; القوة العسكرية الأمريكية تتقهقر | مجلة المجتمع

العنوان القوة العسكرية الأمريكية تتقهقر

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000

مشاهدات 62

نشر في العدد 1386

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 01-فبراير-2000

56% من جيش المتطوعين يقتربون من سن الكهولة

ودخول الشواذ الجيش يهدد بتسريب الأسرار العسكرية 

من بين مئات الأفلام التي تنتجها هوليود سنويًّا كانت نسبة الربع تقريبًا (حتى منتصف التسعينيات) تنصب على العداء مع الاتحاد السوفييتي القديم والكتلة الشرقية الشيوعية، إلا أن هذه النسبة تحولت مع انهيار الشيوعية وتحديدًا في أواخر التسعينيات لأفلام تركز على العنف داخل المجتمع الأمريكي والعصابات الإجرامية التي يصل بها الأمر لحد سرقة أسلحة نووية وتهديد مدن أمريكية بأكملها، واللافت أن أغلب من يقومون بذلك في هذه الأفلام هم ممن يعتنقون أفكارًا غريبة وشاذة، ولا يعكس هذا العنف الموجود في الأفلام ارتفاع منسوب العنف والتدمير في فكر شريحة كبيرة من الأمريكيين بقدر ما يعكس حالة الانفجار الداخلي وتزايد عوامل الاشتعال والتدمير الذاتي الداخلي نتيجة انهيار الأخلاقيات والمثل، وحلول قيم فوضوية محلها داخل المجتمع الأمريكي بدءًا من انتشار الشذوذ الجنسي - الذي سمح به رسميًّا عام ۱۹۹۳م داخل الجيش الأمريكي - وجرائم اغتصاب الأطفال (11% وفقًا لأرقام التسعينيات), ومرورًا بانتشار المخدرات وتزايد التفكك الأسري وانتهاء بالانهيار الكبير المتوقع الذي بدأت تظهر بوادره داخل الجيش الأمريكي.

بعبارة أخرى تزايدت الألغام التي تحزم المجتمع الأمريكي من كل الجوانب وتنتظر الفرصة اللازمة لانفجار لا يبقي ولا يذر قد يأتي على القوة الأولى في العالم للحد الذي دفع صحف ومجلات ومراكز أبحاث أمريكية لأن تناقش لأول مرة تزايد عوامل الانهيار داخل المجتمع الأمريكي وصدور دراسات عنها تؤكد أن هذا الانهيار سيطول كل شيء في الولايات المتحدة بما في ذلك قوتها العسكرية التي تحميها من الخارج وتعد بمثابة ذراع التدخل في أي بقعة من بقاع الأرض، وقد وصل الأمر لحد اهتمام الأجهزة السيادية الأمريكية مثل البيت الأبيض والكونجرس وجهاز الأمن القومي بمتابعة هذه التقارير والدراسات الاجتماعية والعسكرية في محاولة لوقف هذا التدهور.

وخطورة الأمر تزداد أكثر إذا علمنا أن هناك مخاوف أمريكية من تحلل مشابه لما حدث في الاتحاد السوفييتي ليس بسبب التدهور الاقتصادي رغم حدوثه بالفعل، ولكن بسبب التدهور في قيم المجتمع وانهياره من الداخل كما حدث للإمبراطورية الرومانية التي لم تهزم من الخارج بقدر ما نخرت فيها عوامل التحلل الأخلاقي والاجـتـمـاعـي الداخلية، بل إن بعض الحوادث مثل كشف جواسيس أمريكان يعملون لقوى خارجية ويسربون لها أسرارًا تكنولوجية معينة لفت نظر الأمريكان للتمييز الحاصل داخل مجتمعهم ضد الأقليات وعدم صهر بعض الفتات داخل مجتمعهم، بل ووجود خطر حقيقي حتى من جانب بعض الولايات الجنوبية التي لا تزال ساخطة على النظام الفيدرالي وتود الاستقلال ببعض السياسات أو الانفصال بها والتعامل بشكل مستقل مع العالم الخارجي. وكلها عوامل تولد خوفًا بين الأمريكيين رغم أنها لا تبدو ظاهرة على السطح.

الانهيار العسكري

في عام ١٩٩٥م نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريرا تحت عنوان «الجيش الأمريكي يفقد لياقته واستعداده للقتال.. والجنود يتساءلون: من نحارب ولماذا؟» نقلت فيه عن جنود وضباط أمريكيين قولهم إنهم لم يعودوا يعرفون عدوهم الذي يطالبهم قادتهم بالتدريب لقتاله! وأنهم غير مقتنعين بعمليات التدخل في الأراضي الخارجية وقتل أنفسهم.. في الصومال أو البوسنة وغيرهما، ويريدون معرفة الهدف من أي حرب كما أن بعض المتطوعين بدءوا يرفضون تجديد فترة تجنيدهم، والأهم أن الجميع كان ساخطًا على تخفيض تكاليف التدريبات ومخصصاتهم المالية كذلك، وقد اعترف وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت وليم بيري بأن هناك على الأقل ثلاث فرق من فرق الجيش الأمريكي الـ ١٢ لا تتمتع بالجاهزية القتالية وهو ما يعني أنها غير قادرة على تنفيذ أي مهام حربية قد تسند لها، والأخطر أن تقارير المخابرات العسكرية الأمريكية حذرت من دخول عوامل جديدة غير صحية على نظم الجيش مثل السماح للشواذ بقرار من الرئيس كلينتون بدخول الجيش مع ما قد يترتب على ذلك من أخطار بتسريب أسرار عسكرية أو تجنيدهم، إضافة لتفشي ظاهرة اغتصاب المجندات وحتى الضابطات داخل الجيش بدرجة غير عادية رغم عدم الإبلاغ عن معظم الحالات.

أيضًا بدأت صحف ومجلات الجيش الأمريكي تنشر انتقادات غير عادية للسياسات الدفاعية ووصل الحال لنشر ضباط موضوعات في مجلة الجيش الأمريكي «أدفانس» ومجلة قوات المارينز «جازيت» تنتقد عدم وضوح الأهداف التي يذهبون للحرب خارج بلادهم من أجلها تحديدًا منذ نهاية الحرب الباردة وتلفت الانتباه إلى الذعر العسكري الأمريكي من أي مواجهة حقيقية على الأرض، فقد أدى سقوط ۱۸ جنديًّا أمريكيًّا على أرض الصومال لسحب كل القوات الأمريكية من هناك وقبلها أدى سقوط ۳۰۰ جندي قتيل في لبنان بنسف مقر إقامتهم لإنهاء الوجود الأمريكي في لبنان. كما وضعت دراسات لنقل الوجود الأمريكي من الخليج وطرح في هذا الصدد العودة لمنطقة شرق إفريقيا القريبة من الخليج وتحديدًا في مثلث أثيوبيا وأريتريا وجيبوتي، بيد أن وجود قوة إسلامية تحكم السودان عرقل هذه الخطط حتى الآن دون أن تتوقف المحاولات الأمريكية لقلب حكم السودان الذي - حسبما تقول سوزان رايتس مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية يربك الخطط الأمريكية في المنطقة ويؤثر عليها.

ويبدو أن المخاوف من انفجار يهدد المؤسسة العسكرية الأمريكية التي تفرض هيمنتها وسطوتها على رقعة واسعة من الكرة الأرضية شرقًا وغربًا ما زالت مسيطرة؛ فالإنهاك وضعف المرتبات وانخفاض الروح المعنوية لدى الجنود أصبحت جميعها من المشكلات التي تهدد بانهيار المؤسسة الضخمة التي ما زالت تعتمد على الصورة المهيبة التي رسمتها لها الشعوب. 

فقد كشفت دراسة إستراتيجية مهمة أعلنت نتائجها منتصف يناير الجاري أن الروح المعنوية لدى الجنود الأمريكيين قد وصلت إلى أدنى حالاتها في الوقت الذي وصل فيه الاستعداد القتالي والتجهيزات العسكرية للقوات والأسلحة المختلفة أيضًا إلى حالة متردية لم تحدث من قبل.

وقال تقرير أصدره مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية ومقره في واشنطن إن الروح العسكرية للجنود قد وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال فترة بسيطة وهو ما سيكون له تأثير قوي على أداء هؤلاء الجنود إذا ما كلفوا بمهام قتالية.

وقد جاء هذا التقرير الذي صدر تحت عنوان «الثقافة العسكرية الأميركية في القرن ۲۱» ثمرة تحقيق استمر عامين وشمل ۱۲ ألف عسكري أميركي في العالم إضافة إلى نتائج ١٢٥ اجتماعًا عقدها خبراء تابعون للمركز، وأوضحت الدراسة أن نظرة سريعة على المعلومات المتاحة حول أوضاع الجنوب داخل الجيش تظهر بصورة واضحة اهتزاز الحالة المعنوية للجنود بسبب الظروف الصعبة التي يعيشون فيها، وقالت إن على رأس هذه الظروف الصعبة لجوء الحكومة الفيدرالية الأمريكية بصورة غير مسبوقة إلى الاعتماد على القوات المسلحة للقيام بمهام مدنية، والإيقاع السريع والمنهك للعمل داخل القوات المسلحة الأمريكية. 

وأضافت الدراسة أن الجنود يعانون من تبدل المهام التي يطالبون بالتدريب عليها وهو ما يسفر عن ضعف مستوى التدريب القتالي وعدم قدرة الجنود على مواكبة التطورات التكنولوجية في المجال العسكري التي تتقدم بإيقاع متسارع، كما أنهم في آخر الأمر كذلك يعانون من ضغوط شديدة لإغراءات المجتمع المدني الذي يعيشون فيه.

 ورغم إشادة الدراسة بالدور الذي لعبه المتطوعون في الجيش الأمريكي قائلة إن هذا الجيش يعتبر رغم كل شيء الأفضل في تاريخ الولايات المتحدة من حيث النوعية، إلا أنها قالت إنه لا بد من تخفيف الأعباء عنه، مشيرة إلى أن تعداده قد وصل إلى أدنى مستوى له منذ ٤٠ عامًا في حين يوجد بين عناصره 56% من المتزوجين الذين تقترب أعمارهم من سن الكهولة، وهي نسبة أكبر مما هي عليه في الجيوش التي تعتمد على التجنيد الإجباري، وإذا أضفنا إلى ذلك أن هؤلاء «الكهول» يكلفون بمهام منهكة بشكل مستمر ويحصلون على رواتب لا تفي باحتياجاتهم اليومية والمنزلية لأصبح واضحًا السبب وراء انخفاض الروح المعنوية في الجيش.

واعتبرت الدراسة أن الالتزامات المتزايدة التي تم تحميلها على كاهل العسكريين ضمن إطار عمليات حفظ السلام في العالم والتي تتحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر منها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي قد ساهمت في التأثير بشكل سلبي على القدرات القتالية للجيش، وأشارت إلى أن الاستخدام المتزايد للعسكريين الأميركيين في مهام غير تلك المتعلقة بالحرب تؤدي إلى التشكيك في الهيئة العسكرية الأمريكية التي يعتبر الإعداد للقتال أبرز «مسؤولياتها»، وحذرت من الإساءة إلى «روح المهنة» التي تقوم على الاستعداد الدائم للقتال، مشيرة إلى أن العديد من العسكريين يتركون الجيش متوجهين إلى قطاعات أخرى أكثر ملاءمة من جهة الرواتب والضمانات الاجتماعية والعائلية والتقاعد، ومن الواضح أن هذه المخاوف لا تصل لحد الحديث عن انهيار وشيك في القوة الأمريكية ولكنها تؤكد أن عوامل الهزال بدأت تظهر على هذا المارد الأمريكي وهو أمر يسبب في حد ذاته خوفًا للأمريكان خصوصًا أن هناك قوى عالمية أخرى في صعود متزايد، ويكفي ذكر الصين التي بدأت تلملم شعث أراضيها التي قسمها الاحتلال الغربي في القرن قبل الماضي وتتقدم بشكل منتظم للصفوف الأولى.

الرابط المختصر :