العنوان البوسنة والهرسك: أهوال أغرب من الخيال تحدث للمسلمين في معتقلات الصرب
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1992
مشاهدات 57
نشر في العدد 1013
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 25-أغسطس-1992
وحشية معتقلات الموت الصربية: أغرب من الخيال
· اغتيل أكثر من 60 ألف شخص في هذه المعتقلات وجُرح أكثر من 200 ألف وما زال هناك 120 ألفًا في عداد المعتقلين.
«المهنة: وحش كاسر» كان العنوان الذي كتبت تحته إحدى الصحف الكرواتية تصف عمليات التعذيب الوحشية التي تتم في المعتقلات على يد رجال الميليشيات الصربية، والتي راح ضحيتها الآلاف من أهل البوسنة والهرسك، غالبيتهم العظمى من المسلمين، والتي افتضح أمرها أخيرًا وثارت ضجة إعلامية عالمية حولها. ورغم أن وكالات أنباء غربية عديدة استطاعت أن تلتقط بعض الصور لهذه المعتقلات، وأن تسجل لآخرين تمكنوا من الهرب منها شهاداتهم على صنوف العذاب التي تعرضوا لها، إلا أن الأمر يبقى أغرب من الخيال. حيث فاقت هذه المعتقلات - وحسب أقوال الشهود والذي أكده العديد من المراسلين الصحفيين الذين تسنى لهم زيارة بعضها - فاقت في شدتها وقسوتها معسكرات الموت النازية. ولا تعود الدهشة من أمر هذه المعتقلات إلى صور التعذيب الفائقة التي تتم، ولكن إلى أن مرتكبيها هم جيران الأمس، بل إن معظم الهاربين يؤكدون أن أشد أنواع العذاب لاقوه على أيدي الصرب جيرانهم في نفس الحي وفي نفس الشارع، وليس أولئك الذين أتوا من مدينة أخرى أو منطقة نائية. ومصدر الدهشة هو التساؤل عن هذا الحقد كيفًا وكمًا، والذي استطاع الصرب اختزانه في نفوسهم طيلة سنوات طويلة إلى أن لاحت لهم اللحظة المناسبة.
شهادات صادمة لضحايا معسكرات الاعتقال
على سبيل المثال، ذكرت «فجيرني لست» الصادرة في العاشر من هذا الشهر أنه قد وصل إلى مدينة موستار بعد رحلة طويلة قاسية ومشيًا على الأقدام، مجموعة من المسلمين الذين تم إطلاق سراحهم من معتقل التعذيب الموجود في مدينة «بياتشا». وقد ذكر أحدهم ويدعى «رفعت جوستوفيتشي»، ويبلغ من العمر 61 عامًا، أن الميليشيات الصربية قامت باعتقالهم في منطقة كجانسكو، في الثالث من الشهر الماضي، وأعدموا فورًا منهم 30 من الأبرياء، واقتيد الآخرون إلى المعتقل حيث زُج بهم في غرفة ضيقة للغاية ومكدسة بالبشر، ومُنعوا حتى في هذا الطقس الحار من فتح نوافذها، وكانوا يقومون بقضاء حوائجهم في صفائح حديدية موجودة بالغرف. ويصف المعتقل الهارب الأحوال التي عاشوها فيقول إنه كانت تقدم لهم بيضة واحدة في الصباح دون خبز، وفي الظهيرة وفي المساء كسرة خبز. وكانت النتيجة على حد قوله أن لقي الكثيرون حتفهم من جراء نقص الغذاء وفي ظل عمليات التعذيب الوحشية التي تعرضوا لها. ويضيف المعتقل الهارب أن قيادة المعتقل قامت بالإفراج عن حوالي 90 ممن تبلغ أعمارهم أكثر من 60 عامًا ونُقلوا خارج المعتقل بالحافلة، ثم تُرِكوا ليواصلوا طريقهم مشيًا على الأقدام، الأمر الذي أدى إلى وفاة ثلاثة من رفاقه الطاعنين في السن.
وفي معتقل آخر حُشر فيه أكثر من 300 شخص في مكان لا تزيد مساحته عن 200 متر مربع، يعانون أقسى أنواع الألم، حيث ذكر أحد الهاربين منهم والذي قضى أربعين يومًا في المعتقل بأن نُزلاءه ينالون وجبة طعام واحدة كل خمسة أيام و30 لترًا من الماء يوميًا لكل السجناء، فيما يتعرضون من حين لآخر لأنواع مبرحة من التعذيب. ورغم أن راديو سراييفو ذكر في التاسع من هذا الشهر أن مدينة «دوبوي» تبدو هذه الأيام كمعتقل تعذيب ضخم، حيث يلفها خمسة معتقلات يتكدس فيها أكثر من أربعة آلاف شخص، إلا أن الحقيقة أن البوسنة كلها باتت أشبه بكانتونات من معسكرات الاعتقال.
شهادة نائب رئيس حزب العمل الديمقراطي
السيد سالم شابتشي، نائب رئيس حزب العمل الديمقراطي الذي يمثل المسلمين في البوسنة والهرسك، ذكر لـ «المجتمع» أن أكبر عدد من المعتقلات يوجد في مناطق «بانيالوكا» و«سانسكي موسط» و«بريدور»، وهي المناطق التي استولت عليها القوات الصربية وأعلنتها جزءًا من دولتها التي يقولون للعالم إنها دولة ديمقراطية. ويضيف السيد سالم أنه في تلك المناطق من أرض البوسنة والتي يشكل فيها المسلمون الغالبية العظمى من السكان حدثت عمليات خراب ودمار شديدين، حيث إن غالبية القرى والأحياء المدنية تم مسحها من على وجه الأرض، وقام الصرب بطرد شيوخها أما الشباب والرجال فقد زُج بهم في المعتقلات، وتعرضت نساؤنا وحتى بناتنا القاصرات إلى عمليات اغتصاب واسعة. وكان من الصعوبة على أي إنسان طبيعي أن يتصور ويصدق ما تقوم به تلك الزمرة العسكرية من عمليات السبي والاغتصاب للقاصرات أمام أعين آبائهن وأمهاتهن وذويهن، ولكنها هي الحقيقة المرة عن هذه المعتقلات.
وحسب البيان الذي أصدره المكتب الإعلامي لحكومة البوسنة والهرسك فإنه وحتى تاريخ 26/7/92 تم اغتيال أكثر من 60 ألف شخص في هذه المعتقلات المتواجدة في مدن البوسنة والهرسك المحتلة أو تلك المتواجدة في أراضي صربيا والجبل الأسود، كما مر بتلك المعتقلات أكثر من 200 ألف شخص، أما عدد المعتقلين فيبلغون 130 ألفًا، غير 200 ألف آخرين مصابين بجروح مختلفة.
ولعل الأمر يبلغ قسوته بتحويل أحياء كاملة يعيش فيها المسلمون والكروات إلى معتقل حقيقي، حيث تقوم القوات الصربية بإجبار سكانها على وضع علامات مميزة على أيديهم، ويُحرمون من كافة حقوقهم المدنية، ويُحظر عليهم التسوق والمرور بالمنازل والشوارع التي يسكنها الصرب، وتوضع على منازلهم أعلام مميزة تبيح لرجال الميليشيات الصربية اقتحامها ونهبها والاعتداء على حرماتها في أي وقت. وبذلك استحالت مناطق سكنية كاملة إلى أشبه بمخيمات جماعية للتعذيب والإهانة.
دور الأمم المتحدة وأمينها العام بطرس غالي
ولعل أغرب ما في الأمر هو دور الأمم المتحدة في ذلك، والمعروف عن أمينها العام انحيازه الشديد للطرف الصربي حيث يجمعهما المذهب الأرثوذكسي. فقد ذكرت القيادات البوسنية أنها أعلمت قوات الأمم المتحدة بذلك من قبل. وقال السيد علي عزت بيجوفيتش، رئيس الجمهورية: إننا أبلغنا العالم عن طريق الأمم المتحدة 15 مرة عن وجود هذه المعتقلات قبل أن تثار الضجة الإعلامية الأخيرة. وعقد السيد «مارتين دافوج»، وزير العدل والشؤون الاجتماعية بالبوسنة والهرسك، مؤتمرًا صحفيًا في زغرب يوم السبت 7/8/92 صرح فيه بأن حكومته قد قامت من قبل بإطلاع الصليب الأحمر الدولي والأمم المتحدة على تلك المعلومات، وحذرناهم - على حد قوله - من عمليات القتل والتعذيب التي تتم ونحن على مشارف نهاية القرن العشرين وفي الوقت الذي ينادي فيه العالم بحقوق الإنسان. وأضاف أننا نعتبر بأن هناك ثلاثة أهداف لإقامة تلك المعتقلات، أولها: التطهير العرقي للتخلص من أصحاب غير القومية الصربية، وثانيها: اعتقال الأطفال والنساء والشيوخ واستخدامهم بعد ذلك في عمليات تبادل الأسرى لاسترداد رجالهم واستبقاء رجالنا لديهم في نفس الوقت، وثالثها: عمليات الإعدام الجماعي. وقال: إن لدينا الأدلة الموثوق بها وندعو اللجان الدولية المحايدة لتقوم بزيارة تلك المعتقلات والتأكد من أقوالنا. واختتم السيد مارتين حديثه بذكر بعض الحقائق عن حصاد الحرب فقال إن هناك حوالي مليون وسبعمائة ألف شخص أُبعدوا عن ديارهم، وإن سكان دولة البوسنة والهرسك التي يشكل سكانها (0.7%) بالمائة من سكان العالم، يشكلون اليوم (4.2%) بالمائة من نسبة اللاجئين في العالم. وقال إن 40% من أطفالهم المشردين لم يبلغوا الرابعة عشرة، وأن عدد الجرحى وصل حتى الآن إلى 50 ألفًا، سيصير نصفهم مُشوهين أو عميان. وأضاف بأن لديه معلومات موثوقة بأن هناك ما يزيد عن 100 ألف قد لقوا مصرعهم، وأن 70% من المساكن والبنايات قد أُصيب أو دُمر. أما الخسائر المادية فقد قدرها بما يزيد عن 100 مليار دولار.
وعودة مرة أخرى إلى دور قوات الأمم المتحدة فيما يخص قضية المعتقلات، كتبت صحيفة «نوفي فسينيك» الكرواتية الصادرة في السابع من هذا الشهر تحت عنوان «هل قام نامبيار - قائد قوات الأمم المتحدة - بإخفاء حقيقة معتقلات الموت في البوسنة؟» فذكرت أن هناك ضجة كبرى في الأمم المتحدة ستكون لها عواقب وخيمة أثارتها مذكرة وقعت في أيدي الصحافيين وورد فيها أن الهيئة الدولية كانت على علم بوجود هذه المعتقلات منذ بداية الشهر السابع.
وقد ورد في التقرير الذي سجلته قيادة قوات حفظ السلام أن الناطقة باسم الأمم المتحدة نادية يونس حاولت إقناع الصحفيين بأن هيئة الصليب الأحمر كانت تعلم بالتقرير الخاص عن موضوع المعتقلات، وأن الأمم المتحدة لم تتمكن من القيام بأي خطوة في هذا الاتجاه لندرة المعلومات التي لديها. وتختتم الصحيفة مقالها بالقول أن من أسئلة الصحفيين التي تم تجاهلها ولم يتم الإجابة عليها كان عن عدم اتخاذ السكرتير العام بطرس غالي ومجلس الأمن لأي خطوة، بالرغم من التقرير المعنون بتاريخ 3/7/92 يحمل في طياته الكثير عن موضوع المعتقلات. وتضيف أنه من المعتقد بأن التقرير قُدم للسيد نامبيار ولكنه قام بتجاهله.
ونحن نسأل: وهل كان نامبيار يستطيع ذلك دون أوامر من السيد بطرس غالي؟
أول الشهداء العرب في البوسنة والهرسك
حسب الأنباء الواردة من ميادين القتال في البوسنة والهرسك، فقد استشهد شاب عربي يدعى أبو علي المكي فيما جُرح رفيق له يدعى أبو البراء حسام الدين، والاثنان من المملكة العربية السعودية، وذلك إثر تبادل للنيران مع القوات الصربية في منطقة «تي شان» القريبة من مدينة دوبوي التي تحيطها خمسة معتقلات صربية.
وجدير بالذكر أن العالم العربي يشهد رغبة متصاعدة لدى شبابه للمشاركة في معارك المسلمين في البلقان والتي تهدد أقدم الجماعات الإسلامية في أوروبا بالفناء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل