; ملاحظات حول واقع مصر السياسي ومستقبلها | مجلة المجتمع

العنوان ملاحظات حول واقع مصر السياسي ومستقبلها

الكاتب سيد دسوقي حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1343

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 23-مارس-1999

  • وجود الحركات الإصلاحية ضرورة حضارية.. وهي فرض كفاية على الأمة تأثم إن لم يقم على هذا الأمر منها قائم.
  • العمل الأهلي هو الأصل... والدولة هي المنسقة والمراقبة والباعثة عليه أحيانًا.

هناك شهادتان سائدتان: شهادة تقول إن الهيكل السياسي المصري يمكن تلخيصه في حكم الفرد... صلح هذا الفرد أو استبد، وشهادة تقول: إن مصر يحكمها نظام ديمقراطي، وتعيش على تعددية سياسية.

أما شهادتنا فتتلخص في أن القرار في مصر طيف متعدد الألوان، وأن في مصر مجموعة من المؤسسات الحاكمة- فعليًا- تنتهي في قمتها برئيس الجمهورية، ومعظم- وليس كل- العاملين في هذه المؤسسات يصعدون فيها بما اكتسبوا من مهارات في تخصصاتهم المختلفة، وما تواتر عنهم من سمعة.

وفي داخل هذه المؤسسات هناك مجالس تحكمها الشورى- بشكلها- في عملها، ولا يمكن فرض القرار عليها من خارجها وبرغم أنف أصحابها ، بل إن كثيرًا من الناس عندما يريدون أن تمضي الأمور وفق أهوائهم، يشكون من صرامة هذه المجالس، ويلعنون رفيق الوطنية المصرية السيد «الروتين»،صحيح أن هذا السيد كثيرًا ما نشقى به، ولكنه من أدواتنا الحضارية التي تؤدي دورًا لا يمكن إنكاره في حفظ القرار بعيدًا عن أهواء الناس في الداخل والخارج.

ومؤسسات الرئاسة تؤثر في هذه المؤسسات بطرق إدارية متعددة، وأهمها طريق اختيار القيادات، وهذا الطريق يؤثر تأثيرًا بطيئًا في عمل المؤسسة المعنية، وأحيانًا ترى السلطة أنها لن تنتظر هذا التأثير البطيء، فربما أنشأت مؤسسات بديلة، وتركت الأخرى للزمن يهلكها بالموت البطيء.

والحزب الوطني ليس حزبًا على غرار الأحزاب الغربية، وإنما هو مؤسسة من مؤسسات الدولة، مؤسسة تجمع فيها رصيدًا شعبيًا تصنع منه برلمانها ومهرجاناتها، ولذلك لم يستجب الرئيس مبارك للنداءات الكثيرة التي الحت عليه ألا يرأس الحزب الوطني، ويصبح رئيسًا لكل الأحزاب المصرية، فالرجل يدرك تمامًا وضع الحزب في الدولة وأوضاع الأحزاب الأخرى.

حين فكرت الدولة في التعددية في أيام الرئيس السادات- عليه رحمة الله- لم تفكر فيها بالطريقة الغربية، وإنما أرادت أن تكون هناك مجموعة من المنابر يتحاور في أروقتها مثقفو الأمة؛ حتى تستفيد الدولة بهذا الحوار، ويثري توجهاتها السياسية.

ثم شاءت الدولة في عهد الرئيس مبارك أن تجعل بعض هذا الحوار داخل البرلمان؛ فسمحت بنسبة تدخل البرلمان، وأطلقت العنان للتنافس الحر في النقابات ونوادي التدريس؛ وهذه وتلك معاقل للمهنيين والمثقفين، وكان نصيب حركة الإخوان المسلمين «التي لا تتمتع بحزب رسمي» نصيب الأسد، حيث حصدت جل مقاعد السباق المرسوم.

وبدا لحركة الإخوان ومن حولها من الأحزاب أنهم في سباق حر للوصول إلى سدة الحكم، ولم يقرؤوا رسالة الدولة لهم بالطريقة التي أرادتها لهم، ولقد كان للرئيس مبارك تصريحان مهمان لم تصغ لهما أفئدة شيوخ الحركة وشبابها في حديثه مع مراسل «الفاينانشيال تايمز» قال الرئيس: «انضممت للإخوان المسلمين وأنا شاب صغير، وكان في قريتنا رجل صالح يعلمنا الأخلاق الحميدة والقيم الرفيعة والمبادئ السامية، ثم تركتهم بعد ذلك عندما رأيتهم يتوجهون للسياسة»، فالرجل يرسل رسالة في منتهى الدقة للحركة الإسلامية، حيث يؤكد أن دورهم في خلق جيل يتمتع بالأخلاق الحميدة والقيم الرفيعة والمبادئ السامية هو الدور المطلوب، وأما السياسة فلها مسالك أخرى، وهو نفسه الذي تركهم من أجل انشغالهم كحركة إسلامية بالسياسة وضعه الله في أعلى منصب سياسي في الدولة، جاءه ذلك من خلال القنوات الواقعية التي ارتضتها الدولة المصرية لنفسها في صناعة قادتها وزعمائها، أي جاءته من خلال عصبية الدولة، وليس من خلال عصبية المجتمع.

وأما التصريح الثاني فكان أيضًا لصحفي لبناني أثناء الانتخابات الأخيرة، حيث قال: «إنه لا مانع لديه أن يدخل الإخوان المسلمون كأفراد الانتخابات، ولكن ليس كتنظيم أو جماعة»، والعجيب أن هذا كان رأي الإمام الشهيد حسن البنا في الأربعينيات كما نقله لي الباحث النابه الدكتور إبراهيم البيومي غانم.

على كل حال قررت الدولة في وقت لاحق عندما بدا لها أن الأمر قد تجاوز خطوطها الحمراء أن توقف التجربة تمامًا سواء في عالم السياسة، أو في العمل الأهلي في النقابات والنوادي، بدا لها أن توقفها حتى حين، وكل ما حدث من تشريعات نقابية، ومن محاكمات عسكرية، ومن تدخلات أمنية يقع في إطار خوف الدولة من أن تفلت الأمور من الحدود المرسومة، وخاصة في ظل حصار دولي يتربص بمصر من كل جانب.

وأنا مع الدولة في أن التغييرات الهيكلية في نظام الحكم ينبغي أن تكون وفق استراتيجية بعيدة المدى، وأن تتم تدريجيًا وبمعدل مناسب يضع نصب أعيننا المخاطر المحدقة بنا من كل جانب، وهذا أمر شديد الأهمية، وقد تعرض له المستشار طارق البشري في كتابه القيم «ماهية المعاصرة»، حيث يذكر أن السلطان محمود الثاني استطاع أن يقضي على الانكشارية التي كانت تمثل الهيكل العسكري العثماني، وقضي معها على فرق البكتاشية الصوفية، والتي كانت تمثل الرصيد الشعبي والديني للانكشارية في الدولة العثمانية، ولكن ترتب على ذلك في خمس السنوات التالية أن استولت روسيا على العديد من المناطق والأقاليم، وأجبرت السلطان على توقيع صلح أكرمان في عام ١٨٢٦م، كما أجبرته في عام ۱۸۲۹م على توقيع اتفاق تنفتح به الدولة العثمانية أمام الروس- ناحيتي القوقاز والدانوب- هذا كله من الشمال، وفي عام ۱۸۲٧م وقعت كارثة نفارين باليونان، وتحقق بها ضرب القوة البحرية للدولة العثمانية، واضطر السلطان لقبول طلبات الأوربيين بشأن استقلال اليونان، هذا من جهة الغرب.

وبدأ محمد علي حملته على الشام في عام ۱۸۳۰م، واستطاع أن يستخلص أرض الشام لنفسه من السلطان من جهة الجنوب، وأعلن داود باشا والي العراق العصيان في سنة ١٨٣٠م من جهة الشرق، واحتلت فرنسا الجزائر في سنة ١٨٣٠، وفضلًا عن ذلك فإن ضرب الانكشارية والبكتاشية- حسبما يذكر مؤرخون أوربيون- أزال الحواجز امام دخول الخبراء الأوربيين، واتصالهم الحر لإحداث تغيير جذري في الدولة. ويستطرد الأستاذ طارق معلقًا: «هذا مثل واضح لما يمكن أن يترتب على إجراء أريد به الإصلاح، وضرب ما يعتبر قديمًا باليًا، ويقف عقبة في وجه الإصلاح؛ لأنه ترتب عليه صدع في بنية الدولة أو المجتمع، وخاصة أن الإصلاح كان يتم «تحت خط النار».

وليس تدمير القديم مما يفضي تلقائيًا إلى فتح الطريق للإصلاح والنهوض المرجوين، ولا إدخال نموذج إصلاحي، مما يفضي حتمًا إلى ذلك، وتظل العبرة في فاعلية الإجراء المتخذ بقياس أثره في السياق السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي القائم»«طارق البشري- ماهية المعاصرة».

ومنهج التدرج في إحداث تغييرات هيكلية في المجتمع سواء في عالم السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد، هو من السنن الحضارية التي نتعلمها من القرآن الكريم، ومن التطبيق الراشد له في عهد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وكما كتبت في مقال سابق: إن الحفاظ على الهياكل الحضارية في الدولة هو من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو عندي مقدم على المقاصد الخمسة الشهيرة للشريعة، وبخاصة في عصرنا الحاضر؛ لأنه بدون تحقيق هذاالمقصد لن تستطيع الحفاظ على المقاصد الأخرى».

والآن وقد فصلت شهادتي عن الواقع المصري كما تصورته وفقهته، فما الحل للخروج من هذا الكهف؟

أما الخروج الاستراتيجي مما نحن فيه فيحتاج إلى نظر بصير وبحوث متعددة، ولقد أدليت بدلوي في ورقة نشرت في بعض المجلات العربية وكذلك في كتابي: «دراسة قرآنية في فقه التجديد الحضاري»، وكان عنوان الورقة «اقتراح لهيكل شورى تشريعي في الدولة: نموذج لمنهج تفكير إسلامي»،أما الخروج الآني في ظل القيود الداخلية والخارجية، والتي نرجو أن تتجاوزها بسرعة نحو الهدف الهيكلي الشوري الاستراتيجي.. أما هذا الخروج الآني فنقترحه في مجموعة من الإصلاحات الجزئية البسيطة التي تمثل أقل ما يطمح إليه كل وطني مخلص.. هذا أو الطوفان، وبيان ذلك فيما يلي:

أولاً : في ميدان العمل السياسي

التقسيمة الحالية للعمل السياسي بين حزب الدولة «الشهير بالحزب الوطني» وأحزاب المعارضة تقسيمة ضيزى، فالحزب الوطني يتحرك في كل مراكب الدولة، ويحتكر كل أجهزة المعلومات، وفي المقابل لا تملك أحزاب المعارضة الحقيقية منها والوهمية مصادر للمعلومات، فهي أحزاب بلا شعبية، فقيرة شبه معدمة، فمن أين لها أن تنفق على الحصول على المعلومات ودراستها؟ وفي ظل غياب المعلومات تبدو الآراء مسطحة ومتخلفة وعبيطة.

ولذلك أقترح أن نعود إلى فكرة المنابر داخل حزب الدولة، وننسى فكرة الأحزاب السياسية التي تقوم بدور المعارضة في الديمقراطية الغربية، ذلك حتى يتاح لكل المهتمين بالعمل السياسي نفس الإمكانات التي يتيحها حزب الدولة لأعضائه، وكذلك حتى تخاطب هذه المنابر نفس الجمهور الذي يخاطبه المتنفذون في حزب الدولة. وكل ذلك يحتاج إلى تصميم برنامج للتعايش السلمي والبناء لكل المنابر داخل حزب الدولة،أما تغيير هذا الهيكل إلى هيكل مختلف، فكما أسلفنا يحتاج تصورًا مستقبليًا وتغييرًا تدريجيًا، ولقد وضعت تصورًا لهذا في كتابي «دراسة قرآنية في فقه التجديد الحضاري»، وهو تصور مقترح قد يأتي غيري بخير منه.

ثانيًا: في ميدان العمل الإسلامي الجماهيري

نتيجة حتمية للهواجس السياسية عند الدولة فقد سعت أجهزتها لمجموعة من الإجراءات القاسية التي نالت من حرية العمل الإسلامي، بل وتجاوزت الخطوط الحضارية الحمراء، وأصابت الكثيرين بالحيرة، حيث خلطت الدولة الحابل بالنابل، واستغل فريق من الإعلاميين- من بقايا الحركات الفاشلة اجتماعيًا- الفرصة، وضربوا في كل الجبهات الإسلامية، حتى وصلوا إلى الصحابة وإلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأصبح الكل إرهابيًا عند هؤلاء، بل وأصبح التدين قرين الإرهاب في كثير من معروضات إعلامنًا.

والسؤال الأول في هذا الأمر:

هل نحن في حاجة إلى حركات إصلاحية جماهيرية تحمل الفكرة الإسلامية في نقائها وصفائها وتدرب الناس عليها عقيدة وقيمًا وسلوكًا؟ وتحمل هذه الحركات عن كاهل الدولة هذا العبء التربوي الثقيل، وتسهم مع البيت والمدرسة والوسائل الإعلامية الرسمية والمؤسسات الدينية في خلق جيل جديد، يحمل أشواق الأمة في مستقبل طيب بإذن الله؟! أم أن نترك الأمر لغيرنا يدرب أولادنا وشبابنا على ما يريد؟

تجربتي في خلال الخمسين عامًا التي وعيتها تؤكد الضرورة الحضارية لوجود هذه الحركات الإصلاحية، وتجعلها فرض كفاية على الأمة، تأثم إن لم يقم على هذا الأمر منها قائم.

وأنا لست واثقًا من أن إجابتي هذه محل إجماع داخل المتنفذين في الدولة، ولذلك فلابد لمفكري الأمة من أن يبذلوا جهدًا مضاعفًا في حوار مع هؤلاء المتنفذين لأهمية وجود هذه الحركات الإصلاحية التربوية، ولا تحسبن الدولة أنها- وقد جمدت نشاط معظم هذه الحركات- ستنعم بهدوء طويل المدى، فربما لو استمرت الدولة على موقفها المانع، فلسوف يأتي يوم تتحسر فيه على ما قدمت يداها في حق الأمة، عندما ترى الآثار المدمرة لغياب مثل هذه الحركات الإصلاحية التي تقوم بدور الحضانة التربوية لأجيال اليوم وأجيال الغد.

إن دور الدولة ينبغي أن يتلخص في ثلاثة أمور: التوثيق- السماح- المتابعة.

أما التوثيق فينبغي أن تنشئ له الدولة جهازًا من الحكماء، يتأكد من المناهج والوسائل والرجال الذين يقومون على هذه المناهج، وذلك لأن بعض التوجهات الموجودة في الساحة الآن تمثل ألغامًا ثقافية، يمكن أن تنفجر في الأمة في وقت لاحق.

وأنا تدربت عقيديًا وسلوكيًا في مدرسة الإخوان المسلمين، وأشهد كما شهد لها الرئيس مبارك أننا تعلمنا من خلالها الأخلاق الحميدة والقيم الرفيعة والمبادئ السامية.

وأنا مع الرئيس مبارك أنه ينبغي لهذه المدرسة أن تتفرغ لمهام التربية الضخمة، وتدع العمل السياسي جملة وتفصيلًا، وأنا أعلم أن كثيرًا من رجالات الدولة يعتبرون فهم الأستاذ البنا للإسلام هو الفهم الوسطي الذي ينبغي أن يسود في الأمة، من أجل ذلك وحتى لا يظل هذا التوتر قائمًا لا ينتهي حتى يبدأ، ينبغي على الحركة أن تفهم أن شمولية الفكرة الإسلامية لا تستدعي فكرة شمولية الحركة، حسب حركة الإخوان أن تركز على التربية، وتترك خريجيها يتفاعلون مع مؤسسات دولتهم في حرية مطلقة، لا يربطهم بمدرستهم التربوية إلا العقائد والقيم والسلوك الذي تربوا عليه، ولتنظر إلى الواقع، فلو ظل في صفوفها كل الذين تربوا فيها ما رأينا كثيرًا منهم يحتلون أماكن قيادية هنا وهناك، ولما رأينا رئيسًا لم ينضم يومًا إلى أجهزتها الخاصة «كما انضم رئيسان سابقان» يشهد لمناهجها بهذه الكلمات النورانية.

وأعتقد أن تركيز حركة الإخوان ومن شابهها على الإعداد التربوي للأمة سوف يكون محل إجماع من الغيورين على مستقبل هذه الأمة، وبالطبع ستشمل هذه التربية إعدادًا تنمويًا للشباب، كما كنا تفعل في أوائل الخمسينيات في القرى، حيث نقيم المستشفيات، ونضيء الشوارع، ونفتح المدارس، ونحمل الكل، ونعين الناس على نوائب الدهر.

كذلك لا بد من أن تتكامل هذه الحركات الإصلاحية مع جهد الدولة وإمكاناتها في مجال الشباب، ولا تدخل في صراع وتنافس واقتتال، ولتكن كما قال الأستاذ البنا: «روحًا جديدة تسري في كيان الأمة فتحييها بالقرآن».

ومن أجل أن تخلص الحركة الإسلامية لمهمتها التربوية ينبغي أن تتخلص من كثير من عوائقها التنظيمية في الداخل والخارج، وترفع عن كاهلها كثيرًا من المهام التي شقيت بها في العقود الأخيرة، وتفيض فيها من حيث أفاض الناس... والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.. والضغط المتصل يقتل الرجال.…

ثالثًا: في ميدان العمل النقابي

ينبغي أن يصبح العمل في النقابات عملًا مهنيًا اجتماعيًا، يخدم المهنة ومجتمعها، ومن ثم ينبغي أن ترفع الدولة والجماعات المختلفة يدها عن هذه النقابات إلا قليلًا.

والقليل بالنسبة للدولة ألا تلاحقها بالتشريعات التي تقيدها وتهدمها.

أما القليل بالنسبة للجماعات الإصلاحية فهو في توعية الذين تربوا في مدارسها بأهمية العمل التطوعي في كل أبواب الخير، ومنها العمل على خدمة أهل المهنة والرقي بالمهنة نفسها.

ولتعظيم إقبال المهنيين على المشاركة في انتخاب من يمثلهم، ينبغي أن يحرص المشرفون على هذه العملية أن يوفروا مقار انتخابية في كل المواقع التي يتواجد فيها المهنيون بكثرة، وأن تتمتع هذه العمليات الانتخابية بشفافية واضحة للجميع.

وأعتقد أنه قد حان الوقت الآن لتصحيح الأوضاع في النقابات المهنية، واستئناف نشاطها في الحياة المصرية، ويمكن للدولة أن تختار مجموعة من المهنيين المشهود لهم في مجتمعاتهم المهنية، وتعهد إليهم بالنظر الدائم فيما يصلح أمر النقابات، ولعل ذلكيكون مجلسًا جديدًا من النقابات من مجالس الدولة القومية، فتضمن بذلك التعاون المثمر بعيدًا عنالصدام المدمر الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من بؤس نقابي مهنيًا واجتماعيًا.

رابعًا: نوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات

يبدو أن الدولة في ضيقها بأصوات العباد استمرأت إدخال أصابعها في آذانها، وشجعها أدب الناس وحرصهم على النظام أن تزداد في إعراضها، والنأي بجانبها، فمضت في تجميدها لأنشطة نوادي هيئات التدريس بالجامعات، وتجاوزت في ذلك كل الخطوط الوطنية الحمراء والزرقاء والبنفسجية.

فما الذي تخافه الدولة من مجتمع الأساتذة؟ إنه مجتمع صغير عددًا، راسخ ثقافة وعلمًا، وحواراته سوف تثري الحياة الثقافية والسياسية في الدولة، ولو تحرك كل مجتمع الأساتذة في مظاهرة لكفتهم سيارتان من الأمن المركزي لتفض عقدتهم وتعيدهم إلى مكاتبهم.

ما الذي يخيف الدولة من نوادي أعضاء هيئة التدريس؟.. أم أن الطغيان يغري بالطغيان؟.. أم أن الإنسان ما يزال يطغى ويطغى حتى يكتب عند الله فرعونًا؟ ..

على الدولة أن ترفع يديها ورجليها عن كل نوادي الهيئات في الدولة، وتدع الناس يتنفسون ويتهامسون، ويصرخون ويستصرخون، ويمارسون راشد الفكر وجانحه، ما دام الأمر داخل النوادي ولم يتعدَّها.. وهي المستفيدة أخيرًا من حصيلة هذا التفاعل الفكري، وعليها أن تستخرج منه الخير للأمة.

خامسًا: طلاب الجامعات

وكما فعلت الدولة مع النوادي مارست أعمالًا شاذة مع طلاب الجامعة، أنا أستاذ جامعي أرقب الحياة الجامعية أساتذة وطلابًا، ولقد عشت في الغرب والعالم العربي طالبًا وأستاذًا، ويعلم الله كم كنت فخورًا بالمجتمع الطلابي في جامعاتنا إذا ما قارنته بكل ما رأيت من قبل، ولكن الدولة في تجميدها لكل ما يذكرها بتقصيرها- حقًا أو باطلًا- استهانت بمحاضن الوطنية والحضارة في المعاهد والجامعات، وأطلقت عليهم جحافل القوى الأمنية؛ فجعلت الحياة الجامعية قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا.

في منتصف الثمانينيات عندما كنت رئيسًا لقسم هندسة الطيران والفضاء، اتصل بي عميد الكلية الأستاذ الدكتور أحمد عزيز كمال لأحضر معه احتفال اتحاد طلاب كلية الهندسة بأوائل دفعات العام الماضي، وطلب مني أن أتحدث في الحفل، ولما ذهبت إلى الحفل، وجدت عددًا قليلًا من الطلاب، وبعد نهاية الحفل دعاني العميد ووكيله في ذلك الوقت «رئيس الجامعة الحالي» لنشرب القهوة في مكتبه، وكان الدكتور أحمد متأثرًا من موقف الاتحاد الذي لم يحسن إعداد الحفل كما ينبغي، ولكنه حمد الله أن رئيس الجامعة لم يحضر، واعتذر لأسباب قاهرة، ثم أفهمني الدكتور العميد مسلك الاتحاد في هذا الحفل، ويتلخص في أن الاتحاد طلب من العميد أن يسمح بدعوة شخصية دعوية من خارج الجامعة، فرفض العميد، واقترح عليهم أن أكون أنا البديل، فقبلوا، ولكنهم حجموا الحفل تحجيمًا كبيرًا.. أذكر أنني قلت للعميد يومها: أسألك سؤالًا: ما حجم تعاطي المخدرات في هندسة القاهرة، إذا ما قارنته بجامعة هارفارد أو ستانفورد في أمريكا؟ قال: قليل جدًا، قلت: إن ما يقوم به هؤلاء الطلاب من أنشطة دعوية وسلوكية ودراسية يغفر لهم هذه المناوشات البسيطة، وماذا لو كنت تركتهم ليدعوا ضيفهم، ويستأنسوا به ما دام ذلك كله تحت بصرنا وبين أيدينا؟ 

أعتقد أن تحجيم العمل الطلابي في الجامعة جريمة وطنية تشترك فيها الغفلة، والوهم، والتقدير السيئ للأمور، وضعف الإدارة الجامعية وهزالها، ارفعوا أيديكم تمامًا عن العمل الطلابي، ودعونا تحاول تهذيبه وترشيده.. أم أنكم وحدكم أولو النهي؟...

سادسًا: حول العمل الأهلي ومانعي الماعون

الأصل في الأشياء أن تقوم الدولة بدور العقل، ويقوم الناس بدور الأعضاء، وعندما تحاول الدولة أن تقوم بدور العقل والجوارح، ولا تدع الناس يبدعون حياتهم بأنفسهم، عندما تحاول ذلك تكون قد أهلكت نفسها وشعبها، العمل الأهلي هو الأصل، والدولة هي المنسقة والمراقبة والباعثة عليه أحيانًا، والدولة بقوانينها وهواجسها وعقدها تحول بين الناس، وبين الانطلاق في الخيرات.

اسألوا عن قوانين الوقف الحالية وكيف أدت بالناس ألا يوقفوا، لقد كان الوقف من الآليات العظيمة للحضارة الإسلامية، ولكن الدولة في صعودها نحو المركزية الغليظة، وبعد شهرين فقط من قيام ثورة ٢٣ يوليو سنت مجموعة من القوانين التي كانت محصلتها أن توقف الناس عن الوقف، والخديوي إسماعيل الذي ارتبط في عقولنا بالديون قرأت وثيقة آخر وقف أوقفه وهو في اسطنبول على مدرسة ومستشفى ومكاتب لتحفيظ القرآن، يقول فيها: «وهذا آخر سهم مال عندي، ولم يبق لي من حطام الدنيا الزائل إلا ملابسي التي أستر بها جسدي»، وابنته فاطمة إسماعيل أوقفت الأرض التي عليها جامعة القاهرة الآن، وباعت حليها مساهمة منها في إنشاء الجامعة، سيقول السفهاء من الناس هي أموالنا ردت إلينا، ونقول نحن لهم فأعيدوا أنتم ما سرقتم، وما نهبتم، وسنصنع لكم مصانع لعلكم تخلدون..

إن إطلاق قوي الخير في الأمة هو عمل يقاس به أداء الدولة خيرًا أو شرًا، وكما كتبت مرة «إن التنمية يجب أن تكون من وجهة نظر الدولة هي التخلية بين الإنسان وترابه الوطني؛ ليتفاعل معه في ظل عقيدة وشريعة ونظام، ليصنع لنفسه وبنفسه مسكنه ومطعمه ومشربه، وكل احتياجاته في هذه الدنيا في حرية يتطلبها وجوده الإنساني».

وكل نظام يمنع الماعون هو نظام في النار، حتى لو زخرف الكلام، ووقف في المحراب راكعًا ساجدًا.

ومهمة الدولة هي حث الناس على «بذل الماعون» ليس فقط بالتشجيع اللفظي، وإنما بالتشريع المشجع، ويتيسير البنية الإدارية القادرة على أن تضم في رحابها كل عمل أهلي بناء، ونظن أن هذا من نواحي النقص الشديد في نظامنا الاجتماعي، وهي أولى الأمور بالمراجعة الفورية.

وأخيرًا.. فقد رجوت بهذه الخواطر تهدئة العلاقة المتوترة بين الدولة المركزية،
 وبين بعض الشعب في منظومة الإصلاح المتعددة، وأردد مع الإمام مالك قول الله تعالى: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية:32)

مراجع الدراسة

  1. طارق البشري ماهية المعاصرة، دار الشروق.
  2. محمد الطويل، كيف يصنع القرار في مصر، مدبوليالصغير.
  3.  د. سید دسوقي حسن، مقدمات جديدة في مشاريع البعث الحضاري، نقابة المهندسين.
  4. د. سيد دسوقي حسن، ملاحظات حول الحركة الإسلامية وعلاقتها بالدولة، مجلة الأمة الأردنية، مايو ٩٦.
  5. د. سيد دسوقي حسن، ملاحظات حول دور الحركة الإسلامية وما يخرج عنها من جماعات حضارية «بحث غير منشور، قدمه الكاتب لفضيلة الأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين».
  6. د. سيد دسوقي حسن، دراسة قرانية حول فقه التجدد الحضاري، دار النهضة المصرية.

شعاراتنا بين المبدأ والتطبيق

القرآن دستورنا

بقلم: د. فتحي يكن

من شعارات الحركة الإسلامية المعاصرة شعار «القرآن دستورنا» الذي يحدد أن دستور الحركة في كل مساراتها وخطواتها هو القرآن الكريم.

وإذا كان الدستور- لغة- القاعدة التي يعمل بمقتضاها، فإن هذا يعني أن القرآن الكريم- الذي هو دستور الحركة الإسلامية- هو القاعدة المعتمدة التي يرجع إليها العاملون للإسلام، مهتدين بهديه، مطبقين لأحكامه، مؤمنين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء:9).

  • ففي نطاق الأخلاق يتذكرون قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾  (القلم:4)، كما يتذكرون قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» واقفين عند قولة عائشة- رضي الله عنها- وهي تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول: «كان خلقه القرآن».
  • وفي نطاق الدعوة يلتزمون بقوله تعالي: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: ١٢٥).
  • وفي نطاق الأسرة لا ينسون قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾  (التحريم:6).
  • وفي حمأة الحياة ومفاتنها يذكرون قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (التوبة:24)،  وقوله: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾         (العنكبوت: ٦٤).
  •  وفي ميدان العمل الحركي يتشبثونبقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف:110).
  • وفي غمرات النشاط السياسي والاجتماعي لا يحيدون عن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوه  (الأنعام:135).
  • وفي نطاق ما يقع من خلاف، وينشب من صراع، ينزلون عند قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء:65).

وعلى هذا المنوال يجب أن يلتزم الإسلاميون ميدانيًا بشعار «القرآن دستورنا»،وأن يعملوا على ترجمته في واقع حياتهم الخاصة والعامة، الفردية والجماعية والتنظيمية. ثم إن العاملين في الحقل الإسلامي يجب أن يدركوا أنهم بالتزامهم- بدستورهم- يكونون الأكثر سدادًا ورشادًا وتوفيقًا، وهذا مناط قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ  يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(المائدة: 15-16)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض» «رواه الحاكم».

  •  وأن القرآن قوة لمن يتلوه، وعزة لمن يدعو إليه مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «حامل القرآن حامل راية الإسلام، من أكرمه فقد أكرمه الله، ومن أهانه فعليه لعنة الله»، «مسند الفردوس». 
  • وأنه شفيع مشفع يوم القيامة لقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» «رواه مسلم».

ثم إن على الأمة الإسلامية أن تدرك أن القرآن الكريم هو سبيل سعادتها في دنياها وأخراها، وطريق خروجها من مشكلاتها وشقائها، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الأمة مفتونة بعدك، فقلت له: فما المخرج يا جبريل؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو قول فصل، ليس بالهزل، إن هذا القرآن لا يليه من جبار ويعمل بغيره، إلا قصمه الله، ولا يبتغي علمًا سواء إلا أضله الله، ولا يخلق عن رده، وهو الذي لا تفنى عجائبه، من يقل به يصدق، ومن يحكم به يعدل، ومن يعمل به يؤجر، ومن يقسم به يقسط» «رواه الإمام أحمد».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2062

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

193

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟