; حوار في الدعوة والحركة- معظم النار من مستصغر الشرر | مجلة المجتمع

العنوان حوار في الدعوة والحركة- معظم النار من مستصغر الشرر

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983

مشاهدات 43

نشر في العدد 605

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-يناير-1983

ومعظم النار من مستصغر الشرر:

السائر على الدرب يبصر أمامه، ليتقي بذلك شر الحفر، وسوء المنقلب ونهاية المنزلق بصرني إخواني الطريق فمشيت، وأعلموني الهدى والنور فالتزمت وبأمر الثبات ألححت، ودعوت، وغير منهج السلف ما بغيت ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (سورة الملك: ٢٢).

هذا استطراد أبين فيه منة الله علينا في توفيقنا إلى الطريق المستقيم بفضله وكرمه، ثم بتوجيه أهل التربية الذين حرصوا -جزاهم الله عنا كل خيرًا- على تنشئتنا وتوجيهنا وفق منهج السلف، الذين لا عوج فيه، ولا أمتا، وإنني لأتذكر مقام إرجاع الفضل لأهله كلمة لشيخنا أبي عمار ينقلها عن الإمام الشافعي -رحمه الله- (الحر من راعي وداد لحظة، أو أنتمى لمن أفاده لفظة)، ثم تعليقه عليها بقوله: (وهذه الدعوة علمتك دهرًا معنى الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حرًا راعيت ودادها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تتربص بها، وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت، ثم بعد أن ذقنا حلاوة المنهج وسكينته كان لزامًا علينا أن نحافظ عليه من كل معول مهما كان لباسه، لنحفظ على الأجيال دينها وسمتها وخطها، وأن لا يصدق عليها المثل الشعبي فيمن أراد أن يقلد غيره (ضيع مشيته ومشيت الغراب)، فأقول -وأعوذ بالله من أقول- وبالله التوفيق:

١- النار لا تحرق من أول أمرها:

الناظر في كل فكر يرى أن مبتدأه كان طرحًا لا شائبة فيه، وأن في ظاهره الرحمة، ثم تراه يتطور كطبيعة أي منهج بشرى من لازمه التغير فتتسع زاوية الانفراج حتى تصل إلى نهايتها.

ولتوضيح ذلك لا بد من ضرب الأمثلة (ديكارت قائد عصر العقل في القرن السابع عشر الميلادي نراه يحارب الجمود الفكري، وعدم تجديد العقل فيصدر كتابًا يسميه: «مقال عن المنهج لأحكام قيادة العقل والكشف عن الحقيقة بالعلوم» يركز فيه أن «الفكرة الصادقة هي الفكرة الواضحة» وإلى هنا لم يصدر عنه إلحادًا، وإن كان الأمر دعاه إلى تأصيل العلمانية التي بدأها قبله مارتن لوثر، وتنظير فكرها، ولكن مع ذلك لم ينكر الإله، ولم يعلم الإلحاد فتطور الأمر وفق الطبيعة البشرية المتغيرة إلى أن أتى تلميذه فولتير في آخر القرن الثامن عشر ليعلن الإلحاد,

ومثال آخر يبين التسلسل الانحداري: في مجلة المسلم المعاصر ١4/١5 مقال لسيف الإسلام محمود، يبدأ فيه بالهجوم على المنهج التربوي في حركة الإخوان بتغيره (يكفي أحدنا تربية أولاده)، ثم يتدرج فيقول: إن العقل لم يأخذ حظه في التفكير في الحركة، لذلك فقد الفرد صفة الفطانة والكياسة، ثم خلص بعد ذلك إلى ضرورة ما أسماه (باليسار الإسلامي) حتى يكون هناك توفيق بين غرور الخبرة عند القدماء والحماسة عند الفتوة على حد تعبيره، ثم يقول: وهذا اليسار الإسلامي هو الرفض المنظم الذي يحاول أن يحفظ الحركة من التحرر.

وهكذا كل أمر في بدايته يبدأ صغيرًا، ثم يكبر حتى السقوط.

٢- موازيننا لا تؤخذ كرد فعل:

إن أكثر ما يبتلي المنهج العلمي في التفكير أن يكون الطرح ناتجًا عن ردة فعل لواقع موجود، فلا يكون فكرًا متزنًا، بل تجده متشنجًا يطلق التعميم على الحوادث الفردية، ويلقى الجسم الكبير أكان فيه قدة صغيرة، ويغمض عن الحق العظيم إن كان هناك خطأ بسيط، وينسف العمل الجليل إذا بدا منه انحراف قليل.

وهذا المنهج تجده في الغرب والشرق، ففي الغرب تجد أن القرن السادس عشر والذي قبله: ترديد للقديم حتى ليقول مونتيني فيلسوف الشك في القرن السادس عشر ساخرًا من هذا الأمر (لدينا عن تفسير التفسيرات أكثر من تفسير الأشياء) هذا من جانب، وفي الجانب المقابل نجد ديكارت في القرن السابع عشر يقول يجب إلغاء جميع القديم بخيره إن کان به خیر وشره، وشبيه بذلك يحادثني من له ردة فعل حول أساليب العمل الموجودة في الحركة الإسلامية فيقول: لا سبيل إلى إصلاحها، بل يجب إلقاؤها بكاملها، ويشبه ذلك بشبكة الأنابيب الخاصة بالمياه بأنه إذا كان بها انسداد فاعلم أن الشبكة لا بد من إصلاحها بكاملها، ونسي أو أنسته شدة غمرته على تقدم الحركة: الفرق بين عالم الماديات وعالم القيم والموازين، وبين ما هو قابل للتغير دائمًا، وبين ما هو من ميزته الثبات، فما الذي جعله يطلب تغيير الشبكة بكاملها؟ ردة الفعل لرؤيته انسدادًا في أنبوب من الأنابيب، فخطأ في تصرف بعض الدعاة في طريقة تعامله وأخذه وإعطائه جعله يطالب بإلقاء جميع بناء العمل لإقامة بناء آخر، فأول الأمر كانت ثورة على تصرف من التصرفات، ثم كبر الأمر إلى الطعن في العمل ككل، ومعظم النار من مستصغر الشرر.

ومثال آخر في تفكير محمد عبده حيث كان تفكيره شرعيًا؟ ولم لا وهو خريج الأزهر، ثم نتيجة لاحتكاكه مع الاستشراق وإثارة الشبه من قبلهم حول الخرافات جعل لديه ردة فعل دفعته إلى رد كثير من النصوص الشرعية حتى قال مقولته: (إذا تعارض العقل مع النقل؛ قدم العقل) والنتيجة واحدة التي يصل إليها من يسلك هذا المسلك هو التجرؤ على شرع الله، وعدم تقديس الأصول الشرعية والتطاول عليها، أو أنه كان مؤدبًا يحاول أن يلوي الشريعة لتواكب ما يريد، وهنا في هذه المرحلة يصل أصحاب هذا الفكر إلى مراد المستشرقين، وهو أن العقيدة ثابتة والتشريع يتطور، ثم أن ذلك سيؤدي إلى الافتتان بالفكر الغربي، الذي سيجر الإنسان إلى موقف الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا والفرابي حيث كانوا يعظمون أرسطو فوق ما يعظم به الأنبياء، ويرون عرض ما جاءت به الأنبياء على كلامه فما وافقه منها قبلوه، وما خالفه لم يعبئوا به شيئًا.

٣- لا تصطنعوا مدارس في الحركة الإسلامية: 

في غياب الحس الإيماني والانشغال العقلي يضرب الشيطان ضربته، ويتربع على عرش النفس كما قال سقراط: «أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت الحكمة خدمت العقول الشهوات»، ويقول في موطن آخر: «قلوب المؤثرين للشهوات مقاعد للشيطان»، وغياب الحس الإيماني هو ابتعاد عن الحكمة؛ لأن الحكمة كما يقول ابن القيم -رحمه الله-: «الحكمة التي جاءت بها الرسل: هي الحكمة الحق المتخصصة للعلم النافع والعمل الصالح، فرقها الله على أنبيائه، وجمعها لمحمد -صلى الله عليه وسلم- ولو أنه جمعت كل حكمة صحيحة في العالم من كل طائفة لكانت في الحكمة التي أتاها -صلوات الله وسلامه عليه- جزءًا يسيرًا جدًا، لا يدرك البشر نسبته». نعم فمع غياب هذه الحكمة والضوابط الشرعية تنبت نبتة تعد نفسها رائدة لفكر جديد مخالف للفكر الكلاسيكي، وتبدأ المسألة طرحًا بسيطًا، وما هي إلا فترة حتى يبدأ من قال له بوضع الضوابط والتأصيلات لفكره وطرحه، وكما قال سلفنا -رضي الله عنهم- ما أراد متأول أن يتأول إلا ووجد لنفسه مخرجًا، ولا أراد خارج أن يخرج إلا وجد له في ذلك دليلًا، ثم يتعمق الجرح، ويتحرك شيطان الفكر فتخرج التسميات التي تسمي القبيح مسميات حسنة، والحسن بأسماء قبيحة للتغيير منه، كما يسمى الخمر بالشراب الروحي حتى يسهل شربه، والربا بالفائدة حتى يلطف تعاطيها، وفي المقابل يسمى الحسن بالأسماء القبيحة للتنفير منه؛ فيسمى أهل السنة بالناصبة «أي يناصبون آل البيت العداء، حاشاهم، كذلك يسمون منهج السلف من الأسماء، والصفات بالمجسمة؛ أي يجسمون الله -تعالى- عن ذلك، وكل هذه الأسماء لصرف الناس عن الحق، وكذلك اصطناع المدارس في الحركة الإسلامية، فهذه مدرسة تربوية يريدون بذلك أنها متفوقة، وتلك مدرسة شرعية ويقصدون بذلك أنها لا تواكب الأحداث وبعيدة عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أما هذه المدرسة فهي صاحبة الاتجاه الفكري الذي يتعامل مع الواقع فيحسن التحاور معه بعيدًا عن تشنجات الشرعيين، وتقوقع التربويين، وبهذا الأمر ينفرون الشباب المتحمس من طرف خفي عن أصالتهم التربوية كما قال من قال بالمجسمة والناصبة لأهل السنة.

وفي ختام هذه الحلقة لا بد من بيان أن هذا البحث هو خطاب ناصح من قلب مشفق، ومن لم يفهم هذا المراد فحسبنا قول الغزالي قل لمن لم يفهم ما أقول: قصر القول، هذا شرح يطول، ونصيحتي لمن أراد النور ما قاله أحد الصالحين «كل طريق لم يمش فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهي ظلام، وسالكها لا يأمن من العطب».

وإلى لقاء قادم في حلقة قادمة «الحرص على العوام سبب في الانفلات».

الرابط المختصر :