العنوان من المقاصد الروحية للحج
الكاتب السيد علي إسماعيل
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 89
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 50
السبت 17-يناير-2004
يأتي موسم الحج فتهب رياح الإيمان معلقة عطرًا يفوح بتاريخ هذه الأمة الإسلامية الواحدة، شاهدة برسوخ قواعد التوحيد، ضاربة جذورها في أعماق الكون، منبتة شجرة إيمانية مباركة تطاول أعناق السحاب.
وفي القلب يقف بيت الله الحرام شامخًا عملاقًا يقصده من كل بقاع الدنيا من أمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد الله نبيًا ورسولًا... مستجيبًا الدعوة أبي الأنبياء إبراهيم - u - حين أمره الله تبارك وتعالى بأن ينادي الناس للحج، فقال تعالى: ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27)، ومكملًا ركن الإسلام الخامس الذي دعا إليه المصطفى وحث عليه ورغب فيه، وأخبرنا عن فضله حين سئل: أي الأعمال أفضل قال إيمان بالله ورسوله r، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».
واستمد هذا الركن العظيم في الإسلام مكانته الخالدة - من لدن أبينا إبراهيم - u - حتى عصرنا هذا، وإلى أن يشاء الله تبارك وتعالى - من توحيده للصف المسلم الذي ينبني أساسًا على نبذ جميع أشكال التفرقة من عنصرية واجتماعية وقبلية وقومية وجنسية، فلا فرق في هذا الموقف المهيب وفي هذه الفريضة المباركة بين غني وفقير، ولا وضيع وعظيم، ولا صغير وكبير، إلا بالتقوى والعمل الصالح، فملابس الإحرام واحدة والبيت واحد، والكل يخرجون من الأوطان ويفارقون الأهل والأحباب ويتركون الدنيا وزخارفها، مساواة بلا أدنى تفرقة بين يدي هذا الموقف المشهود.
فما أعظم دور الحج في تربية النفس البشرية وتدريبها على معاني العبادات الحقة والطاعة الصادقة، والتجرد من زينة الدنيا ومتاعها، وفيما يلي وقفات تربوية سريعة من أعمال الحج المباركة.
التجرد:
إن المقصود الأسمى من هذه الشعيرة هو تواصلنا مع الله I، ويتمثل في البعد عن الشهوات والتوقف عن الملذات والاقتصار على الضرورات.... فقط نكون متجردين لله سبحانه في جميع الحركات والسكنات، ثم يأتي بعد فهم مقصود الحج الاشتياق إلى البيت الحرام بيت الله الأول في الأرض، فقاصد البيت، قاصد إلى الله U وزائر له... يتمنى النظر إلى وجه الله الكريم في الآخرة كما وفقه الله تعالى إلى النظر للكعبة المشرفة، ثم يعزم وهو يفارق الأهل والأحباب على هجرة الشهوات والابتعاد عن الملذات، فهو متوجه إلى بيت الله U، فليعظم الله U، وليعظم في نفسه مكانة البيت، وليخف من رب البيت ويخشه وليعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره... وأن من طلب عظيمًا خاطر بعظيم.
رد المظالم والتزود بالتقوى:
ثم ليبدأ أيضًا برد المظالم والحقوق إلى العباد ويتوب إلى الله تعالى توبة خالصة من جملة المعاصي التي ارتكبها ويترك وصيته لأهله ولأولاده، متوقعًا أنه قد لا يعود... وكأنه مسافر للآخرة... وعند تزوده بالطعام والشراب وإعداد لزاده كاملًا يحرص على أن يطلبه من موضع حلال وليتذكر أن زاده الأول هو التقوى، وكذلك عند شرائه لملابس الإحرام ليتذكر وجه الشبه بين ثياب الإحرام وثياب كفنه ولفه فيها وليستحضر الخشوع والخوف من لقاء الله U.
هجرة إلى الله:
وعند خروجه من بلده وتوديعه لأهله وأحبابه ليعلم أنه متوجه إلى الله تبارك وتعالى في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا، ويجمع نيته في قلبه وينوي الخير وماذا يريد بسفره وتوجهه بالزيارة إلى ملك الملوك، ويدعوه أن يتقبله في الزائرين المقبولين، إذ إنه مهاجر إلى الله U، ولا يبتغى إلا وجه الله سبحانه: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ﴾ (النساء: ١٠٠).
بين الرجاء والخوف:
ثم إذا جاء وقت الإحرام والتلبية يعلم أنه بداية الأمر ومحل الخطر... فيجب أن يكون بين الرجاء والخوف مترددًا، يرجو أن يكون عمله مقبولًا، ويخشى أن يقال له: لا لبيك ولا سعديك، وألا يقبل الله عمله فقد ورد عن سفيان بن عيينة أنه قال: حج على بن الحسين y، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي فقيل له: لم لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يقال لي لا لبيك ولا سعديك. فلما لبي غشي عليه ووقع عن راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه.
عند دخول مكة ورؤية الكعبة:
أما عند دخول مكة المكرمة فليتذكر أنه قد أكرمه الله بالوصول إليها آمنًا... فيدعوه أن ينجيه من عقابه في الآخرة... وليخف ألا يكون أهلًا للمغفرة، وإذا وقع بصره على البيت فينبغي عليه أن يستحضر عظمة البيت في قلبه ويتذكر مشاهدة رب البيت في الآخرة لمن أحل عليه رضوانه وتقبل منه... فليدع الله تعالى أن يرزقه لذة النظر إلى وجهه الكريم كما رزقه النظر إلى بيته العظيم.. وليشكره على أن بلغه هذه المنزلة والحقه بزمرة الوافدين عليه.
أحوال الحج دليل على أحوال الآخرة ومراحلها.
الطواف والسعي:
وإذا طاف بالبيت ليعلم أنه في صلاة وأنه بطوافه هذا متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش... ولا يعتقد أن المقصود بالطواف الجسد فقط... بل المقصود طواف القلب بذكر رب البيت وتذكر الآخرة والدعاء بالقبول... أما إذا استلم الحجر فليعلم أنه بذلك قد بايع الله تبارك وتعالى على طاعته وامتثال أمره، فليصمم وليعزم على الوفاء بتلك البيعة، وإذا سعى بين الصفا والمروة فعليه أن يتذكر أنه يتردد بين كفتي الميزان في عرصات القيامة وأن يمثل الصفا بكل الحسنات والمروءة بكل السيئات منتظرًا رجحان الحسنات ومتخوفًا من السيئات.
الوقوف بعرفة: أما عند الوقوف بعرفة، فإن هذا الموقف بحق يشبه إلى حد كبير موقف الآخرة، حيث ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات واختلاف اللغات فليتضرع وليبتهل إلى الله أن يحشره في زمرة الفائزين المرحومين، وقيل: إن من أعظم الذنوب أن يحضر المرء عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له، حيث إن غاية الحج ومقصود هو اجتماع جميع هؤلاء التائبين من كل البلاد لطلب مغفرة الله ورحمته ودعائه والتوبة والرجوع إليه والبكاء المستمر طلبًا لرحمة الله تبارك وتعالى... بعد اجتماعهم جميعًا في وقت واحد على صعيد واحد للفوز برضوان الله.
العبرة بالقبول:
يروى عن على بن موفق قال: حججت سنة، فلما كان ليلة عرفة تمت بمنى في مسجد الخيف، فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر، فنادى أحدهما صاحبه يا عبد الله، فقال الآخر لبيك، قال تدري كم حج بيت ربنا U في هذه السنة؟ قال: لا أدري قال: حج بيت ربنا ستمائة ألف أتدري كم قبل منهم؟ قال: لا، قال: سنة أنفس قال: ثم ارتفعا، فغابا عني، فانتبهت فزعًا واغتممت غمًا شديدًا وأهمني أمري، فقلت: إذا قبل حج ستة أنفس، فأين أكون أنا في ستة أنفس؟ فلما أفضت من عرفة قمت عند المشعر الحرام، فجعلت أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم فحملني النوم، فإذا الشخصان قد نزلا على هيئتهما، فنادى أحدهما صاحبه وأعاد الكلام بعينه، ثم قال: أتدري ماذا حكم ربنا عز وجل في هذه الليلة؟ قال: لا، قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف، قال: فانتبهت وبي من السرور ما يجل عن الوصف.
رمي الجمار وذبح الهدي:
وعند رمي الجمار عليه أن يقصد الانقياد للأوامر الإلهية ويظهر الرق والعبودية لله U، من غير حظ للعقل أو النفس فيه، وعليه أن يقصد به أيضًا التشبه بأبينا إبراهيم - u - حين أمره الله U أن يرمي إبليس اللعين بالحجارة طردًا له وقطعًا لأمه، أما عند نبح الهدي فعليه أن يدعو الله أن يعتق جسده من النار وأن يتقبل منه هديه....
زيارة قبر الرسول ﷺ:
فإذا انتهى وفك إحرامه واغتسل وتوجه للمدينة فليتذكر أنها البلد الذي اختاره الله تعالى لنبيه وشرع إليه هجرته... وليتمثل في نفسه مواقع أقدام رسول الله الله عند تريده فيها وتصور خشوعه وسكينته وحبه للمدينة وأهلها وإذا قصدت - أيها الحاج - زيارة قبره فاستشعر في قلبك تعظيمه وهيبته وتمثل صورته في خيالك ثم سلم عليه واعلم أنه عالم بحضورك وتسليمك.
وفي نهاية المطاف، لا تغفل أبدًا في كل لحظة من لحظات رحلتك عن تذكر أمور الآخرة في كل شيء مما تراه فإن كل أحوال الحج دليل على أحوال الآخرة.
- لمحات إيمانية في الرحلة المباركة
عبد الله رمضان
من قديم الزمان ويرتبط الإنسان بالمكان الذي ينشأ فيه، يألفه ويحبه ويذود عنه بكل ما يملك، فما بالنا بالمكان الذي تخيره الرحمن وأضفى عليه من القداسة ما يجعله حرما آمنا وبيتا مطمئنًا؟!
لا بد وأن ترتبط به النفوس وتتعلق به الأفئدة، وتهفو إليه الأرواح، وتتطلع إليه الأبصار، طمعًا في رضا الله وشوقًا إلى لقاء حبيبه ومصطفاه.
ومنذ أن أمر الله إبراهيم u بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27)، وبيت الله الحرام مقصد لكل راغب وملاذ لكل عابد. وقد أجاب الناس داعي الله، فكانوا وما زالوا، وسيظلون يعبرون الصحاري ويقطعون الوديان، وتحفر أرجلهم التلال، وتطير بهم أشواقهم فوق الجبال والبحار، تسبح بهم في جنة من الأحلام على أمل اللقيا تنتهي بهم إلى جنة من الدموع والأفراح في رحاب الله وقدسه ببيته الحرام.
ويخاطبهم من لم يستطع الرحيل معهم قائلًا:
يا حداة العيس مهلا فعسي | يبلغ الصب لديكم أملا |
أه من جسم غدا مستوطنا | وفؤاد قد غدا مرتحلا |
شعبة شرقا وأخرى مغربا | من لهذين بأن يشتملا |
ثم يحطون رحالهم، ويلتمسون مبتغاهم وترتفع الأصوات بتلبية تمتد عبر الزمان فيتراءى فيها خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل وهما يرفعان أيديهما إلى الله بالدعاء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (البقرة: 127-129).
ويطوفون حول البيت تختلط دموعهم بدعواتهم وتنسال عبراتهم أنهارًا تجري ندما على ما كان من خطايا وآثام، فيطهرها ماء الندم، ويغسلها ماء زمزم ويغفرها رب أكرم. ويلمسون الحجر الأسود فيقع ملمسهم موقع يد خليل الله إبراهيم ويتلاقى مع كف رسول الله محمد الله الذي حمله ويعطفون عليه يقبلونه بأفواههم فتقع موقع في رسول الله، فيزدادون بركة وطهارة ونقاء، وقد روي عن ابن عباس - y قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم»... ويؤدون المشاعر فتتراءى صورة هاجر وابنها إسماعيل أمام أعينهم فتملا معاني الصبر والتسليم لله أنفسهم، ويتعلمون درس التضحية والفداء بالنفس والنفيس في سبيل الله، كل موضع له معنى وكل موقع به ذكرى وكل أمر فيه حكمة.
الكعبة، الحجر الأسود، مقام إبراهيم، حجر إسماعيل، زمزم الصفا والمروة عرفات، رمي الجمرات النحر، مسجد الرسول البقيع كلها مزارات ومشاعر وأوامر لله ومن الله وفي سبيل الله I يعلم حكمتها، وهم يعلمون طريقها وطريقتها وهيئتها، ولا يعرفون سوى أن يقولوا في صوت واحد تنوعت لهجاته، وتعددت نغماته، وتفاوتت نبراته لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.
فتهتز الدنيا وترتج الجبال وتخر القلوب خشوعا لله رب العالمين، وتتجلى مهابة البيت العتيق في النفوس فلا تملك إلا أن تدعو بدعاء النبي r: اللهم زد بيتك هذا تشريفًا، وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة ورفعة وبرا، وزد يا رب من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة ورفعة وبراء.
وتمر الأيام وتتعاقب الشهور والأعوام ويبقي هذا البيت العظيم الخالد رمزا للعبادة، وشعارًا للتوحيد، قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ (البقرة: 96-97).
مشاعر فياضة تلك التي تنتاب زائر بيت الله الحرام في حرم القداسة والجلال تسير الركبان من كل فج وحدب وصوب يحدوها الشوق وتطير بها فرحة اللقاء، الشوق إلى أداء فريضة الله في بيته ولقاء الحبيب المصطفى في مدينته المنورة حيث الحرم النبوي الكريم ومسجده الشريف وقبره الطاهر صلوات الله وسلامه عليه.
أمم شتى وشعوب مختلفة والسنة متعددة وألوان متباينة لا يربطهم فيما بينهم رابط لكن جمعهم بيت الله على دين الإسلام برباط الإيمان ونظمهم في عقد التوحيد فارتفعت الأصوات بالدعاء: لبيك اللهم لبيك.
والتوحيد: لبيك لا شريك لك لبيك.
والتحميد: إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك.
فما أعظمها من رحلة، ما أجزل عطاءها وأحسن جزاءها، وصدق رسول الله ﷺ: والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل