العنوان ابن الشعب العربي المسلم، زعيم حزب الشعب الجزائري
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995
مشاهدات 59
نشر في العدد 1144
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 04-أبريل-1995
مذكرات
صفحات من دفتر الذكريات (42)
أشرت إلى لقاءاتي الأولى عام ١٩٤٦م مع «مصالي حاج» عقب وصوله إلى باريس عائدًا من سجن «لامبيز»، في الصحراء الكبرى في طريقه إلى وطنه؛ ليستأنف جهاده لتحرير شعبه من الاستعمار الفرنسي.
لقد شاهدت بنفسي مدى الحماس الذي قوبل به في الاجتماعات الحاشدة بالآلاف من مواطنيه الجزائريين في فرنسا وجميع العرب والمسلمين المقيمين بها، وتابعت استعداداته للعودة إلى وطنه ليقود كفاح حزبه من أجل التحرير الكامل، لكن قوى الشر والبغي حرمته من ذلك ومنعته من دخول الجزائر وفرضت عليه الاعتقال في باريس تحت اسم الإقامة الجبرية، ثم زادت فمنعته من دخول باريس ذاتها والمنطقة المحيطة بها مسافة مائة كيلو متر.
وقد ذكرت في مقال سابق زياراتي المتكررة له، وكان يرافقني في كثير منها أحد المسئولين عن الحزب في فرنسا، وأولهم صديقي العزيز الشاب الشهيد إبراهيم معيزة الذي كان مندوب الحزب في فرنسا، كما أشرت إلى ما رواه لي مصالي عن تأثره بلقائه بعد الحرب العالمية الأولى مع الأمير شكيب أرسلان الذي جعله ينتقل من ساحة العمل النقابي إلى العمل الوطني، وأنشأ حركة وطنية سماها نجم شمال إفريقية عام ١٩٢٦م، ثم ذكرت انتقاله إلى الجزائر، وإنشاء حزب الشعب الجزائري عام ۱۹۳۷م، ثم اعتقاله؛ لأن الحزب نادى بالاستقلال ومحاكمته والحكم عليه بالإعدام وإيداعه بسجن «لامبيز» حتى عام ١٩٤٦م، باعتبار أن طلب الاستقلال يعتبر حركة انفصالية وخيانة عظمى للجمهورية الفرنسية التي تعتبر الجزائر جزءًا منها.
الاغتيال السياسي:
لقد كان الإفراج عنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وليد حوادث «سطيف» ۸ مايو ١٩٤٩،م التيراح ضحيتها آلافالمتظاهرين؛ لأنهم طالبوا بالاستقلال، ورفعوا راية الأمير عبد القادر، وكان الهدف من الإقامة الجبرية محاولة من الاستعمار لترويضه، لكنهم فشلوا فقرروا إبعاده نهائيًا وفرض الإقامة الجبرية عليه طوال حياته، ولم يكن ذلك إلا وسيلة لاغتياله سياسيًا وإيجاد بديل عنه.
كان البديل الأول هو عباس فرحات –الذي أسس حزب البيان- وهذا البيان الذي يشير إليه اسم الحزب كان عبارة عن برنامج يتضمن المطالبة بفرنسة الشعب الجزائري نهائيًا أو إدماجه في المجتمع الفرنسي باسم المساواة بين الجزائريين والفرنسيين في الحقوق والواجبات باعتبارهم جميعا فرنسيين، ولما رفع ديجول شعار الاتحاد الفرنسي، وأنشأ برلمانًا يضم ممثلين عن الشعوب في المستعمرات، ليكون الاتحاد اسما مستحدثًا للإمبراطورية الاستعمارية، سارع عباس فرحات وحزبه إلى تأييد هذا الاتحاد، وطالب هو وحزبه بإدخال الجزائر في الاتحاد الفرنسي، ورشح عددًا من أنصاره للانتخابات التي قاطعها حزب الشعب، ودخل هو وستة من أصدقائه ممثلين عن شعب الجزائر في الاتحاد الفرنسي، وأحيطوا بهالة إعلامية فرنسية لتحويل الحركة الوطنية إلى الاتحاد الفرنسي بدلًا من الاستقلال، وعارض ذلك حزب الشعب برئاسة «مصالي حاج»، بعد انتهاء الدورة البرلمانية لمجلس الاتحاد الفرنسي، وفي غياب «مصاليي حاج»، ومحاصرته في فرنسا اجتمعت اللجنة المركزية لحزب الشعب في الجزائر، وقررت دخول الانتخابات البرلمان الاتحاد الفرنسي، تحت مظلة هيئة جديدة أنشأتها هي «حركة انتصار الحريات» الديمقراطية، واعتبروها مستقلة حتى يبقى حزب الشعب مستمرًا على خطته في رفض الاندماج في الاتحاد الفرنسي الديجولي، ولتكون هذه الجبهة الجناح السياسي للحزب على أن تبقى أجهزة الحزب تحت سيطرة الجناح العسكري السري، واعتبر كثيرون ذلك التحايل غير مقنع، وأنه كان انحرافًا عن مبدأ الحزب الذي يصر على المطالبة بالاستقلال، ويرفض الاندماج، حتى ولو كان في صورة اتحاد فرنسي، أما هم فعللوا ذلك بضرورة سد الطريق على حزب البيان ورئيسه عباس فرحات حتى لا ينجح في حركته التي تهدف إلى الاندماج فى فرنسا، وفعلا نجح مرشحو حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ولم ينجح أحد من مرشحي حزب البيان، وخسر عباس فرحات المعركة، لكن نتجَ عن ذلك نوع من الازدواجية في المسئولية وهي التي ترتب عليها انقسام الحزب.
عندما جاء هؤلاء النواب إلى باريس كان يَرْؤُسُهم الدكتور الأمين دباغين الذي كانت لي معه جولات طويلة وجلسات عديدة، فهمت منها أن هناك من يسعون للإيقاع بينه وبين «مصالی حاج»، وقد تم فعلا إبعاده بعد ذلك، ودخلت مجموعة أخرى موالية لمصالي حاج برئاسة «مزغتة»، ومع ذلك استمر الشقاق بين اللجنة المركزية وبين «مصالي حاج»، مما أدى إلى انقسام داخل حزب الشعب، وصراع بين «مصالی حاج» ومن معه، وبين أغلبية اللجنة المركزية، وقد نما هذا الصراع حتى أضعف الحزب وهدد الحركة الوطنية كلها، واتجه مندوبو الحزب في القاهرة وهم «محمد خيضر بن بللا، الشانلي مكي حسين آيت أحمد» إلى السعي للتوفيق بين الطرفين، وأيدوا خطة التنظيم السري العسكري في بدء الكفاح المسلح باعتبار ذلك أحسن وسيلة لإخراج الحزب من هذا الانقسام.
مخابرات ناصر تعتقل مندوبي مصالي:
كما أنني أشرت في حلقة سابقة إلى أن بن بللا شخصيًا هو ومحمد خيضر طلبا مني السفر إلى فرنسا لإقناع «مصالي»، لتأييد خطتهم في بدء الكفاح المسلح وإنهاء حالة الانقسام في الحزب، وذهبت إليه وتحدثت معه مقترحًا أن يُرسل ممثلين له إلى مصر للالتقاء بالمجموعة التي تمثل الحزب لدى الجامعة العربية؛ لأن مناقشة هذه الأمور معه في المعتقل «غير مأمونة» ووافق على ذلك ورحب به واختار لذلك «مزغته» ممثل حركة انتصار الحريات الديمقراطية ومعه «فيلالي» الذي كان اسمه الحركي «عابد»، وفي يوم وصولهم إلى مصر وقبل اجتماعي بهم اعتقلت في السجن الحربي، وبعد مدة قصيرة علمت بأن اثنين منهما هما «مرغته والشاذلي» قد اعتقلا أيضًا، ولم أعرف شيئًا عن سبب ذلك ولا الغاية منه ثم علمت بعد ذلك بأن ثالثهم وهو الفيلالي قد اغتيل في فرنسا بعد أن أفلت من الكمين الذي نصب للثلاثة في مطار القاهرة.
والآن سأنقل للقارئ ما كتبه السيد فتحي الديب الذي كان المسئول الأول عن هذه العملية الغامضة الخطيرة.
يذكر سيادته في صفحة (٦٩) أن «مصالي فوَّض ساعده الأول أحمد مزغته بخطاب تفويض مؤرخ ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤م ولحقه زميله عبد الله الفيلالي، في حين فوضت اللجنة المركزية حسين الأحول، وأورد صورة كتاب التفويض الموقع عليه من مصالي حاج بتاريخ ٢٥ نوفمبر ١٩٤٥م، وهو موجه إلى سعادة الأستاذ الكبير السيد عبد الخالق حسونة بصفته أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، وحضرات السادة معاونية الأمناء المساعدين وسوف أنشر نصه کاملًا في المرفقات.
يظهر من صيغة الخطاب أنه كتب في الجزائر: وإن مصالي وقع عليه وأرسله لمندوبي الحزب في القاهرة ليساعدوا «مرغته» في إعادة تأسيس وفد الحزب بالقاهرة، بما اتفقت عليه كلمتنا واقتضته رغبة الأحرار والمجاهدين، أي: أن «مزغته» بصفته ممثل «مصالي» سيكون رئيسًا لبعثة الحزب لدى الجامعة العربية، وسيكون ذلك ضمانًا لبقاء «مصالي» رئيسًا للحركة الوطنية بجناحها السياسي والعسكري.
إن مندوب «مصالي» -كما يذكر السيد السفير- قدم له خطاب التفويض بمكتبه يوم 6/1/1955م وأضاف ما يلي: «وحضر إلى مكتبي يوم الخميس «6 يناير ١٩٥٥م» السيد أحمد مزغته مندوب «مصالي حاج»، وقدم لي كتاب التفويض ودار بيننا حديث طويل التزمت فيه بكل ما تم الاتفاق عليه في البنود السابق ذكرها، ووجدت من مزغته تقبلًا لكل ما طرحته وتم الاتفاق في نهاية اللقاء على قيامي بتهيئة اجتماع يضم إلى جبهة الكفاح هؤلاء الثلاثة، ولينضم إليه باعتباره نائبًا لمصالي حاج، لتبادل وجهات النظر والتوصل إلى اتفاق يوحد جهودهم كأبناء للشعب الجزائري.
وفي صفحة (۷۲) من كتابه يذكر ما تم الاتفاق عليه في اجتماع بمنزله 10/1/1955م؛ حيث قال: «وناقشنا موقف توحيد جهود جبهة الكفاح الجزائري خارج الجزائر، وطرح الأخ بن بللا المبادئ الثلاثة التي وضعها جيش التحرير كشرط أساسي للانضمام لجبهة التحرير الجزائرية، ووافق أحمد مزغته على المبادئ الثلاثة وأعلن إيمانه بها، وعرضت على المجتمعين وجهة نظر مصر والثورة السابق إيضاحها».
وفي صفحة (۷۳) قال: «حررت محضرًا للاجتماع بما تم فيه وما استقر رأى الجميع عليه من اتفاق، ووقعوا عليه جميعًا، ووقَّعت عليه أنا وزميلي عزت سلیمان كشاهدين على الاتفاق يوم ١٠ يناير ١٩٥٥م، واعتبرنا ما تم خطوة طيبة على الطريق وقررنا الاستمرار في ممارسة ضغوطنا على باقي الهيئات وممثلي الأحزاب للانضمام للجنة المتفق على تكوينها، وكلفت أحمد سعيد بإذاعة خبر انضمام «مصالي الحاج» إلى جبهة التحرير بعد اعترافه بالمبادئ الثلاثة، وحقق الإعلان أثره في اتصال ممثلي الأحزاب والهيئات بنا لبحث إمكانية انضمامهم للَّجنة».
ويلاحظ أن سيادته لم يورد صورة هذا المحضر ضمن ملاحق كتابه رغم كثرة ما تضمنته هذه الملاحق مما هو أقل من ذلك أهمية.
وفي صفحة (77) يقول:
«ثامنًا: ممثلو مصالي الحاج يباشرون التآمر، لم يكن مداد الميثاق الذي وقعه ممثلو مصالي الحاج قد جف بعد، وإذا بنا نعلم أن ثلاثي مجموعة مصالي بدأ في القيام بالعديد من الاتصالات؛ للتخريب على الثورة، واعتزامهم السفر إلى ليبيا وفرنسا تحت شعار جبهة التحرير؛ لبث الفرقة وتشكيك الجزائريين بقادة الثورة، وحاولوا إيهامنا بقرارهم السفر لإقناع عناصرهم بالاندماج تحت لواء جبهة التحرير واجتمعنا على الفور بالأخ أحمد بن بللا لدراسة الموقف، وانتهينا إلى خطورة ما يمكن أن يقدموا عليه ضد الثورة، وطلب منى بن بللا سرعة التدخل لعدم تمكينهم من الوصول لا إلى ليبيا أو فرنسا، وهم «أحمد ميزغته وعبد الله الفيلالي والشاذلي مكي» ورغبةً منا ومنه في عدم اللجوء للتصفية الجسدية قررنا اختطافهم من الطائرة بعد تحركها للإقلاع، والتحفُّظ عليهم تحت حراسة مُشدَّدة عليهم لمنع اتصالهم بالخارج بأية صورة، وعاوننا في ذلك اليوزباشی حسين حافظ رئيس حرس الجمارك بالمطار -وتمت العملية بنجاح وفي سرية تامة دون أن يشعر بها مودعوهم بالمطار، وذلك بالنسبة لأحمد مزغته والشاذلي مكى، وتم نقلهما إلى أحد السجون الحربية بعد أن كلَّفنا مدير السجن بتهيئة المكان المريح والبعيد عن أي اتصال بداخل السجن أو خارجه ووضعنا لهم نظام حياة مريحًا خاصًا وزودت غرفتهما بكل وسائل الراحة، وتم تغذيتهما تغذية خاصة واستمروا في هذا المكان حتى عام ١٩٥٨م، أما عبد الله الفيلالي فقد سافر قبل قرارنا التحفظ عليهم، وشاء القدر أن يلقى مصرعه بعد وصوله إلى باريس بثلاثة أيام على يد أحد خصومه لخلاف فيما بينهما، وأرسلنا برقية باسم مزغته والشاذلي من ليبيا إلى معاوني «مزغته والشاذلي بالقاهرة تفيد وصولهما سالمين، وهكذا تم إبعاد أنصار مصالي عن الميدان نهائيًا وقضينا على مؤامرة أنصار مصالي التخريبية».
(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل