; صفحات من تاريخ الغرب المظلم (٢) من (٢) محاكمة السحرة.. و«فنون» التعذيب السادي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من تاريخ الغرب المظلم (٢) من (٢) محاكمة السحرة.. و«فنون» التعذيب السادي

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2007

مشاهدات 56

نشر في العدد 1763

نشر في الصفحة 26

السبت 04-أغسطس-2007

بدلًا من أن تصبح الكنيسة منبع خير ورحمة للشعب كانت منبع الظلم والعذاب والآلام.

عقيدة انتقال الخطيئة من الآباء إلى الأبناء قتلت آلاف الأطفال بلا ذنب.. بقص شرايينهم.

القتل والتعذيب عقيدة الغرب منذ طفولته الحضارية.. حتى أبو غريب وجوانتانامو.

الحرق على نار هادئة أو فسخ الجسم وسائل قتل الفقراء.. أما قطع الرأس بالفأس فللنبلاء والأغنياء.

هذا نموذج من هذه المحاكمات المضحكة المبكية، وهي محاكمة السيدة Michee Chauderon عام ١٦٥٢م في مدينة جنيف. وهي في الخمسين من

عمرها واتهمت بأنها سحرت بنتا اسمها Pernette Royaume وهي بنت سيدة تدعى Elizabeth Royaume وذلك بتسليط الجن عليها.

جرت المحاكمة في ٤ مارس ١٦٥٢م واستمرت شهرًا واحدًا، بدأت المحاكمة

بسؤال:

- لماذا أنت هنا؟

- خضوعا للعدالة.

وتكرر السؤال نفسه، فكان الجواب.

- لأنني متهمة بالإساءة إلى إبنة السيدة إليزابيث.

- هل تعتقدين بأن الشيطان قد سيطر عليها؟

- هكذا قيل لي، ولكن لا دخل لي في هذا الأمر.

وفي ١٠ مارس قدم الأطباء تقريرهم. حول فحص هذه السيدة المتهمة تضمن الفحص إدخال إبرة طويلة في أماكن مختلفة في جسمها، قدميت وشعرت بالألم من الإبرة، وكان هناك انتفاخ بحجم حبة العدس تحت ثديها الأيمن بثلاث أصابع. فأدخل الأطباء فيه إبرة بطول الإصبع حتى نهايتها فلم تشعر بأي ألم.. مما دعاهم إلى الشك بأن هذه الإشارة - أي الانتفاخ - شيء غير اعتيادي، وتدعو إلى الريبة.

ومع أن المتهمة أنكرت بأنها رأت الشيطان، إلا أنها أقرت بعد تعذيبها تعذيبًا شديدًا بأنها رأت شيئا ما... قالت: بأنها قبل سنة تقريبا ذهبت إلى غابة الإخوة - وهي غابة في ضاحية مدينة جنيف - وعند رجوعها كانت غاضبة قليلًا، ورأت ظلًا يمر بقربها وأنها قالت: ليحفظني الرب. فإن كانت هناك إشارة في جسدها فلا شك أن ذلك الظل هو الذي فعل هذا.

ماذا قال لك ذلك الظل؟

- لم يكلمني.

- لماذا كنت غاضبة؟

- لا أذكر.

- هل كنت قد شاهدت ذلك الظل من قبل؟

- كلا.

- هل وهبت نفسك للشيطان؟

- كلا

- وهل حاول ذلك معك؟

- كلا

- هل كان الظل كبيرا؟

- كان صغيرًا.

- ماذا قال لك ذلك الظل؟

- لا شيء.

- عندما رسم ذلك الظل إشارة في جسدك هل أحسست به؟

- كلا.

- وهل أحسست عندما رسم الإشارة على مقعدك؟

- كلا

وانتهت الجلسة فأرسلوها للتعذيب مرة أخرى، لأنها لم تقر بعدها بجرمها صراحة.

وعندما عادت كانت في حالة انهيار، لم تستطع إبداء أي مقاومة.

أعيدت عليها الأسئلة:

- لماذا كنت غاضبة؟

- أغضبتني امرأة.. ولكني لا أذكر الآن اسمها.

- كيف وهبت نفسك له؟

- قلت: وهبت لك نفسي.

- هل أشر على شفتك آنذاك؟

- نعم.

- هل حاول ذلك الروح الشرير حثك على اقتراف الشر بحق الآخرين؟

- كلا.

لم تكن أجوبتها هذه مرضية للمحكمة بشكل كاف. لذا أرسلت للتعذيب مرة أخرى.

بعد أن لاقت الويل من التعذيب أعيدت إلى المحكمة مرة أخرى. كانت مستعدة الآن القبول أي شيء يرضي المحكمة.. أعيدت عليها الأسئلة:

- هل حاول ذلك الروح الشرير حثك على اقتراف الشر بحق الآخرين؟

- نعم.

- هل أمرك الشيطان بقتل شخص؟

- نعم ولكنه لم يعين لي شخصًا.. حاول مرة أن يعطيني تفاحة. ولكني لم آخذها.

التعذيب أشنع من الموت

لم تكن هذه الأجوبة كافية في نظر المحكمة، ولكي تتحقق العدالة يجب أن تكون الاعترافات صريحة وواضحة، لذا أرسلت هذه المتهمة البائسة إلى التعذيب مرة أخرى.

ولم تتحمل أكثر فاعترفت على نفسها كذبًا - لكي تتخلص من التعذيب الذي هو أشنع من الموت - بأنها أخذت من الشيطان تفاحتين أعطت إحداها إلى تلك البنت والأخرى إلى امرأة أخرى.

وهكذا ثبتت عليها تهمة السحر وصدر القرار بإعدامها، حيث أعدمت في ٤/٦/ ١٥٥٢م ثم أحرق جسدها.

صور التعذيب

كانت هناك طرق وحشية للتعذيب تقشعر من هولها الأبدان منها:

- ربط الشخص على دولاب وجره في اتجاهين متعاكسين حتى يتمزق جسده إن لم يعترف ويموت.

- ربط الأصابع بالحديد وكسرها.

- حرق الأصابع بجمرات النار.

- حبس المتهم عاريًا في غرفة مفروشة بالجليد.

- وضع حديد بين الأظفر والأصبع وجر الأظافر وقلعها.

- جميع أنواع التعذيب بالنار.

- الكي بالحديد المحمر الساخن.

- حرق باطن القدم بالنار بعد دهنها.

وقد أصبحت مهنة التعذيب ومهنة الجلاد مهنة رائجة ومريحة، وبدأ الجلادون يتفننون في ابتكار صور التعذيب، كما كانوا لا يدفعون إيجار البيوت التي يسكنونها.

كما كانوا يبيعون أسنان وشعر ورماد الضحايا بأثمان جيدة، لأن الجماهير الجاهلة كانت تعتقد بأنها تشفي من الأمراض!!

الحرق يطهر روح الساحر

بعد إتمام الاعتراف كان يأتي دور التنفيذ - وكان يتم بالحرق عادة، حيث يوضع المتهم فوق أكوام الحطب ثم يتم إشعالها - وكان الاعتقاد الكنسي السائد أنذاك أن الحرق وحده هو الذي يطهر روح الساحر.

وكان التنفيذ يتم أمام الجمهور، وأحيانًا يرتب احتفال بتلك المناسبة، وكانت البلدية تدفع مصاريف هذه الاحتفالات.

وكان الحرق على أنواع: النوع الغالب هو جمع كومة كبيرة من الحطب ثم شد وثاق المتهم بعمود خشبي ثم إشعال النار، مثلما حدث في عملية إحراق جان دارك مثلًا.

وهناك طريقة أخرى أفظع، وهي طريقة الفرن: إذ كانوا يصنعون فرنًا خاصًا من الطابوق، وفوق الفرن أربعة تماثيل كبيرة مجوفة يوضع المتهم داخل إحداها، ويشد وثاقه، ثم يوقد الفرن. وهكذا يموت المتهم حرقًا ولكن ببط، مما يزيد من عذابه وآلامه ويشبع أيضًا الطبيعة السادية عند رجال الكنيسة ورجال المحكمة.

أو يوضع المتهم فوق عجلة دائرة، ويتم جره في اتجاهين متعاكسين حتى يتمزق جسد المتهم، أو يتم قطع رأسه بالفاس. وكان هذا خاصًا بإعدام النبلاء فقط.

وإذا كانت المرأة المتهمة بالسحر حاملًا فلا يغير هذا من الأمر شيئًا، ولا يؤخر التنفيذ حتى تلد المرأة، بل ينفذ الحكم فيها فتموت الأم ويموت معها وليدها الذي لم تسمح له المحكمة بحق الحياة لأنه ابن الساحرة!

وبالنسبة لأبناء وبنات الساحر أو الساحرة فيقتلون أيضًا دون أن يكون لهم أي

ذنب؛ ولعل هذا نابع من العقيدة الكنسية حول انتقال الخطيئة من الآباء إلى الأبناء. ويكون قتلهم بقص شرايينهم حتى ولو كانوا صغارًا، ويستثنى من هذا المصير من شهد ضد والده أو والدته ولكنهم لا يعفون من العقاب تمامًا بل ينفون من البلد.

ومن يدقق في تاريخ الغرب يعرف أنه تم حرق الآلاف من الأطفال والصغار بتهمة أن الشيطان دخل في علاقة جنسية معهم!

في أحيان كثيرة كانت قرية ما تفقد نصف سكانها بالإعدام حرقًا بتهمة السحر

ففي مقاطعة Neisse أحرق في تسع سنوات أكثر من ألف شخص بتهمة السحر بينهم أطفال بعمر ٢ - ٣ سنوات.

قصة أحدب نوتردام

وقبل أن ننهي هذه المقالة نورد الوصف الذي كتبه الكاتب الفرنسي المشهور فيكتور هيجو في روايته الشهيرة أحدب نوتردام The Hunchback of Notre Dame التي جرت أحداثها في باريس عام ١٤٨٢م حول محاكمة السحرة في باريس في ذلك العهد:

شابة غجرية اسمها «سميرالدا» اتهمت بأنها قتلت ضابطًا اسمه «فوبوس» - تبين فيما بعد أنه لم يقتل بل جرح فقط - وكان الجاني الحقيقي في تلك الحادثة كاهن الكنيسة المغرم بالغجرية، والذي كره الضابط لكون الفجرية تحبه، فأقدم على محاولة قتله بدافع الغيرة، أي أن الشابة الغجرية كانت بريئة، ولكن التهمة الأشنع الموجهة لها كانت بأنها تمارس السحر.

ففي نهاية الفصل ۲۳ من الرواية يجري الحوار الآتي بين رئيس المحكمة والمتهمة:

- هل تصرين على إنكار التهمة؟

- نعم أنكرها.

- كيف إذن تفسرين الوقائع التي تتهمك؟

- لقد أخبرتكم.. لا أعرف.. لا أعرف.. لا أعرف.. إنه الكاهن.. إنه الكاهن الذي يلاحقني في كل مكان فقال جاك شارلمو (وكيل المحكمة أي المدعي العام) نظرًا لهذا العناد المؤلم أقترح أن تطبق عليها أساليب التحقيق والتعذيب.

قال الرئيس: موافق.

واقشعر جسد الفتاة كله ونهضت وسارت يسبقها شارمو وكهنة محكمة التفتيش نحو باب فتح فجأة ثم أغلق عليها.

 

دفعت «أسميرالدا» إلى داخل غرفة مخيفة مستديرة الشكل بلا نوافذ. فلا نافذة في هذا الكهف، ولا مخرج له غير باب منخفض مصنوع من الحديد السميك. كان في الغرفة موقد تشتعل فيه نار عظيمة.

وكانت هناك ملاقط حديدية وكماشات وأعواد وأسياخ وأشكال أخرى وضعت في وسط الأتون الملتهب. وعلى الفراش الجلدي في وسط الغرفة كان يجلس «بطرس تورتارو» الجلاد ومساعدوه.

واقترب جاك شارلمو من الغجرية تعلو فمه ابتسامة رقيقة، وقال: يا طفلتي العزيزة.. هل ما زلت تصرين على إنكار التهمة؟

- أجابت: نعم.

إذن تفضلي وخذي مكانك فوق هذا الفراش.. معلم بطرس أخل للفتاة مكانها... أين الطبيب؟

فأجاب رجل بثوب أسود: إنني هنا. وتردد صوت وكيل المحكمة للمرة الثالثة:

هل تصرين على إنكار التهمة؟

فأشارت الفتاة برأسها.. نعم.. أنا آسف... لكن علي أن أقوم بواجب وظيفتي.

قال بطرس الجلاد فجأة بأي شيء نبدأ يا سيدي؟

فتردد شارلمو قليلًا ثم قال: بالحذاء الحديدي.

في هذه الأثناء قام مساعد و الجلاد بتعرية ساق الشابة بقسوة ووحشية بالغتين ودمدم الجلاد وهو يقول: إنها خسارة حقًّا، ثم لم تلبث أن وجدت قدمها حبيسة داخل الحذاء الحديدي فمنحها الرعب شيئا من القوة فصرخت ادفعوا هذا عني، الرحمة! وصرخت في ألم عنيف ونهضت في محاولة لكي ترمي نفسها تحت قدمي وكيل الملك ضارعة، ولكن قيودها الثقيلة حالت دون ذلك فانهارت فوق الفراش خائرة القوى.

وبإشارة من شارلمو أثبتت يدان غليظتان حول خصرها الرقيق حبلًا كان معلقًا في وسط السقف عندئذ سألها شارلمو:

- للمرة الأخيرة أسألك: هل تعترفين بالجرائم التي اتهمت بها؟

- إنني بريئة.

- إذن ابدأ يا بطرس

وأدار بطرس مقبض الرافعة فضغط الحذاء الحديدي فوق قدمها فأطلقت البائسة صرخة مذعورة.

فقال شارلمو: هل تعترفين؟

وصرخت الفتاة: بكل شيء.. أنا اعترف.. الرحمة.. الرحمة!

فقال وكيل الملك: ترغمني عاطفتي الإنسانية على أن أخبرك بأن اعترافك يعني الموت الذي تنتظرين.

- أرجو ذلك.

ثم هبطت فوق الفراش الجلدي، معلقة - شبه ميتة - بالحزام الجلدي الذي ربط حول خصرها - كان واضحًا أن روحها، بل كل شيء فيها قد انهار وتحطم.

فقال شارلمو: اكتب أيها الكاتب.

ثم توجه إلى الجلادين فكوا وثاق السجينة واحملوها إلى قاعة المحكمة.

ثم التفت إلى أعضاء المحكمة الكنسية وقال: لقد استبانت العدالة أخيرًا سبيلها.

هكذا كانت العدالة تتحقق في الغرب طوال المئات والمئات من السنين.. وبدلًا من أن تصبح الكنيسة منبع خير ورحمة للشعب كانت منبع الظلم والعذاب والآلام.

سادية الغرب ما زالت مستمرة

لذا فمن يستغرب قيام الاحتلال الأمريكي بتطبيق أقسى أنواع التعذيب في سجن أبو غريب وفي معتقل جوانتانامو مع أن أمريكا تمثل قمة الحضارة الغربية، أو قيام الاحتلال الفرنسي بقتل أكثر من مليون ونصف المليون جزائري، أو قيام إيطاليا بالفظائع عند احتلالها ليبيا، أو قيام بريطانيا بالقضاء تقريبًا على الأهالي الأصليين الأستراليا... إلخ.

من يستغرب هذه المظالم عليه أن يقرأ التاريخ الغربي ويرجع إلى طفولة هذه الحضارة الغربية.

فمن المعروف أن العديد من المشكلات النفسية للإنسان البالغ ترجع إلى مشكلات وإلى أحداث جرت له في طفولته وأثرت على عقله الباطن وبقى متخفيًا في لا شعوره.

هذه هي طفولة الغرب.. وهذه هي الحوادث والظروف التي شكلت عقله الباطن.

الرابط المختصر :