعلمهم العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وظلوا مسيطرين على الحركة العلمية والفكرية لعدة قرون، وبفضلهم وجهودهم المخلصة، انتقلت قيادة العالم الإسلامي الفكرية من المعتزلة إلى أهل السنة.
«نبوغ طائفة من أهل السنة»
وقد نبغ في القرن الرابع الهجري علماء كبار، طبقت شهرتم الآفاق، أمثال القاضي «أبي بكر الباقلاني» والشيخ «أبي إسحاق الأسفرايني» وإمام الحرمين «أبي المعالي الجويني» والعلامة «أبي إسحق الشيرازي» وهكذا نصرت هذه المدرسة مذهب أهل السنة والجماعة، وما زالت القيادة الفكرية لها، تحمل رايتها وتناضل عنها، حتى انطمست مدارس أهل الاعتزال، ولم يعد يبق لها ظهور أو استعلاء.. لا سيما بعد أن ظهر كبار المحدثين من الأشاعرة في القرون التي تلتها مثل شيخ الإسلام «ابن حجر العسقلاني» صاحب فتح الباري على صحيح البخاري، و«البدر العيني» وشيخ المحدثين «الإمام النووي» الذي طبقت شهرته الخافقين، وغيرهم من الأئمة الأجلاء، والعلماء الأعلام.
«نقد مذهب المعتزلة»
لقد كان أبو الحسن الأشعري جريئًا وصريحًا في نقده للمعتزلة، وقد بيّن أنهم اتبعوا أهواءهم في فهم هذا الدين، وقلّدوا رؤساءهم وسلفهم تقليدًا أعمى، ولم ينظروا في الكتاب والسنة بفكر العالم النزيه، ولم يتخذوها إمامًا ومصدرًا لعقائدهم وآرائهم، بل كلما تعارض القرآن مع ما انتحلوا من آراء وعقائد فاسدة، تأولوا به القرآن ولم يروا بذلك بأسًا، يقول في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» أما بعد:
«فإن من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر، مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلًا لم ينزل الله به سلطانًا، ولا أوضح به برهانًا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين... إلخ».
ثم يشرح عقيدته التي يدين الله بها فيقول:
«قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وبسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله «أحمد بن محمد بن حنبل» نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المناهج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وخليل معظم مفخم»(2).
هذا هو كلام الشيخ أبي الحسن الأشعري، وهذه هي عقيدته، وتلك هي خدمته وانتصاره لمذهب أهل السنة والجماعة.. فكيف يظن بعض المغفلين في عصرنا هذا- عصر البلادة والجهل- أنه من المبتدعين، ويسلكونه وجماعته الأشعريين في زمرة «الخوارج، والمعتزلة، والجهميين» ويعتبرونه خارجًا عن أهل السنة والجماعة، مع أنه أكبر مناصر لهم، بل هو إمام جليل من أئمة أهل السنة والجماعة؟!
ولسنا نبرئه وأتباعه من بعض هنات لا يسلم منها أحد من البشر، فإن للأشاعرة بعض أمور فيها شيء من التأويلات الغريبة، التي ينبغي أن ينزه منها المذهب.. ولكنهم على كل حال من أهل السنة والجماعة، ولم يخرجوا عن الملة، بتلك الآراء التي تبنوها في تأويل بعض الصفات، والكمال لله جل وعلا، والذي يهمنا في هذا الحديث أن نكون منصفين، وأن نسعى لجمع شمل الأمة المحمدية، فلا نكفر بجهلنا أئمة علماء المسلمين، لمجرد أنهم يدينون بمذهب الإمام الأشعري، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
(1) انظر كتاب رجال الفكر في الإسلام للسيد أبو الحسن الندوي، وإذا أحببت الاطلاع على مذهب المعتزلة وأهل السنة فاقرأ «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» للألوسي. البغدادي.
(2) كتاب الإبانة عن أصول الديانة صفحة «5».