; المجتمع التربوي (1993) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1993)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012

مشاهدات 77

نشر في العدد 1993

نشر في الصفحة 54

الجمعة 16-مارس-2012

الدين النصيحة

الكاتبة:عزة توفيق الواعي

النصيحة أساس بناء الأمة وعماد الدين وقوامه والسياج الواقي من الفرقة

للنصيحة شأن عظيم في حياة الفرد والمجتمع، فهي أساس بناء الأمة، وعماد الدين وقوامه، وهي السياج الواقي من الفرقة والنزاع بين المسلمين؛ لأنها الدين كله، ولأن الدين كله نصح فالصلاة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل السلام وإحسان الكلام، كل ذلك نصح.

من آدابها بعد الإخلاص لله تعالى الرفق واللين للناصح وأن تكون سرًا

قال ابن رجب يرحمه الله في شرح حديث الدين النصيحة: «إن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام وسمى ذلك كله دينًا»، وللنصيحة آداب ينبغي التأدب بها ومراعاتها بعد الإخلاص لله تعالى، والرفق واللين للناصح، وأن تكون النصيحة سرًا؛ لأن الناصح أمام الناس يولد ردود أفعال، وربما لا تقبل النصيحة بل يزداد الأمر سوءًا.

ولذلك فقد كان سلفنا الصالح يحرصون على النصح سرًا، وقد أنشد الإمام الشافعي شعرا فقال:

تعمـــدني بنصحك في انفــــرادي 

                                وجنبني النصيحة في الجماعة 

فإن النصح بين الناس نــــــوع 

                                من التوبيخ لا أرضى استماعه 

فإن خالفتني وعصيت قولي 

                                 فلا تغضب إذا لم تُعْطَ طاعة

وقال ابن حزم: وإذا نصحت فانصح سرًا لا جهرًا، وبتعريض لا تصريح، إلا إذا لم يفهم المنصوح تعريضك فلابد من التصريح.

اختيار الأحوال

ولابد من اختيار الأحوال والأزمنة المناسبة، فعلى الناصح أن يكون فطنًا لبيبًا في اختيار الأحوال والأزمنة المناسبة، وعليه أن يتحين الفرصة السانحة فاختيار الحال والزمان المناسبين من أكبر الأسباب القبول النصيحة.

قال ابن مسعودt: «إن للقلوب شهوةً وإقبالًا، وفترةً وإدبارًا فخذوها عند شهوتها وإقبالها وذروها عند فترتها وإدبارها»، فهنيئًا لذلك الداعية الذي يعرف متى تدير القلوب، ومتى تقبل فيحسن الإنكار ويجيد مخاطبة القلوب.

رفق ولين

وينبغي للناصح أن يتحلى بالرفق واللين في النصح كما يقول النبيﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم).

وليت الدعاة النصحاء والخطباء البلغاء يقتدون بالنبي في قصة الشاب الذي جاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في الزنا، فما كان منه إلا أن قام بنصحه بالرفق واللين، فعن أبي أمامهt، أن غلامًا شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، تأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ: «قربوه، ادن»، فدنا حتى جلس بين يديه فقال النبي ﷺ: «أتحبه لأمك؟»، فقال: لا جعلني الله فداك! قال: «كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟»، قال: لا، جعلني الله فداك! قال: «كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟»، قال: لا، جعلني الله فداك! قال: «كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم»، فوضع رسول الله ﷺيده على صدره وقال: «اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه»، فلم يكن شيء أبغض إليه منه. (رواه أحمد وصححه الألباني في صحيحه رقم 370)

أنواع النصيحة

وتكون النصيحة لله: في إخلاص الإيمان به وتوحيده وإخلاص العبادة له.

والنصيحة للكتاب: العمل بما فيه والدفاع عنه ونشر مبادئه.

وتكون النصيحة للرسولﷺ: بالاقتداء به وتصديقه. 

وتكون النصيحة للأئمة أيضًا: بطاعتهم فيما يوافق الحق، وما داموا على طريق الله وطريق رسولهﷺ، وبإرشادهم إلى شرع الله وإخلاص النصح لهم وهدايتهم إن هم انحرفوا عن السبيل، فقد قيل: إنه لما تولى هارون الرشيد جلس للناس مجلسًا عامًا، فدخل عليه بهلول«المجنون»، فقال له: يا أمير المؤمنين، احذر جلساء السوء، واعتمد جليسًا صالحًا يذكرك بمصالح خلقه إذا غفلت والنظر فيهم إذا لهوت، فإن هذا أنفع لك وللناس وأكثر في الأجر مما تأتي به من صوم وصلاة وقراءة وحج، إن الرجل كان يلقي الكلمة عند ذي السلطان فيعمل بها فيملأ الأرض فسادًا .

وقالﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا فيهوي بها في النار سبعين خريفًا».

ولا تكن يا أمير المؤمنين كمن قال الله تعالى في حقه:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾(البقرة: 206)، فقال له: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى قد أقاد لك الناس وجعل أمرك فيهم مطاعًا، وكلمتك فيهم نافذة، وأمرك فيهم ماضيًا، وما ذلك إلا لتحملهم على الإتيان بما أمر الله والانتهاء عما نهى الله عنه، وتعطي من هذا المال الأرملة واليتيم والشيخ الكبير وابن السبيل..يا أمير المؤمنين أخبرني فلان عن فلان عن رسول اللهﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة، وجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، أحضر الملوك وغيرهم من ولاة أمور الناس فيقول لهم: «ألم أمكنكم من بلادي، وأطع لكم عبادي لا لجمع الأموال، وحشد الرجال، بل لتجمعوهم على طاعتي، وتنفذوا فيهم أمري ونهيي، وتعزوا أوليائي وتذلوا أعدائي وتنصروا المظلومين من الظالمين».. يا هارون، تفكر كيف يكون جوابك عما تسأل عنه من أمور العباد في ذلك الموقف إذا حضرت ويداك مغلولتان إلى عنقك، وجهنم بين يديك والزبانية محيطة بك تنتظر ما يؤمر بك... قال: فيكى هارون بكاءً شديدًا، فقال له بعض الحاضرين: كدرت على أمير المؤمنين مجلسه، فقال لهم هارون: قاتلكم الله، إن المغرور من غررتموه، والسعيد من بعدتم عنه، ثم خرج من عنده.

صدق وإخلاص

الحاكم أصبح في أمسِّ الحاجة إلى من ينصحه بصدق وإخلاص ولا يجد من حوله إلا مجموعة من المتملقين الذين يزِّينون له المحرمات

لقد أصبح الحاكم في أمس الحاجة إلى من ينصحه بصدق وإخلاص، ولا يجد من حوله إلا مجموعة من المتملقين المتزلفين الذين يزينون له المحرمات، ولربما استعمله بعضهم لقضاء مآربه الخاصة.

لقد طغت الأموال على الفعال في أيامنا هذه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأصبح الناصح غير منصوح في حد ذاته، بحيث يقف الرجل أمام الملأ فيحلل ويحرم ويوعظ ويوجه ويبشر ويحذر؛ فتذرف من أقواله الدموع، ثم تراه إذا فارق مجلسه فارق مبادئه وأقواله وخالفها بفعل الحرام؛ ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾

 (البقرة: 44). 

اللهم إنا نسألك القيام بأمرك والبعد عن نهيك والعمل بما يقربنا منك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نعوذ بك من سخطك والنار، ونسألك رضاك والجنة يا ذا الجلال والإكرام.

خواطر داعية

كولون

بقلم: عبد الحميد البلالي (*)

في أواخر ديسمبر عام ٢٠٠٩م، وقبل أن يودع العام أيامه الأخيرة، كنت مرافقًا المريض من الأقارب في مدينة«كولون» في ألمانيا، وكانت الأيام الأخيرة من ذلك الشهر بالغة البرودة، حتى وصلت فيها درجة الحرارة إلى اثنتي عشرة تحت الصفر، وكنت أثناء استعمالي لقطار الأنفاق لفت نظري أمر لا يحدث في الكثير من بلاد العالم، وللأسف فإن حدوثه أقرب إلى المستحيل في البلاد الإسلامية. 

حيث كانت توجد ماكينة لاستخراج التذاكر، وأسعار كل مكان تريد التوجه إليه، ثم تضع قيمة التذكرة وتستلم التذكرة ليس في ذلك أي غريب، وإنما الغريب أنك عندما تدخل القطار لا يوجد من يسأل عن التذكرة، وإذا وصلت المكان الذي تريد لا توجد ماكينة لتضع فيها تذكرتك التي اشتريتها حتى تفتح لك بوابة الخروج، ولكن بمجرد وصولك للمكان، فإنك تشاهد الأبواب مفتحة إلى الخارج دون أن يوقفك أحد، أو يسأل أحد عن التذاكر، ظننت للوهلة الأولى، أن ذلك كان إهمالًا أو نسيانًا من الموظف المسؤول عن ذلك، ولكن بتكرر هذا الأمر إلى ما يزيد على الأسبوعين يوميًا، تبين لي أن الأمر قائم على الثقة المتبادلة بين مؤسسة النقل والمستخدم للقطار.. والسؤال لماذا لجؤوا إلى هذا الأسلوب؟ ولماذا لا يتم ذلك في البلاد الإسلامية؟ هل سرقوا منا قيم الأمانة وطبقوها وأخذنا منهم قيم الابتذال والتعري وطبقناها!! الله أعلم.

(*) رئيس جمعية«بشائر الخير»-الكويت

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 56

104

الثلاثاء 20-أبريل-1971

مع القراء (56)

نشر في العدد 59

138

الثلاثاء 11-مايو-1971

حوار مع الشيطان