العنوان لماذا اختار المسلمون في نيجيريا رئيسًا نصرانيًا ؟
الكاتب محمد سالم الصوفي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 110
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 09-مارس-1999
فاز أولو أوبا سانجو بانتخابات الرئاسة في نيجيريا متقدمًا على منافسه أولو فلاي بفارق أصوات يقدر بنحو ثمانية ملايين صوت حسبما أعلن، مع الأخذ في الاعتبار الشكوى من عمليات تزوير وقعت لصالح المرشح الفائز، وقد كان للمتنفذين من الشماليين المسلمين ضد الهوسا والفلاني الدور الأكبر في دعم وتأييد الرئيس المنتخب وإيصاله إلى السلطة برغم كونه نصرانيًا ومن مناطق الجنوب الغربي «اليوربا»، ويعتقد الكثيرون أن الحملة الانتخابية لأوبا سانجو قد مولها أثرياء شماليون على رأسهم الرئيس العسكري السابق إبراهيم بابا نجيدًا.
وبغض النظر عن إمكان نجاح أو فشل التجربة الديمقراطية في أكبر دولة في القارة الإفريقية «120» مليون نسمة، فإن هذه الانتخابات أفرزت مجموعة من الحقائق والمعطيات الأساسية تساعد في فهم واستيعاب المشكلات والقضايا الإفريقية المعقدة، ولعل من أبرزها كون العامل الديني لا يمثل بعدًا رئيسًا في الصراعات القائمة، وأن المسلمين أكثر تسامحًا مما يزعم الغرب حين يفسر كل الصراعات بأنها ناتجة عن تعصب المسلمين.
وهذا ما برهنت عليه الأرقام، ففي مدينة «كانو» عاصمة الشمال النيجيري المدينة الإسلامية العريقة، حصد أوبا سانجو ما يقارب 800 ألف صوت، وهو أكبر رقم سجل من المدن النيجيرية، وحتى تلك التي تسكنها أغلبية نصرانية، وبالمقابل فإن وفاة رجل الأعمال المسلم مسعود أبيولا الذي فاز في انتخابات يونيو 1993م دون أن يستلم السلطة تسببت في أعمال احتجاج واسعة في المناطق ذات الأغلبية النصرانية التي كان يتلقى منها الدعم والتأييد وبخاصة بعد رفض المؤسسة العسكرية في نيجيريا لنتائج الانتخابات التي فاز فيها.
وهكذا تظهر الانتخابات النيجيرية الجديدة طبيعة التعايش الديني في إفريقيا وعدم ارتباطه بالصراعات العديدة التي يقحم العامل الديني فيها، كما هو الحال في مشكلة جنوب السودان، أو البحيرات العظمى، أو في ليبيريا أو سراليون أو غينيا بيساو، فبرغم كونها مناطق ساخنة كلها وتشهد حروبًا دامية، إلا أن العامل الديني غير ظاهر في تلك الحروب مقارنة بالأسباب والعوامل الحقيقية المتعلقة باقتسام السلطة والثروة أو بالظلم والحرمان والتطرف الإثني.
وفي إطار العوامل المؤثرة والتي أوصلت أوبا سانجو إلى سدة الحكم النيجيري لا يمكن إهمال دور المؤسسة العسكرية وذلك من أوجه عديدة، فالانتخابات نفسها غالبًا ما تأتي بقرارات ومراسيم عسكرية، وليست بقوة دستورية طبيعية، ومن جانب آخر، لا يجد المرشح الرئاسي الذي يدعمه الجيش كبير عناء في توفير الشروط التأهيلية للترشح ولا حتى في كسب أرقام قياسية في الاقتراع.
وهذا ما حدث في نيجيريا وفي الجزائر «وقد يتكرر» في العديد من الدول الإفريقية الأخرى.
ولكن ما دور النصارى في الانتخابات النيجيرية، وما درجة التأثير الدولي فيها و مستوى ضغط القوى الأجنبية؟
أغلب النصارى في نيجيريا هم من قبائل الإيبو، وقد هزموا في حرب أهلية ضروس في نهاية الستينيات، مما جعلهم يحجمون عن المبالغة في دخول المعترك السياسي، وأصبحوا متفرجين على صراع بين الغرب والشمال «اليوريا» و«الهوسا».
وبرغم أن نسبة معتبرة من اليوربا هم نصارى، إلا أن أغلبيتهم المسلمة تلعب دورًا حيويًا يغطي على النصارى في مجال الأعمال والمال والإدارات والسياسة.
أما عن دور القوى الأجنبية في نيجيريا، فيؤكد الباحثون والمراقبون أن نيجيريا من الدول المستهدفة بالتقسيم على نحو ما حدث في يوغسلافيا، وذلك حتى لا تلعب دورًا في المنطقة، بما تملكه من إمكانات ومؤهلات، سواء بالنسبة للإمكانات البشرية «أكثر من مائة مليون نسمة»، أو الإمكانات الاقتصادية حيث تعتبر خامس مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة «مليونا برميل يوميًا»، بالإضافة إلى الإنتاج الزراعي الهائل والطاقة المائية والكهربائية والموارد المعدنية.
كما يشير المراقبون إلى توسع الجهود الصهيونية في نيجيريا ضمن الدور الإسرائيلي المشبوه، والذي برزت ملامحه في أكثر من موقع وكانت له صلة مباشرة بالقلاقل التي حدثت بين المسلمين والنصارى في بداية التسعينيات في مدينة «لاجوس» و«أبادات» في غرب البلاد.
وإلى أن يستلم أوبا سانجو الحكم في نهاية شهر مايو القادم - ليتضح دوره وإمكاناته في معالجة إرث ضخم من الفساد والانهيار على كل المستويات - فستبقى كل الاحتمالات واردة مع غياب وعي استراتيجي ناضج لدي المسلمين في بلاد هيمنوا على قيادتها قرونًا متتالية .