; البحث عن المسؤولية | مجلة المجتمع

العنوان البحث عن المسؤولية

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 577

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-يونيو-1982

  • أيام أن كان الإسلام والمسلمون بخير، لم يكن البحث عن المسؤولية يشغل أذهان المسلمين، لأن المسؤولية على مستوى الراعي والرعية كانت متوافرة، أما اليوم -وقد أصبح الإسلام على هامش حياتنا- فالبحث عن المسؤولية ضرورة ملحة، وبخاصة بعد أن اختلط الحابل بالنابل وصارت الأمور فوضى لا ضوابط لها، واستردت الجاهلية الأولى مكانها، وسيان أن تضع فوق رأسها القبعة أو العمامة، وترتدي السترة أو الجلباب، وتتكلم العربية الفصحى أو الأعجمية الركيكة.

في الإسلام تقع المسؤولية جملة وتفصيلًا على عاتق رأس الدولة، خليفة كان أم إمامًا، وهذه المسؤولية هي الثمن المقابل للمنصب، وهي المميز له عن سائر أفراد الرعية وهي ميزة لا تجلب المنافع، بل تجلب المتاعب، هكذا كان يفهم عمر بن الخطاب- -رضى الله عنه-: «أنا واحد من سائر الرعية غير أني أثقلكم حملًا» ومن قبل عمر كان الصديق- رضى الله عنه-، وهو القائل في خطبته الأولى إثر توليه الحكم: «إني قد وليت عليكم ولست بخيركم». 

وعلى النقيض ما نلمسه الآن في الحكم الجاهلي الذي استشرى في حياة المسلمين، فامتياز الرعاة مثير للدهشة بل للأسي امتياز يعود في طبيعته إلى نظرية «الحق الإلهي» الذي ساد أوربا في القرون الوسطى حتى القرن الثامن عشر الميلادي، ومؤدى هذه النظرية: أن الحاكم يستمد حقه من الله، فلا يسأل عما يفعل، وهو معصوم من الخطأ، ومنزه عن الهوى، وحتى في عصر النهضة ظهرت فكرة «الملك يملك ولا يحكم» أو الحاكم «يسود ولا يحكم» كتبرير لعدم مسؤولية الملك أو الحاكم أمام البرلمان والفكرة مطبقة في بريطانيا بدقة، لا لمجرد احترام الدستور -فحسب- بل أيضًا لأن الشعب هناك موجود شكلًا وموضوعًا، والصحافة حرة هناك حقيقة لا وهمًا، وليست الملكة وحدها هي التي ليس من حقها التدخل في شؤون السياسة لأنها مجرد رمز بل إن الأسرة المالكة ليس لها الحق في التدخل في شؤون السياسة، فمنذ سنوات سئل زوج الملكة عن رأيه في ظروف بريطانيا الاقتصادية وبرغم أن الرجل قال: إنني أبدي رأيي باعتباري مواطنًا لا باعتباري زوجًا للملكة: إلا أن الصحافة هاجمته بعنف، وقالت: «إن وظيفة الرجل هو أنه -فقط- زوج للملكة، وليس من حقه أن يخرج عن حدود وظيفته فيتدخل في شؤون السياسة. 

وفكرة «يملك ولا يحكم» أو «يسود ولا يحكم» فكرة لا يعرفها الإسلام ولا يقرها، لأن الإسلام يعتبر الراعي على قمة المسؤولية، ومما يؤسف له أننا بغباء وتبعية مهينة -نقلنا إلى دساتيرنا هذه الفكرة ولم نطبقها- على الأقل- كما طبقتها إنجلترا وبعض دول أوربا الغربية، لقد سجلت دساتيرنا النص بأمانة، أما التطبيق فقد ضرب به عرض الحائط، فالرعاة يملكون ويحكمون، ويسودون ويتحكمون، ولا وجود للبرلمانات إلا حين تؤيد وتصدق وهي تهتف وتصفق، أما الصحافة فحريتها لا تتجاوز التأييد والهتاف والتقديس لكل ما يراه الرعاة.

  • وإذا كان الإسلام يقرر -بلا أدنى استثناء- مسؤولية ولي الأمر عما ولاه الله، فإن هذه المسؤولية مسؤولية عامة شاملة، فأبو بكر في أول خطبة له يقول: «ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى أخذ الحق منه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق له» ويقول عمر في أحد تصريحاته: «لو أن عقال بعير ضاع بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه أما تروني أني مسؤول عن تأمين الطريق؟ ولو أن بعيرًا عثر بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه أما تروني أني مسؤول عن إصلاح الطريق؟

ولكن إذا كانت المسؤولية واقعة على عاتق ولاة الأمور فإن مسؤولية الرعية مقررة ولها اعتبارها، ومن أخص خصائص هذه المسؤولية التي تقع على عاتق الرعية، فإنها لأعمال الرعاة، وهي فرض كفاية عليها، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وإلا أثمت الرعية لها، وما هو أهم أن النصوص المقررة لهذه المسؤولية يؤكدها الرعاة أنفسهم، باعتبارها حقًا للرعية مكتسبًا، وليست منحة من الحاكم، فأبو بكر يقول: «إن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني» وأكثر من ذلك أن الخليفة الأول يقرر التزامه بطاعة الله مما يفرض على الرعية طاعته، فإذا أخل بالتزامه انتهى التزام الرعية بطاعته: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم». ولعلنا نحفظ عن ظهر قلب موقف الخليفة الثاني من حق الرعية في ممارسة الرقابة على الحاكم، فقد قال للذين اعترضوا على القائل له: «اتق الله يا عمر» دعوه يقلها، فو الله لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها، بل إن الخليفة عمر أحنى رأسه لمن قال له: «والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا».

  • ومما يدعو إلى الأسى المرير أن الدول الغربية المتقدمة أصبحت اليوم تطبق مبادئ الإسلام في سياسة الحكم فالحاكم ليست له أدنى قداسة، وليست له امتيازات تجعله فوق الدستور وفوق القانون، لقد اغتيل عمر بن الخطاب أعدل من عرفت الأرض، فلم تعلن حالة الطوارئ، ولم يقتص إلا من القاتل واغتيل كنيدي رئيس أكبر دولة في العالم، فلم تعلن حالة الطوارئ، ولم تعتقل عشرات الألوف، واعتدى على الرئيس الحالي ريغان، فلم تهتز الأرض، ولا داعى لأن نثير الأوجاع ونعرض لما يحدث في ديارنا، فنحن الشعوب المطحونة المغلوبة على أمرها نرفض بإرادتنا أن يكون الحاكم مقدسًا، بل لا بد أن يكون فوق القداسة، وليس نصف إله بل مجموعة من الآلهة، حسبنا ما تفوه به حامل عمامة ضخمة منذ سنوات، وتحت قبة البرلمان: «لو كان الأمر بيدي لاعتبرت السيد الرئيس -يعني السادات- في مرتبة الذي لا يسأل عما يفعل».

إن لدينا برلمانات ويدعون أنها تمثل الشعوب، وأتحدى أن يكون برلمان واحد مستعدًا لأن يرفض إرادة الحاكم، بل إن هذه البرلمانات في أحيان كثيرة تفوض رئيس الدولة في اتخاذ القرارات بإرادة منفردة دون أن يرجع إلى البرلمان والويل كل الويل لمن يهمس معترضًا على إرادة الرئيس فأقل ما يتهم به «العمالة» أو «الخيانة» أوهما معًا، إن عبد الناصر اتخذ القرار بإرادته المنفردة عام 1962م حين أرسل جيش مصر إلى اليمن ليقاتل إخوة لنا في الدين والعروبة، وفي عام 1965م اعتقل بقرار منه زهاء خمسين ألفًا من الرجال والنساء والأطفال، لكن الرئيس ريغان لم يستطع أن يفرض قراره على مجلس الشيوخ بإعانة دول الكاريبي بـ 370 مليونًا من الدولارات، رفضته لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس، وتاتشر رئيسة وزراء بريطانيا رفض الكونغرس مشروعًا تقدمت به لإعادة عقوبة الإعدام».

  • وحدث عن وسائل الإعلام ولا حرج 

كل الدساتير عندنا تنص على أن الصحافة حرة، ولكن هذه النصوص حبر على ورق كما يقولون، وإذا كانت البرلمانات عندنا أبنية من ورق، فليس بكثير أن تكون حرية الصحافة حبرًا على ورق، بل إن الدساتير نفسها مجرد عبث في الهواء ما تنص عليه من حقوق للحاكم ينالها كاملة غير منقوصة، وما تنص عليه من واجبات على الحاكم، تتحول هذه الواجبات إلى شعارات يهتف ويصفق لها، تمامًا كما تتحول حقوق الشعوب إلى شعارات للاستهلاك ولا أكثر من الاستهلاك. 

وحتى لا تنسى صاحبة الجلالة أو السلطة الرابعة نقول: إننا نخدع أنفسنا حين نتوهم أن لدينا صحافة مادامت هذه الصحافة تلتزم حدودها حين يكون الأمر ماسًا بالآلهة أو أنصاف الآلهة مع كثير من التواضع، منذ شهور كتبت زوجة سفاح لندن رسالة إلى الملكة تشكو مضايقة إحدى الصحف لها حتى لم تعد أعصابها تحتمل مزيدًا من التوتر، كل ما فعلته الملكة أن أرسلت إلى الصحيفة رسالة -بدافع إنساني- ترجو ولا تآمر تشفع ولا تستبد، لم ترفع الصحيفة أيدي القبول والطاعة، بل كتبت تستنكر تدخل الملكة في شؤون الصحافة، واعتبرت شفاعتها ورجاءها اعتداء على حرية الصحافة، بل وهاجمت الصحيفة بعنف سكرتير الملكة واعتبرته غير أمين على وظيفته وهذه هي الصحافة.

  • وخلاصة القول:

إننا نحرث في البحر حين نبحث عن المسؤولية في غيبة الإسلام أو في غربته، ولنتيجة الحتمية لهذه الغربة أو تلك الغيبة: أن أنظمتنا اليوم تتخبط، شأنها شأن المقامر الذي خسر كل ما يملك على مائدة القمار الدب الروسي يلتهم ديارنا، والفيل الأمريكي يفرض إرادته وسلطانه علينا، والخنزير الإسرائيلي يرتع في أرضنا ويخرج لسانه لنا ويسخر منا، أنظمتنا ترفع شعار الإسلام، وهي تدهس الإسلام بأقدامها، وترفع شعار العروبة وهي تمتهن العروبة بسلوكها، والشعوب العربية والإسلامية فرطت في وجودها، ولم تعد قادرة على الدفاع عن عروبتها وإسلامها ولن يكون بعد ذلك إلا الطوفان.

الرابط المختصر :