العنوان البعد التربوي في فكر الإمام النووي يرحمه الله.. آداب متعلم القرآن
الكاتب خير الدين خوجة
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2008
مشاهدات 50
نشر في العدد 1785
نشر في الصفحة 55
السبت 19-يناير-2008
يجب أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه وإن كان أصغر منه سنًا وأقل شهرةً ونسبًا
لا يتعلم إلا ممن كملت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته
يدخل على الشيخ كامل الخصال متطهرًا مستعملًا للسواك فارغ القلب من الأمور الشاغلة.. ويسلم على الحاضرين ويخصه بالتحية
يتحمل جفوة الشيخ وسوء خلقه ولا يصده ذلك عن ملازمته.. ويبدأ بالاعتذار وإظهار الذنب فذلك أنفع له في الدنيا والآخرة
وقفنا في العدد الماضي على جملة من الآداب والقيم والمعالم التربوية التي يجب على معلم القرآن التحلي بها. وفي هذه الحلقة سنكمل حديثنا عن آداب المتعلم والأخلاق الكريمة التي يجب أن تتمثل في شخصيته وهو يطلب العلم. قال الإمام النووي يرحمه الله . .... جميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم، ومن آدابه أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سبباً لابد منه للحاجة.
وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره. فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. وقد أحسن القائل بقوله: يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة.
التواضع للمعلم
وينبغي أن يتواضع المعلمه ويتأدب معه، وإن كان أصغر منه سناً وأقل شهرة ونسباً وصلاحاً وغير ذلك, ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركه ... وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق ... ولا يتعلم إلا ممن تكملت أهليته، وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته، فقد قال السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وعليه أن ينظر إلى معلمه بعين الاحترام, ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به, وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني.
تحية مخصوصة، وقال الربيع صاحب الشافعي يرحمهما الله: ما اجترات أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبا له، وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رواية قال: من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عند بيدك، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابن عند أحداً ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام ولا تلح عليه إذا كسل ولا تشبع من طول صحبته. وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي كرم الله وجهه، وأن يرد غيبة شيخه إن قدر، فإن تعذر عليه ردها، فارق ذلك المجلس....
ويدخل - أي المتعلم - على الشيخ كامل الخصال متصفاً بما ذكرناه في المعلم متطهراً مستعملاً للسواك، فارغ القلب من الأمور الشاغلة، وأن لا يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخ في مكان يحتاج فيه إلى استئذان وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل ويخصه دونهم بالتحية، وأن يسلم عليه وعليهم إذا انصرف....
ولا يتخطى رقاب الناس بل يجلس حيث ينتهي به المجلس إلا أن يأذن له الشيخ في التقدم أو يعلم من حالهم إيثار ذلك، ولا يقيم أحداً من موضعه، فإن أثره غيره لم يقبل اقتداء بابن عمر رضي الله عنهما. إلا أن يكون في تقديمه مصلحة للحاضرين أو أمره الشيخ بذلك، ولا يجلس في وسط الحلقة إلا لضرورة ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما, وإن فسحا له قعد وضم نفسه....
وينبغي أيضاً أن يتأدب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ، فإن ذلك تأدب مع الشيخ وصيانة لمجلسه، ويقعد بين يدي الشيخ قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين، ولا يرفع صوته رفعاً بليغاً من غير حاجة، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا بغيرها ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً من غير حاجة، بل يكون متوجهاً إلى الشيخ مصغياً إلى كلامه....
اغتنام الأوقات
ومما يتأكد الاعتناء به ألا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ وملله.... وأن يغتنم أوقات نشاطه. ومن آدابه أن يتحمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله ويتأول لأفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد، تأويلات صحيحة... وإن جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ وأظهر أن الذنب له والعتب عليه فذلك أنفع له في الدنيا والآخرة وأنقى لقلب الشيخ. وقد قالوا: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة. ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الآخرة والدنيا، ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالباً فعززت مطلوباً. وقد أحسن من قال: من لم يذق طعم المذلة ساعة قطع الزمان بأسره مذلولاً.
ومن آداب المتعلم المتأكدة أن يكون حريصاً على التعلم مواظباً عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير، ولا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافة من الملل وضياع ما حصل. وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال. وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظر ولازم بابه ... وإذا وجد الشيخ نائماً أو مشتغلاً بمهم، لم يستأذن عليه، بل يصبر إلى استيقاظه أو فراغه أو ينصرف والصبر أولى كما كان ابن عباس رضي الله عنهما وغيره يفعلون.
وينبغي أن يأخذ نفسه بالاجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشاغلات قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة. فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : تفقهوا قبل أن تسودوا. معناه اجتهدوا في كمال أهليتكم وأنتم أتباع، قبل أن تصيروا سادة، فإنكم إذا صرتم سادة متبوعين امتنعتم من التعلم لارتفاع منزلتكم وكثرة شغلكم. وهذا معنى قول الإمام الشافعي - رحمه الله - تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه.
إيثار مكروه
وينبغي أن يبكر بقراءته على الشيخ أول النهار.... وينبغي ألا يؤثر بنوبته غيره فإن الإيثار مكروه في القرب - أي القريات - بخلاف الإيثار بحظوظ النفس فإنه محبوب. فإن رأى الشيخ المصلحة في الإيثار في بعض الأوقات لمعنى شرعي فأشار عليه بذلك امتثل أمره. ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به ألا يحسد أحداً من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها، وألا يعجب بنفسه بما خصه الله .. وطريقه في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته، وإنما هو فضل من الله... وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا، فينبغي ألا يعترض عليها .
ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالاً للقرآن، وأن يكون مصوناً عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مرتفعاً على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعاً للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعاً ذا سكينة ووقار....
عن عبد الله بن مسعود و قال: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون.. وعن الفضيل بن عياض، قال: ينبغي لحامل القرآن ألا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم. وعنه أيضاً قال: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن».......
فرضي الله عن إمامنا النووي يرحمه الله وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء وجعلنا الله من أمثاله، إنه سميع قريب مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..