; فيض الإيمان قبل فيض اللسان | مجلة المجتمع

العنوان فيض الإيمان قبل فيض اللسان

الكاتب حجازي إبراهيم

تاريخ النشر الجمعة 07-سبتمبر-2012

مشاهدات 71

نشر في العدد 2017

نشر في الصفحة 54

الجمعة 07-سبتمبر-2012

الكليات الشرعية حرصت على تزويد طلابها بالزاد العلمي وأهملت الشق الروحي

من الناس من هو عالم باللسان جاهل القلب ومن مثل هذا ينبغي الحذر.. فالعبرة بالمعاني دون القوالب والأواني

الدعاة الصادقون يجمعون بين الحسنيين.. لسان بيان ولغة فصيحة وقلب مخبت خاشع

لقد حرصت الجامعات والمعاهد العلمية في أصول الدين والشريعة والدعوة والدعاة على أن تزود طلابها بالزاد العلمي الذي يعينها على الحديث إلى الناس ودعوتهم إلى الطاعة وتحذيرهم من المعصية، لكنها في نفس الوقت أهملت الشق الروحي في حياة الداعية، فإذا بها تخرج دعاة البعض منهم طلق اللسان فصيح البيان قليل الإيمان، والكثير فاقد للسلاحين فيض الإيمان، وفصاحة اللسان.

وترتب على ذلك أن ملئت المساجد بدعاة يحتاجون إلى من يدعوهم إلى الإيمان بشرف رسالتهم، والاعتزاز بها، والتيقن على أنها رسالة لا وظيفة.

إن ذلك لو حدث لكان للأمة شأن عظيم، وفي ذاك يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله: إن تكوين الدعاة يعني تكوين الأمم، فالأمم العظيمة ليست إلا صناعة حسنة لنفر من الدعاة الموهوبين وآثر الرجل العبقري فيمن حوله كأثر المطر في الأرض الموات، وأثر الشعاع في المكان المظلم.. إن الداعية المخلص يصنع العجائب في النفوس، ويستطيع أن يجمع المتفرق ويعلم الجهول، ويقرب البعيد، ويلمس بجهده الساحر ما حوله، فإذا هو يسوقه صوب ما يريد... وما أمر الرسل جميعا منا ببعيد فيهم تكونت الأمم، وما الدعوات الإصلاحية

في تاريخ الإسلام عنا ببعيد، وهل كانت إلا نتاج أفراد حيت بالإسلام، فأحيت الأمة من موات، وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿ ومن أَحْسَنُ قَوْلاً كَمَن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنني من المسلمين (۳۳)﴾ (فصلت)؛ يقول الحسن البصري: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله هذا صفوة الله هذا خيرة الله هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله».

ويقول قتادة: «هذا عبد صدق قوله وعمله، ومولجه ومخرجه وسره وعلانيته ومشهده ومغيبه».

صدق وإخلاص

وبتكوين الدعاة المخلصين الصادقين تعمر المساجد بالرجال المخلصين الصادقين ويتكاثرون ويتناسلون، ويستبدل الله بهم غثاء الأمة الذين أردوها في الضلال، والحقوا بها الخزي والعار، وبهذا الاستبدال يتحقق للأمة عزها، وتصعد مراقي مجدها التليد ويتقدمون إلى العالم بالدواء الناجع لكل ما نزل بها من أمراض، وحل بها من مشكلات وبذلك نكون رحمة للعالمين كما أراد الله لهذه الأمة، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صراط العزيز الحميد (1) ﴾ (إبراهيم) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء)، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كافة للناس بشيرًا وَنَذِيرًا وَلَكن أَكْثَرَ الناس لا يَعْلَمُونَ (٢٨) ﴾ (سبأ).

كسوة الكلام

كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز».. هذه الجملة من حكم ابن عطاء الله، وإن لها لدلالات يجب أن يفطن لها الدعاة إلى الله الذين يرشدون الخلق إلى خالقهم، ويعرفونهم على طريق الهدى، الذي جاءنا به الرسول ، وليعلم هؤلاء الدعاة أنهم بقدر ما يتمكن الإيمان في قلوبهم بقدر ما يكون تأثير حديثهم في هداية الناس وإرشادهم، ولقد جاء في الحكم أيضاً : تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير.

وعلامة الكلام الذي يسبقه التنوير، هو تأثيره في القلوب وتهييجه الأرواح، وتشويقه الأسرار، فإذا سمعه الغافل تنبه، وإذا سمعه العاصي انزجر، وإذا سمعه الطائع زاد نشاطه، وعظم شوقه، وإذا سمعه السائر طوى عنه تعب سيره، وإذا سمعه الواصل تمكن من حاله، فالكلام صفة المتكلم، فإذا كان المتكلم ذا تنوير وقع في قلوب السامعين وإذا كان ذا تكدير فحد كلامه آذان المستمعين فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز، ولذلك قال سيدنا علي ة : من تكلم عرفناه من ساعته، ومن لم يتكلم عرفناه من يومه.

نجم ثاقب، وقيل: الناس حوانيت مغلقة، فإذا تكلموا فقد فتحوا، وهناك يتبين البيطار من العطار.

وقالوا أيضاً : الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حده الآذان، وإنهاض الحال أكثر من المقال، وإذا اجتمع الحال والمقال، فهو البحر الطام والنجم الثاقب.

وقد يكون من الناس من هو عالم اللسان جاهل القلب، ومن مثل هذا الحذر، لأن قلبه ميت ولا عبرة بلحن الكلام وإعرابه الدعاة الصادقون يجمعون بين ولا خطأ في رفعه ونصبه من صوابه، وإنما العبرة بالمعاني دون القوالب والأواني.

يحكى أن بعض النحويين دخل على مجلس الحسن بن سمعون ليسمع كلامه فوجده يلحن، فانصرف ذاماً له، فبلغ ذلك الحسن، فكتب له: إنك من كثرة الإعجاب رضيت بالوقوف دون الباب، فاعتمدت على ضبط أقوالك مع لحن أفعالك، وإنك قد تهت بين خفض ورفع ونصب وجزم، فانقطعت عن المقصود، هلا رفعت إلى الله جميع الحاجات، وخفضت كل النكرات، وجزمت عن الشهوات، ونصبت بين عينيك الممات.. والله يا أخي ما يقال للعبد : لم لم تكن معربا ؟ وإنما يقال له: لم كنت مذنبا ؟ ليس المراد فصاحة المقال، وإنما المراد فصاحة الفعال، ولو كان الفضل في فصاحة اللسان لكان سيدنا هارون أولى بالرسالة من سيدنا موسي حيث يقول: ﴿أَخِي هَرُونَ هُوَ أفصح مني لسانا ﴾(القصص : ٣٤). ومما ينسب للخليل يرحمه الله أو لسيبويه :

لسان فصيح معرب في كلامه          فيا ليته من وقفة العرض يسلم

ولا خير في عبد إذا لم يكن تقى       وما ضر ذا تقوى لسان مُعْجِمُ

وقال آخر :

مُنْحَرف بالفعال وذو زَلل            وإن تكلم في جدَالِهِ وَزَنَه 

قال وقد كتبت لفظته               تيها وعُجْباً أَخْطَأَ مَا لَعَنَهُ 

وإنما أخطأ من قام غدا             ولا يرى في كتابه حسنه

والحاصل أن من اجتمع فيه الحال وفصاحة المقال، فهو كمال الكمال، وذلك لأنه ينتفع بكلامه بعد موته، والحذر كل الحذر من المنافق عليم اللسان ذي الفصاحة وصاحب البلاغة، وله شقاشق، لكنها مكسوفة الأنوار مطموسة الأسرار، ليس فيها حلاوة، ولا عليها طلاوة، وفي هؤلاء نزل التحذير : ﴿وإذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُو فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنِّي يُؤْفَكُونَ (4) ﴾ (المنافقون)، وقال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرض ليُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الفساد (٢٠٥) ﴾ (البقرة).

الخير في الجمع بين الإحسان في القول والعمل.

إذا للفعل أثره في الناس، وللكلمة البليغة أثرها، فواجب الدعاة الصادقين أن يجمعوا بين الحسنيين لسان بيان ولغة فصيحة وقلب مخبت خاشع، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها.

الرابط المختصر :