العنوان «البرق الخلب» في مناطق القبائل الباكستانية
الكاتب حفيظ الرحمن الأعظمي
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 42
الجمعة 11-يونيو-2004
هل سيكون الأجانب الموجودون في مناطق القبائل في مأمن حال تسجيل بياناتهم كما تريد السلطات الباكستانية؟
زعيم عشيرة: نسعى لحل المشكلة سلميًا، ولكن إذا سلطت الحرب علينا فسوف نضحي بأنفسنا.
السلطات الباكستانية تتعامل مع اتفاقية «شكائي» التي وقعتها مع القبائل بسرية تامة حيث لم تعلن عنها ولم يحصل عليها المعنيون.
تقول العرب «برق خلب» في وصف السحاب الذي قد يصحبه رعد وبرق ثم يختفي، دون أن تسقط منه قطرة ماء واحدة، هذا المثل يكاد ينطبق على الوضع في منطقة القبائل بباكستان.
في منتصف شهر أبريل الماضي تقدم الزعيم القبلي ن. محمد الذي يقال إنه يرتبط بعلاقات وطيدة مع حركة طالبان ويؤوى عناصر أجنبية لديه باعتذاره للحكومة. وفي منطقة «شكاني» وقع الطرفان على اتفاقية تضمنت، حسب تصريحات المسؤولين الحكوميين-ضرورة أن يسجل الأجانب الذين يقطنون المنطقة بياناتهم لدى السلطات، أو أن يخرجوا منها طواعية، وأمهلهم حاكم إقليم سرحد حتى ٢٠٠٤/٤/٣٠م. ولما لم يتقدم أحد من الأجانب لتسجيل بياناته لدى الحكومة تم تمديد الموعد.
ووقع على الاتفاقية كل من: مولانا معراج عضو البرلمان الفيدرالي ومولانا عبد المالك وحاكم إقليم سرحد والزعيم القبلي محمد، بالإضافة إلى عدد كبير من عمداء القبائل، ولكن بنود الاتفاقية وحيثياتها لم يتم الإعلان عنها، كما لم يتم تزويد المعنيين بصورة منها، وتضمنت الاتفاقية تحديد شروط التسجيل وما يتعلق بها، ولكن محمد أذهل المراقبين حيث أعلن يوم 13/5/2004م أنه ليس ثمة أي بند في نص الاتفاقية يتضمن ضرورة مراجعة الأجانب للسلطات الباكستانية لتسجيل بياناتهم لديها، وقال إن الاتفاقية نصت على أن يتم تزويد الحكومة بأسماء الأجانب فقط دون ذكر جنسياتهم وبياناتهم الأخرى.
وذكرت أسبوعية «ندائي ملت» (٢٠/5/2004م) أن الحكومة لم تعلن حتى الآن بنود اتفاقية «شكائي» كما أنها لم تزود عمداء القبائل بنسخة منها، حتى إن المفوض الحكومي لم يطلع على بنودها، وإنما تلقى من الحكومة مطلبًا حاسمًا يتضمن ضرورة التوصل للعناصر الأجنبية لتسجيل بياناتها. وقد صرح عظمت الله غندابور الذي يشغل منصب المفوض الحكومي لمنطقة وزيرستان في 20/5/2004م بأنه لم يتسلم نسخة من الاتفاقية ولم يطلع على بنودها أصلًا.
من جانبه يصر الزعيم القبلي محمد على عدم تمكين السلطات من تسجيل الأجانب لأن بياناتهم في رأيه سوف تحصل عليها لاحقًا السلطات الأمريكية،مما يعني أن هذه الخطوة ستكون محملة بالعواصف،وأكد أنه مواطن باكستاني يغار على الوطن ويحرص على مصالحه ولكنه لن يرضى على أن ينال إخوانه في الدين ذل ومهانة أيدي الأمريكان.وأضاف: إن السلطات الأمريكية ارتكبت جريمة بشعة في حق الشعب الباكستاني عندما اقتحمت الحدود أربع مرات.ولم تستنكر الحكومة الباكستانية هذه الجريمة وراحت تلقي باللائمة على العناصر الأجنبية في المنطقة، رغم أنها لم تسبب أي مشكلة للحكومة حتى الآن.
مكيدة أمريكية
وأشار محمد إلى مكيدة أمريكية وهي أنه في حال تمكن السلطات الباكستانية من تسجيل الأجانب سوف تقتحم القوات الأمريكية الحدود، بذريعة أنها تريد دحر الإرهابيين الذين تزخر بهم المنطقة القبلية وتكون حكومة باكستان قد قدمت لها مسوغًا مقبولًا.
وبدوره أكد محمد شاهد الذي يشغل أكبر منصب إداري بالمنطقة القبلية أن أمامه خيارًا واحدًا هو تدشين عملية عسكرية نهائية وحاسمة، فيما إذا شكل محمد وانصاره حجر عثرة في طريق الحكومة وقال: إننا أجرينا أكثر من عشرة لقاءات مع عمداء القبائل، ولا تزال المعضلة قائمة، ونريد أن نتخلص من هذا الملف الذي سبب لنا إحراجات كثيرة.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح:
هل الأجانب الموجودون في المنطقة سيكونون في مأمن حال تسجيلهم؟ الحكومة الباكستانية وعدتهم بذلك على لسان حاكم إقليم سرحد الذي أعلن أن الحكومة تضمن للأجانب الحياة الكريمة في المنطقة وتسهيل السفر لمن يرغبون في العودة إلى بلادهم.ولكن المراقبين المحايدين وكثيرًا من رجال القبائل ينظرون إلى هذه الوعود والضمانات بعين الشك والريبة.
ويقول بازار غول خان الذي يتزعم عشيرة «يارجل خيل» إن الحرب مرفوضة، لا نريد لأبنائنا أن يخرجوا من بيوتهم وديارهم، ليصبحوا مشردين. لذلك ما زلنا نسعى لحل المشكلة عبر الوسائل السلمية، ولكن إذا سلطت الحرب علينا فسوف نضحي بأنفسنا. وعندما سألناه عن العناصر الأجنبية وهل هي تقطن بالفعل في المنطقة؟ قال: بالتأكيد هنالك عدد غير قليل من الأجانب في المنطقة، ولكنا لا نعدهم أجانب، فقد أصبحوا جزءًا من مجتمعنا حيث تربطنا بهم علاقات نسب ومصاهرة، إن أعرافنا تحتم علينا أن ندافع عنهم ولن نقبل المساس بهم.
محمد الذي سطع نجمه مؤخرًا، ويعرف بأكبر مناصر للأجانب. يؤكد وجود عدد كبير من العرب والطاجيك والشيشان في المنطقة، ولكنهم لم يعودوا أجانب حيث ارتبطوا معنا بوشائج النسب والصهر وقال: إن الاتفاقية التي تمت في منطقة «شكائي» تحتم علينا أن نزود الحكومة بأسماء الأجانب ليس إلا، ولكن الحكومة انتهكت الاتفاقية حيث أعدت استمارة مفصلة تتضمن كافة التفاصيل والبيانات عن الشخص المراد تسجيله وكأنه ارتكب جريمة كبيرة أو سعى لقلب نظام الحكم.
ويضيف: أنا مستعد أن أقدم للسلطات قائمة بأسماء هؤلاء، ولكني أرفض بشكل قاطع أن يجبروا على ملء بيانات هذه الاستمارة الطويلة، إن الحكومة تنوي الحصول على بصمات أيديهم، في حين أن هذا الأمر لم يتم الإشارة إليه في اتفاقية «شكائي».
عملية جديدة
ومن جانبها تعد الحكومة العدة لشن عملية عسكرية رابعة يفترض أن تكون الحاسمة والنهائية في المنطقة، فقد أرسلت في 17/5/2004م فيالق من الجيش الباكستاني مع العتاد اللازم إلى منطقة وانا،وتجري هناك مناورات عسكرية وهناك بعض القبائل لا تؤيد الموقف الذي يتبناه ن.محمد وبازار غول،على سبيل المثال فإن عشيرة «قمبر خيل» و«زاخه خيل» و «ثمر خيل» منحازة إلى حد كبير الموقف الحكومة.حيث يقول «ريدي غول» زعيم قبيلة زاحه خيل التي تتمتع بنفوذ كبير وثقل جماهيري ملحوظ إنه لا يوافق على أن تتفجر المنطقة بالبراكين والفتن وقال:يكفينا الأذى الذي تحملناه خلال العمليات العسكرية الثلاث التي أجرتها السلطات الباكستانية في المنطقة والتي من أجلها اضطر نحو ٣٥ ألف نسمة للفرار إلى مناطق أخرى،بحثًا عن الأمن.
وأضاف:نحن نريد أن تتحول المنطقة القبلية إلى واحة أمن وسلام كما كانت ولا نريد أن تكون القلاقل والاضطرابات سيدتي الموقف.وانتقد «ريدي غول» الزعيم المناصر لطالبان ن.محمد انتقادًا لاذعًا،وقال إنه قدم اعتذاره للحكومة ولعمداء القبائل قبل التوقيع على اتفاقية «شكائي» وتعهد بتسهيل مهمة تسجيل الأجانب وهو اليوم يوزع التهديدات ويصدر تصريحات متناقضة.
وفي سياق متصل قال غلام خان زعيم قبيلة قمبر خيل إنه يؤيد الخطوات التي تتخذتها الحكومة، حيث إنها أمهلت الأجانب لغاية شهر أبريل الماضي، فما تقدم أحدهم للتسجيل ثم مددت المدة إلى 7/5/2004م ولم يتقدم أحد أيضًا ثم مددتها إلى غاية 14/5/2004م، مما يعني أن الحكومة تريثت وانتظرت كثيرًا ولكن رد هؤلاء العناصر جاء باردًا،الأمر الذي يعطي الحكومة الحق في اتخاذ أي إجراءات تراها.
في نظر المراقبين هناك ضغوط أمريكية مكثفة تطالب بتصفية من تسميهم الإرهابيين، ولذلك عندما أبرمت الحكومة الباكستانية اتفاقيتها مع رجال القبائل استنكرتها أمريكا، ولكن المتحدث باسم القوات الباكستانية رفض الاستنكار الأمريكي قائلًا: إن أمريكا نفسها تفاوض المحاربين في أفغانستان والعراق، أفلا يسوغ لنا أن نفاوض المناوئين في باكستان إذا كانت المفاوضات تحقق لنا بعض المصالح؟ ورغم أن الموقف الباكستاني يتسم بالعقلانية والاتزان فإن الضغوط الأمريكية لا تزال في ازدياد والنبرة الأمريكية تزداد حدة، وكان رد فعل كرستينا روكا «نائبة وزير الخارجية الأمريكية» على هذه الاتفاقية عنيفًا وقاسيًا، لذلك يتوقع أن تدشن القوات الباكستانية عملية رابعة، رضوخًا للضغوط الأمريكية.
هناك حقيقة أخرى هي أن الحكومة تعاملت مع ملف القبائل بقسوة ولم تدفع حتى الآن تعويضات مادية لـ ١٣ قتيلًا لقوا مصرعهم برصاصات القوات الباكستانية بتهمة انتمائهم للقاعدة، ثم تبين أنهم أناس عاديون مما أثار حفيظة القبائل، فأعلنت الحكومة اعتزامها دفع تعويضات مالية لورثتهم، ولكنها لم تدفع حتى الآن، ومن جهة أخرى حجزت الحكومة رواتب الموظفين الحكوميين من قبيلة أحمد زني بتهمة ضلوع القبيلة في الهجمات التي استهدفت معسكرًا للقوات الباكستانية.
على صعيد آخر أعلن الجيش القبلي الذي شكلته الحكومة للتغلب على الأزمة عن استعداده لشن غارات على البيوت التي يشتبه بوجود الأجانب فيها وتدميرها وتغريم كل من تلبس بجريمة الإيواء مبلغ مليون روبية باكستانية، وقد دمرت بالفعل بعض البيوت في «شكاني».
وأكد مسؤولون في الجيش القبلي أن هذه الغارات سوف تتواصل إلى أن يتم تصفية المنطقة، ولكن جريدة «إسلام» نشرت أنه لم يتم العثور على أي أجنبي في «شكائي» التي كانت المحطة الأولى للغارة القبلية على مأوي الأجانب وملاجتهم، أما الصور التي نشرتها بعض الجرائد ويظهر فيها مسلحون في الزي القبلي وهم يهدمون البيوت فقالت الجريدة نقلًا عمن وصفتهم بشهود عيان إنها مسرحية مفتعلة تهدف إلى ذر الرماد في عيون الشعب الباكستاني الذي لم يعد تنطلي عليه ادعاءات الحكومة.