العنوان الأزمة الليبيرية وانعكاساتها على المسلمين
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2003
مشاهدات 78
نشر في العدد 1561
نشر في الصفحة 38
السبت 26-يوليو-2003
يمكن القول إن الصراع الدائر حاليًا في ليبيريا يعود إلى الفترة التالية على إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي شهدتها البلاد في يوليو عام 1997، والتي أسفرت عن فوز تشارلز تايلور والجبهة الحاكمة «الحزب الوطني NPP» وذلك بسبب ممارسات تايلور القمعية وفشله في إدارة دفة البلاد واحتواء قوى المعارضة، حيث يمارس صلاحياته بدون مساءلة من السلطات الثلاث «التشريعية – التنفيذية – القضائية» كما كان لتطورات الأحداث في سيراليون المجاورة انعكاساتها على الأوضاع في ليبيريا خاصة بعد تردي العلاقة بين تايلور ومنظمة دول غرب إفريقيا «إيكواس» واتهامه للأخيرة بأنها تدعم القوى المعارضة له، وأنها تستخدم الأراضي الليبيرية لشن هجماتها ضد الجبهة الثورية المتحدة الحليفة له في سيراليون.
لذا لا غرابة في أن نلاحظ تزامن انسحاب الإيكواس من ليبيريا «يوليو 1999»، واندلاع القتال بين الحكومة الليبيرية وجبهة الليبيريين المتحدين من أجل المصالحة والديمقراطية LURD، وقد تركزت المعارك بين الجانبين في المقاطعات الشمالية خاصة مقاطعة لوفا قرب الحدود الغينية إلا أنه منذ أوائل فبراير 2002 بدأت المواجهات العسكرية تأخذ شكلًا آخر عندما بدأت جبهة LURD في النزوح ناحية الجنوب صوب العاصمة منروفيا، الأمر الذي دفع الآلاف من المدنيين إلى سيراليون المجاورة. ووفقًا لتقرير وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن معدلات تدفق هؤلاء المهاجرين ما بين 300 – 500 شخص يوميًا. ولقد دفع ذلك الرئيس تايلور إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد في الثامن من فبراير ۲۰۰۲. وهناك رأي يرى أن تايلور وراء أحداث «لوفا» من أجل التغطية على فشله في عدم تحقيق أي نوع من التنمية الداخلية، ومن ثم فإن إعلان أحكام الطوارئ محاولة للفكاك من مسئولية تردي الأوضاع الداخلية في البلاد منذ توليه الحكم عام 1997، كما أن هناك من يرى أن تايلور يستهدف إرجاء عملية الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها العام القادم خشية خسارتها بسبب عدم تحقيق وعوده الانتخابية.
استراتيجية تايلور
يسعى تايلور إلى تصفية جبهة لورد LURD بشتى السبل وحسم المعركة لصالحه، ولذلك عمد إلى اتخاذ عدة وسائل في هذا الشأن من أبرزها:
1- محاولة تهدئة الأوضاع الخارجية مع كل من غينيا وسيراليون من أجل كسب تأييد كل من منظمة الإيكواس، والأمم المتحدة، ولذلك شارك
تايلور في فبراير 2002 في مؤتمر الرباط الثلاثي الذي ضم بالإضافة لليبيريا كلًا من سيراليون وغينيا، وهي الدول التي يطلق عليها دول حوض نهر مانو، وتشهد الحدود بينها حالة من الصراعات بسبب الاتهامات المتبادلة بشأن دعم المعارضة، وأعلن تايلور مجددًا عدم تقديمه دعما لجبهة RUF في سيراليون.
2- محاولة التقرب من قوى المعارضة الأخرى بخلاف جبهة لورد ومن ذلك دعوة هذه القوى لحضور مؤتمر للمصالحة الوطنية عقد في السادس والعشرين من يوليو 2002 في محاولة منه لمعالجة الآثار السلبية التي ترتبت على عدم مشاركته في مؤتمر أبوجا للمصالحة الوطنية مارس «2002» ويبدو أن تايلور نجح إلى حد كبير فيما يتعلق بالجزئية الأولى عقب اجتماع المغرب، إذ قررت منظمة إيكواس في مارس 2002 فرض عقوبات على جبهة LURD منها حظر سفر قادتها إلى الدول الأعضاء أو إقامتهم فيها، الأمر الذي تم تفسيره على أنه إجبار للجبهة على وقف إطلاق النار من جانب واحد وإلا تعرض قادتها للاعتقال والترحيل من غينيا.
استراتيجية جبهة لورد
ترى جبهة لورد – التي يقودها مسلم هو محمد جوماندي Mohamed Jumandy، وتتكون من بعض العناصر التي كانت تابعة لتايلور ولجبهة NPFL أن هدفها الأساسي هو الإطاحة بالنظام الحالي، وهي تتخذ من غينيا نقطة انطلاق لها وتتهم الجبهة الثورية المتحدة في سيراليون RUF بأنها تساند تايلور في حربه ضدها.
وبالرغم من أن هدف الجبهة ذلك، إلا أن استراتيجيتها العسكرية لا تخدم هذا الهدف بصورة كبيرة، فهي قائمة على مهاجمة الولايات الشمالية فقط بسبب قربها من الحدود، وإمكانية الحصول على إمدادات من غينيا. ومن ثم فهي لم تقترب من العاصمة منروفيا، إلا في فبراير الماضي، وقبل توقيع اتفاق للسلام، ولعل المنطق الذي تستند إليه الجبهة في عدم دخول منروفيا هو الخوف من وقوع مذابح كبيرة بين الجانبين الأمر الذي قد يدفع بمجلس الأمن إلى رفع الحصار عن الحكومة، وتزيد بالتالي قوة الحكومة في مواجهة الجبهة، لكن يبدو أن الجبهة تخلت عن هذا الحذر في الآونة الأخيرة حيث إنها اقتربت من العاصمة، مما أوقع تايلور في حرج بالغ، ودفع الدول الإقليمية إلى التدخل، وتم التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين في السابع عشر من يونيو 2003 في أكرا عاصمة غانا.
ويلاحظ أن الجبهة تعاني من بعض المشكلات ومع توقيع اتفاق المغرب للسلام بين كل من ليبيريا وغينيا وسيراليون في فبراير 2002 قل الدعم الذي تحصل عليه الجبهة من غينيا التي تستهدف تهدئة الأوضاع على الحدود مع ليبيريا، كما أن الخطوة التي اتخذتها إيكواس ضد الجبهة في مارس 2003 بشأن فرض العقوبات عليها من شأنها إضعاف الموقف العسكري للجبهة، فضلًا عن عدم وجود تنسيق بين الجبهة وقوى المعارضة الأخرى، وذلك من شأنه ضعف إمكانية تحقيق أي انتصار سياسي على الحكومة بل يلاحظ أن قوى المعارضة، ووفقًا لاستراتيجية لورد ترى أنها تستهدف فقط الحصول على بعض المزايا السياسية وليس الإطاحة بحكم تايلور تمامًا كما فعلت بعض جماعات المعارضة مثل . ULIMO LPC أثناء تحرك الجبهة الحاكمة تجاه السلطة.
ومع ذلك تبقى الجبهة بديلًا مقبولًا لتايلور الذي ظل لفترة عميلًا للولايات المتحدة ومجلس الكنائس العالمي.
استراتيجية المعارضة
ترى هذه القوى أن النظام وجبهة لورد وجهان لعملة واحدة ومن ثم لابد من الإطاحة بهما جميعًا وحددت تلك القوى المعارضة التي تضم عددًا من الأحزاب السياسية، وبعض قادة الحرب السابقين الموجودين بالخارج من خلال البيان الذي صدر عن اجتماع المصالحة الوطنية الذي عقد في أبوجا 15-16 مارس 2002، حددت موقفها من ثلاث قضايا أساسية هي:
1- الأمن حيث تبلور موقفها من هذه القضية فيما يلي:
التنديد بعمليات اعتقال قادة الرأي الأمر الذي دفع كثيرًا منهم إلى مغادرة البلاد.
التنديد بالانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان من قبل النظام والمتمردين.
المطالبة بوقف أعمال القتال بين الجانبين المتحاربين.
ضرورة عودة الليبيريين من المنفى إلى البلاد.
المطالبة بوقف إطلاق النار بين الجانبين ونشر القوات الدولية لحفظ الأمن ISSF للحفاظ على الأمن الوطني.
نزع أسلحة القوات المتحاربة وإعادة دمجها في الجيش الوطني، على أن تخضع لإشراف الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية، من أجل ضمان عدم الإخلال بهذه الالتزامات.
2- الانتخابات: ضرورة تشكيل لجنة للإشراف على العملية الانتخابية تتكون من سبعة أشخاص ثلاثة منهم يختارهم الرئيس وأربعة من قبل الأحزاب الموقعة على البيان، وتقع على عاتقها مهام منها قيد المواطنين في كشوف الانتخابات والتوعية الانتخابية وتحديد مراكز الاقتراع وإعلان نتائج الانتخابات.
3- المصالحة
أ- ضرورة إزالة مناخ العداء السائد حاليًا بين مختلف الأطراف، الأمر الذي سيساعد كل الليبيريين على المشاركة في العملية السياسية.
ب- تشكيل لجنة للتحقيق في الأخطاء التي تم ارتكابها في الفترة الماضية مع تعهد الحكومة بمعاقبة المتسببين عنها
ج- تحقيق استقلال القضاء
وهناك فرقة أخرى من المعارضة كانت ترى ضرورة عقد مؤتمر لكافة القوى الليبيرية في الداخل والخارج في نفس توقيت عقد مؤتمر تايلور «٢٦ يوليو 2002».
موقف تايلور من المسلمين
يمكن القول إن الاطاحة بتايلور ستشكل انفراجة للمسلمين الذين تتراوح نسبتهم بين 20-35%، وهم يشكلون القوة الثانية بعد الوثنيين «40%» وقبل النصارى، إذ إن تايلور منذ أن كان في المعارضة كان يناصب المسلمين العداء، ويعتمد في ذلك على دعم واشنطن له التي سافر إليها عام 1989 بعد اتهامه باختلاس 900 ألف دولار، ثم عاد أوائل التسعينيات ليقود المعارضة التي أطلقت على نفسها اسم الجبهة الوطنية الليبيرية المعارضة NPLF وحظي بدعم واشنطن، فضلًا عن مجلس الكنائس العالمي وقبيلتي جيو ومانو الوثنيتين. وقد ازداد عداء تايلور للمسلمين منذ عام 1995 بعدما قرر مجلس الكنائس العالمي في مؤتمره الذي عقد في لندن في ذلك العام تخصيص الجزء الأكبر من ميزانيته لصالح النشاط التنصيري في ليبيريا. وكان حصاد تايلور في النصف الأول من التسعينيات ما يلي:
قتل ما لا يقل عن 35 ألف مسلم.
تشريد 700 ألف مسلم.
هدم ۷۲۰ مسجدًا.
هدم 110 مدارس إسلامية.
تهديد المسلمين بالدخول في النصرانية أو القتل والتشريد.
موقف المسلمين من الأزمة
منذ اندلاع الأزمة في البلاد أوائل التسعينيات، تم تأسيس جبهة إنقاذ مسلمي ليبيريا أواخر عام 1991 بقيادة الحاج كروما لتقود حركة الجهاد الليبيري، خاصة بعد تمكن قوات تايلور من الانقلاب على الرئيس صمويل دو الذي اغتيل بعد ذلك، وتمكنت الجبهة من السيطرة على %40 من البلاد، وقد دفعت الانتصارات المتتالية للجبهة تايلور – زعيم المعارضة آنذاك – للقبول بخطة السلام التي تم التوقيع عليها في أبوجا عاصمة نيجيريا في أغسطس 1995. وبمقتضاها تم تشكيل مجلس رئاسي انتقالي لمدة سنتين برئاسة ويلتون سانكالو، وتعيين نائبين له الأول هو تايلور، والثاني هو الحاج كروما، على أن يتم إجراء الانتخابات بعدها. ويرى فريق من المراقبين أنه لولا الموقف القوي للمسلمين ما كان تايلور يوافق على أن يكون النائب الثاني مسلمًا.
ويلاحظ أن موقف المعارضة ازداد صلابة بعد تخلي واشنطن عن تايلور بعد أن أدانته إحدى المحاكم الدولية الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب بالمسئولية عن المذابح التي شهدتها سيراليون المجاورة من خلال دعمه للجبهة الثورية المتحدة المعارضة، مقابل الحصول على الألماس، وطالبته واشنطن بالتخلي عن منصبه والرحيل من البلاد. لكنها مازالت مترددة بشأن إرسال قوات أمريكية إلى هناك، ولا شك أن وصول هذه القوات سيكون وبالا على المسلمين لأنها ستساعد المنظمات التنصيرية العاملة هناك، ويكفي أن تعرف أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قدم – قبل زيارة بوش للقارة مؤخرًا – تقريرًا عن الأوضاع في ليبيريا إلى القس بيل جراهام أحد أشهر المبشرين في القارة السمراء وليس بخاف أن اليمينيين النصارى في الولايات المتحدة طالبوا الإدارة الأمريكية باستغلال المساعدات الإنسانية خاصة مجال مكافحة الإيدز من أجل خدمة التنصير في القارة السمراء.