العنوان مذكرات مناحم بيجن: فلسفة القوة أو جذور الصهيونية (٢-٦)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 20-يناير-2007
مشاهدات 74
نشر في العدد 1735
نشر في الصفحة 36
السبت 20-يناير-2007
- رؤية بيجن للسلام وحدود الدولة الصهيونية تقوم على ما تحققه القوة بالنسبة لليهود ولا يعترف إلا بـ «سلام القبور».
- من أقواله: إن الحل الخلقي الأمثل هو تفريغ الأرض من الفلسطينيين «الغزاة» !! بكل الطرق والوسائل... فالغاية تبرر الوسيلة.
«لقد ظهر فلادمير جابوتنيسكي، فعلم جيلًا كاملًا أن يقاوم وأن يكون مستعدًا للتضحية مستعدًا للتمرد مستعدًا للموت». وانطلاقا من هذه الفلسفة، فإن رؤية بيجن للسلام وحدود الدولة الصهيونية تقوم على ما تحققه القوة بالنسبة لليهود «إن الأسلحة العبرية هي التي ستقرر حدود الدولة العبرية. ولا يمكن أن نشتري السلام من أعدائنا بالمفاوضات. فهناك نوع واحد من السلام يمكن أن يشترى .. هو «سلام القبور.«
نعم.. سلام القبور هو زبدة الفكر الصهيوني القائم على العنف والقهر المفاوضات لا تصنع سلامًا، وإنما السلاح هو الذي يصنع السلام، وهو ما يفسر فشل المفاوضات السرية والعلنية بين العرب واليهود على مدى نصف قرن من الزمان.
ولعل منهج القوة الذي يؤمن به اليهود في فلسطين كان دافعًا إلى أن يكون من أساليب السياسة الصهيونية ربط العمليات العسكرية بالادعاءات التي تفسرها وتؤولها بناء على تصورات «بيجن» إن الديماجوجية هي طابع التفسير أو التأويل الذي يقدمه عوضًا عن الإجرام الذي يقترفه ضد الغير أو من يسميهم الأمميين أي غير اليهود.
ولذا كان حريصًا على أن يفسر إزاحة الشعب الفلسطيني ليحل مكانه الشعب اليهودي بالتبشير بما يسميه الإبادة الممتدة حيث يقول: لا يمكن إبادة شعب مدني بأسره في آن واحد، حتى لو كان عدد هذا الشعب بضع مئات من الآلاف فقط، لا بد لذلك من حملة إبادة ممتدة.
وهو يرتب على ما سبق ضرورة تفريغ فلسطين من أهلها : «إن الحل الخلقي الأمثل هو تفريغ الأرض منهم. أي العرب الفلسطينيين «الغزاة» كما يصفهم بكل الطرق والوسائل.. فالغاية تبرر الوسيلة.
في مجال التأويل أو التفسير لجرائمه لا يجد مناحم بيجن غضاضة في الاستعانة ببعض نصوص التوراة فها هو يقتبس من « سفر الخروج» نصًا ليسوغ به مجزرته في دير ياسين يقول النص: «فإني أدفع إلى يديك سكان الأرض فتطردهم من أمامك ولا تقطع معهم ولا مع آلهتهم عهدًا. ولا يسكنون في أرضك لئلا يجعلوك تخطئ».
إنها سياسة الترانسفير التي تتحدث عنها الأحزاب اليمينية في الكيان الصهيوني الآن، ويوافق عليها آخرون هناك، وإن لم يعلنوا عن هذه الموافقة.
إن «مناحم بيجن» يخلص في تفسيراته وتأويلاته إلى سلامة تصرفاته وصحة سلوكه حتى لو كان إجرامه واضحًا وفعله مشينًا، إن منطق الغاية تبرر الوسيلة يجعل كل شيء أمامه مباحًا لذا لا يكف عن الإشادة بتمرده أو ثورته أو حربه ضد الإنجليز والفلسطينيين معًا.
إن تاريخ التمرد وانتصاراته سوف يرشدنا في المستقبل المجهول، وسوف يعلمنا ألا نيأس حتى في ظروف استعبادنا، لأن الأمة المستعبدة المشتتة المنهزمة التي تقف على شفا الهلاك السحيق تستطيع أن تقاوم بالتمرد ضد مصيرها وهكذا تعود إلىالحياة من جديد، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة الضعيف ضد القوي المطارد والمعزول المنبوذ والمهجور. ماذا عن كل أولئك؟ لا أسلحة؟ إن الأسلحة يمكن إحرازها من الأعداء إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك، لا قوات؟ بل يمكن أن تشكل القوات لا استعدادات؟ إن الكفاح نفسه سوف يتعهد التعليم والتدريب والاستعداد إن همة الإنسان وحدها هي التي يجب أن تكرس نهائيًا للمثل الأعلى، وينبغي له أن يكون مستعدًا لتقديم حياته من أجله ولعل ذلك أن يكون هو الشرط الوحيد، وأما ما عداه فإنه يأتي تلقائيًا. إذا كانت تحب الوطن وتعشق الحرية، فإنك ولا شك سوف تجد الحديد الذي تصنع منه الأسلحة لكفاحك..
يري بيجن أن هذه حكمة التمرد التي عرفتها كل الشعوب المتحررة، ويوصي شعبه بالأخذ بها ولعلنا نحن العرب في حاجة ماسة إلى الأخذ بها قبل أي شعب آخر فأصحاب الحق أجدر بالأخذ بحكمة التمرد قبل الأدعياء الذي يستنطقون أساطير جرت في الزمن السحيق ويرتبون على أساسها حقوقًا ليست لهم، ولن تكون.
يبقى في هذا السياق أن نشير إلى حرص بيجن على وحدة المقاتلين أو المحاربين اليهود لقد أشار إلى ذلك مرارًا في ثنايا التمرد، وإن كانت المسألة فيما يبدو أقرب أو هي بالفعل إلى توزيع للأدوار في لعبة الصراع محليًا وإقليميًا ودوليًا.
لقد انتقد الزعماء والساسة اليهود في الوكالة اليهودية والعصابات اليهودية الأخرى. وخاصة الهاجاناه، ولكنه ظل حريصًا على الالتزام بخط اتصال دائم مع قادة الغزو اليهودي لفلسطين، بل إنه مع شدة انتقاداته وحملاته سجل اتفاقًا سريًا تم توقيعه بين الأرجون والهاجاناه يتكون من ست مواد تحدد المناطق التي تخضع فيها الأرجون لقادة القطاعات، وعدم نزع أسلحة الأرجون، وعمليات مصادرة الأموال في بعض المناطق، وخضوع مناطقالهجوم لخطط الهاجاناه....
ومن المؤكد أن «مناحم بيجن»، وهو يحكي قصة الأرجون كان يمتلك قدرًا هائلًا من النرجسية والغرور والاستعلاء، لا مثيل له ويبدو أن هذه خصائص معظم القادة اليهود حين يتكلمون عن أنفسهم، ولا ريب أن بيجن يتمتع بالنصيب الأوفى منها، ويساعده على ذلك قدرة واضحة على التعبير والمرافعة، ولعله اكتسب هذه القصة من دراسته القانونية وحبه للمحاماة التي يمارسها بسبب انضمامه لمنظمة بيطار، وخروجه من بولندا .. إن بيجن لديه حس أدبي واضح وبلاغة ملحوظة، وقدرة على التصوير والتشبيه فضلًا عن آثار ثقافة تاريخية وأدبية، وهو قارئ لبرنارد شو وآخرين.
إن الصفحات الخمسمائة التي كتبها «مناحم»، وتعني «جابر القلب». يصعب الإلمام بها فكل صفحة بل كل سطر بل كل جملة في التمرد، وراءها مغزى ومعنى ولعلنا نلمح شيئًا من ذلك بالإشارة إلى بعض القضايا التي ارتبطت بمناحم بيجن أو كان طرفًا أساسيًا فيها، فهي تكشف طبيعة الفكر والتصور والسلوك التطبيق لديه ولدى الصهاينة، ولدى الكيان الصهيوني.
يلاحظ أن «بيجن» يركز في وصف كفاحه أو إرهابه على مواجهة الجيش البريطاني دون الفلسطينيين وهو ينظر إليهم وإلى العرب بصفة عامة نظرة دونية، ويعدهم معتدين تساعدهم بريطانيا أو يعملون لحسابها !! وهم غزاة يسعون إلى الاستيلاء على أرض إسرائيل كما يسميها، ويرى في قرارات الأمم المتحدة القاضية بتحديد هجرة اليهود أو تقسيم فلسطين قرارات جائرة ترفضها الأرجون أو حركة المقاومة والوكالة اليهودية وفي كل الأحوال فإنه يرى أن أرض إسرائيل تتجاوز قرار التقسيم إلى الضفة الغربية، حيث نهر الأردن، ويعتقد العاصمة الوحيدة أن القدس هي الموحدة للشعب اليهودي منذ آلاف السنين وإلى الأبد كما يرى في دعاة الصهيونية الآخرين انهزاميين يسعون إلى أنصاف الحلول ويهجو في مواطن كثيرة «دافيد بن جوريون» و«الهاجاناه» وجبهة تحرير إسرائيل ويعدهم سياسيين لا يدركون حقائق الأمور، ولا يعرفون كيف يتحرر الشعب اليهودي، ويستخلص أرض الميعاد.
وهو في النهاية يرى نفسه الصانع الحقيقي لدولة إسرائيل.. ومن ثم فإن الحوادث التي ارتبطت باسمه ولها عنده الكثير من المسوغات والأسباب التي تجعلها مشروعة وضرورية ومقبولة إنه منهج «ميكافيلي» الغاية تبرر الوسيلة مع إصراره على أن الوسيلة لا تجافي القانون ولا الأخلاق فضلًا عن الدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل