العنوان أولادنا. والأدب الحسن (۸).. أدب المراهق
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013
مشاهدات 77
نشر في العدد 2055
نشر في الصفحة 52
السبت 01-يونيو-2013
- من أهم عوامل نجاح الوالدين في احتواء المراهق تفهم متطلبات هذه المرحلة وكيفية التعامل معها
- القدوة الحسنة التي يجدها الأولاد في الوالدين وتربيتهم على الإيمان بالله والنشأة على العفة وحب الخير. عوامل مهمة في تقويم سلوك المراهق
- الأسرة المترابطة والبيئة الصالحة والأصدقاء الأسوياء والمعلمون القدوة والإعلام النظيف. أدوات بناء شخصية المراهق
نظر إليه وكله فخر واعجاب، وتمتم في نفسه يعيذه بكلمات الله التامات ويدعو له بالهداية والرشد والثبات فقد نما جسمه وزاد طوله وخشن صوته، وظهرت عليه بوادر الرجولة من شعيرات خطت على شاربه، وتناثرت على ذقنه، فرأى فيه صورته ونفسه وعاد به إلى الوراء حيث ذكرياته وهو مراهق على أبواب الشباب تتدفق في عروقه دماء الحيوية والحركة والنشاط. ويستفزه أحيانا الهدوء والنصح والكلمات.
تذكر وقتها كيف كان يشعر بالرجولة تناديه، وبالقوة تستدعيه، فيترجم ذلك على شكل أعمال فيها بعض الطيش الذي يحتاج إلى روية، وتتسم بالحماس الذي يتطلب ترويضا على التجمل بالحلم والأناة والصبر والحكمة، لكن قلبه كان مفعما بحب الله فلم ينحرف عن منهجه، بل كان متعلقا ببيوت الله المساجد، ولم يتخذ من هذه الفترة الحرجة في حياته مبررا لارتكاب ما لا يرضي ربه ومولاه، تمنى أن يكون ولده كذلك حتى يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «وشاب نشأ في عبادة الله».
إن حركة الحياة تتكرر أمامه ويراها يقينا تدور عجلتها به ومعه، فإذا بالفرع الصغير الذي تعاهد ريه قد أورق وأينع كالبذرة حين تنشق ثم تكبر، فتسفر عن شجرة لها أوراق وفروع وأطوار متغيرة من أشكال الحياة.
ألا ما أهم هذه الفترة الزمنية في عمر كل إنسان، ويا لحظ من اقتنصها وجعل منها سهما يصيب به هدفه، ويقهر به خصمه العنيد المتربص به دوما.
المراهقة
راهق يراهق، مراهقة، فهو مراهق. يقال: راهق الغلام: أي قارب الحلم وبلغ حد الرجال، وشاب مراهق: أي بين البلوغ وسن الرشد و«هو في سن الْمُرَاهَقَة»: أي في مَرْحَلَةٍ مِنْ عُمْرِهِ يُقَارِبُ فِيهَا الرُّشْد.
فالمراهقة هي الفترة من بلوغ الحلم إلى سن الرشد.
وسن المراهقة مرحلة من مراحل عمر الإنسان، تبدأ عند البلوغ وتستمر بضع سنوات لا تتجاوز الثامنة عشرة من العمر إلا في حالات مرضية.
وتحدد منظمة الصحة المراهقة أنها فترة ما بين «۱۰-١٩سنة» من العمر.
الوالدان. والولد المراهق
إن سنة التغيير من سنن الحياة، وهي تلازمنا في بيوتنا، فيفطم الرضيع ويكبر الصغير ويبلغ الأولاد والبنات الحلم، وينمو فيهم الشعور بالذات والاعتداد بالنفس وحب الاستقلال، لذا فإن من أهم عوامل نجاح الوالدين في احتواء المراهق تفهم متطلبات هذه المرحلة، وكيفية التعامل معها، فهي المرحلة الانتقالية من الطفولة إلى الشباب ومن ثم إلى الرجولة، وهي الفاصلة بين حياة مضت وحياة جديدة تطل على المجتمع كله من خلال أولاده وهم على عتبات الشباب لكن للأسف تحدث أخطاء جمة تجعل من هذه الفترة العمرية مرحلة صدام بين الوالدين وبين أولادهم، حينها يدق ناقوس الخطر معلنا وجوب التوقف عن تلك الأعمال التي تؤثر سلبا على الجميع.
مؤثرات على المراهق
ويكبر الولد ذكرا كان أم أنثى، وتكبر معه مسؤولية الوالدين، ولا تعني فترة المراهقة أن دورهما قد تلاشى أو انتهى كلا، فإنها مرحلة تمركما مرت من قبل مرحلة الحمل والولادة والرضاعة، والطفولة، لكن دور الوالدين فيها قد تغير تغيرا يناسبها ويناسب متطلباتها، وإن الغراس التي غرساها في الولد منذ صغره والقيم التي ربياه عليها، والقدوة الحسنة التي اتخذها منهما، وتربيته على الإيمان بالله ومراقبته وحبه والنشأة على العفة وغض البصر وحب الخير وعمل المعروف، وكراهية الشر والفواحش والمنكرات، كل ذلك في ظني له أكبر الأثر المساعد في سلوك المراهق، كما أن فهم الوالدين التغيرات التي تطرأ عليه تسهم في صلاحه، فهو لم يكبر هكذا فجأة ولن يأتي بتصرفات خارجة عن إرادته خاصة بعد سن البلوغ وإلا لما صار مكلفا ومحاسبا من الله صحيح إن فترة المراهقة تشهد تغيرات جسمانية ونفسية وسلوكية واجتماعية في نفس المراهق، لكن الأسرة والمدرسة والمعلم والمجتمع والبيئة والإعلام، كل يساهم بدوره في توجيهه إما سلبا أو إيجابا، وإن الناظر إلى مجتمع الصحابة يرى صدق ذلك، فحين عرف المربون مواهب الأولاد وحولوها إلى طاقة إيجابية وعمل نافع أتت ثمارها، وحين كبر الأولاد على الخوف من الله والإخلاص له كانت فترة المراهقة بالنسبة لهم فترة عمل وإنتاج وطاعة، ولما نشئوا على قيمة الوقت وحسن إدارته نبغوا وفقهوا وملؤوا الدنيا نورا وعلما، وهذا ما علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم المربي الأعظم حين قال لعبد الله بن عباس، وهو لم يزل غلاما بعد: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك».
طاقات ومواهب
ومن الخطأ أن نعلق أخطاء المراهقين على شماعة المراهقة، فالأسرة المترابطة والبيئة الصالحة والأصدقاء الأسوياء والمعلمون القدوة والإعلام النظيف، والنوادي المتميزة كلها عوامل مساعدة وأدوات بناء لشخصية المراهق، وليس الفتى المراهق هو ما تصفه للأسف وسائل الإعلام بأنه المتمرد أبدا المنحرف عن طريق الجادة المصاحب للفتيات المحب للخلاعة والسهر والمجون المدمن للدخان والبانجو والمخدرات العاق لوالديه الهارب من المسؤولية والمساءلة فتلك صورة مغلوطة ظلمنا معها المراهقة والمراهقين، وللأسف صارت مرادفا لمفهوم المراهقة في ثقافتنا وعند أولادنا.
فللمراهق طاقات ومواهب إذا مهد لها الطريق الصحيح تفجرت فيه، فعلينا أن نوجد لتلك الطاقات الكامنة ما يساعدها على الخروج من مخبئها؛ لتظهر في المكان المناسب، والناظر إلى واقعنا المعاصر وثورات الربيع العربي، يجد بصمة المراهق الطيبة الرائعة واضحة جلية ذكورًا وإناثًا، والناظر أيضا إلى الاتجاه المعاكس يجدها تتجلى في التخريب والحرق والقتل والسرقة والبلطجة فليس الخطأ إذا في المراهق، بل في توجيه سلوكه وقوة المؤثرات من حوله.
النبي صلى الله عليه وسلم والمراهق
لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على سرية فيها أبو بكر وعمر، وكان عمره سبع عشرة سنة، أي فتى في سن المراهقة كما نقول، لكنه رأى فيه موهبة القيادة فنماها ورعاها وسخرها لخدمة الإسلام ومجتمع المسلمين. أما زيد بن ثابت فكان لبيبا نابها يحكي لنا فيقول: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وأنا ابن إحدى عشرة سنة، وأمره أن يتعلم كتابة يهود. قال: وكنت أكتب، فأقرأ إذا كتبوا إليه.
وكان لصغار الصحابة ممن هم في سن المراهقة رأي صائب وعقل فاق عقول كبار القوم آنذاك إذ سارع الكثير منهم إلى الإسلام وتأييد النبي صلى الله عليه وسلم بينما أحجم أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة وغيرهم. فعلي بن أبي طالب أسلم وعمره عشر سنوات، وأسلم سعد بن أبي وقاص وهو ابن سبع عشرة سنة، كما أسلم معاذ بن جبل وعمره ثماني عشرة سنة، وهاجر الزبير بن العوام وهو ابن ثماني عشرة سنة.
المراهق. والهمة
وهمة المراهق عالية إذا ما وجهت، فالإمام النسائي ارتحل من بلده وعمره خمس عشرة سنة؛ ليطلب العلم فذهب إلى العراق والشام والحجاز والجزيرة وخراسان حتى استقر بمصر، وخرج الإمام أبو داود السجستاني من بلده وعمره ١٨ سنة ليطلب العلم أيضا فدخل العراق ثم الشام ومصر والحجاز ثم العراق ثم خراسان حتى استقر في البصرة.
وأصبح عبد الملك بن مروان والي المدينة من قبل معاوية وعمره ١٦ سنة، وقاد هارون الرشيد الجيوش إلى بلاد الروم وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
أما فاتح بلاد السند وأصغر فاتح في الإسلام فهو محمد بن القاسم الثقفي الذي ترعرع وتدرب على الجندية والفروسية، فلقن فنون الحرب وأساليب القتال حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعد ١٧ عاما من العمر.
وبويع محمد الفاتح بالخلافة وهو في الثانية والعشرين من عمره، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتفتحن القسطنطينية، ولنعم ن الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».
أما من الإناث، فنضرب لعلو الهمة مثال السيدة عائشة رضي الله عنها، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وهي العالمة بالفقه والطب والأدب والشعر والأنساب، وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم۲۲۱۰ أحاديث. كما أن أختها أسماء بنت أبي بكر كانت بطلة الهجرة، فرضي الله عنهما
والأمثلة كثيرة تمتلئ بها بطون الكتب ويحفظها التاريخ ويشهد عليها، تحمل مع م شباب أمتنا الأمل وسحائب البشري، فلماذا لا تظهر في أفقنا إلا الصور السلبية الناتجة عن المراهقة، ولماذا نحشو أذهان أولادنا بذلك؟!
فمتى نعين أولادنا على تحمل المسؤولية؟ ومتى نشعرهم أنهم أهل لها فنقدر أعمالهم، ونثني عليها ونزرع فيهم آمالنا ليحققوها؟ ومتى ندرك قيمة الرعاية لهم دون استبداد منا فتمارس الشورى معهم دون أن نفقد احترامنا، ونحترمهم دون أن نفقد حق الوالدية؟!