العنوان الرعب يسيطر على الروس خوفًا من تكرار جحيم الشيشان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1365
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 31-أغسطس-1999
- داغستان.. جمهورية عشائرية بها ثلاثون قومية و٦٠% من أهلها تحت خط الفقر.. كيف تحارب بهذه البسالة؟!
أصبحت جمهورية داغستان التي لا تتجاوز مساحتها ٥٠ ألف كم٢، ويعيش عليها ٢ ملايين نسمة تواجه حربًا حقيقية.
ففي السابع من الشهر الجاري، اعلنت مجموعة كبيرة من المقاتلين عن استيلائهم على قرى جبلية في مناطق بوتليخسك وتسومادينسك وجومبيوتوفسك، وبعد أن ركزوا مواقعهم فيها أعلنوها مناطق إسلامية محررة.
وحسب الإحصائيات الروسية فإن عدد المقاتلين الإسلاميين يتراوح بين ۱۲۰۰إلى ۲۰۰۰مقاتل من الشيشانيين والداغستانيين والروس المسلمين، وأوكرانيين، وجنسيات أخرى، وكما يبدو فإنهم أعدوا لهذه العملية طويلًا وهم مسلحون جيدًا فلديهم مدرعات مصفحة ومدافع مضادة للدبابات وطواقم صاروخية متنقلة مضادة للطيران ويقود هذه القوات القائد الميداني الشيشاني المعروف شامل باساييف الذي أصدر أمرًا بتعيين القائد الميداني أمير خطاب قائدًا عامًا لم جيش حفظ السلام الإسلامي والقوات الإسلامية في هذه المناطق.
وهربًا من القصف والحرب الضارية المتوقعة بعد وصول القوات الاتحادية الروسية ومحاصرتها لتلك المناطق، غادر سكان القرى بيوتهم ولاسيما النساء والأطفال إلى المناطق المجاورة. وفي الساعات الأولى من المعارك أعلنت عدة مصادر أن المقاتلين أسقطوا ثلاث طائرات مروحية روسية.
وقد ظل مطار العاصمة الداغستانية ما خاشكالا يستقبل قوات إضافية روسية مزودة بكل المعدات الحربية بمتابعة مباشرة من رئيس الوزراء بالوكالة فلاديمير بوتين الذي لجأ إلى قصف مناطق تمركز القوات الإسلامية وفي كل أحاديثه كان يؤكد على عدم التساهل في هذا الأمر. ولاسيما أنه أراد أن يبين للبرلمان قدرته على تجاوز وحل هذه القضية المعقدة.
شامل باساييف من جهته أكد أنه وقواته سيعملون على تحرير كامل القوقاز من الروس وأضاف أنه يلبي في ذلك دعوة منظمة «الشورى الإسلامية في داغستان» التي دعتهم المساندة الجهاد في داغستان، وأن جيش حفظ السلام الإسلامي نفذ المرحلة الأولى من عمليته بنجاح تام لكن الحكومة الداغستانية نفت وجود هذه المنظمة، وقالت إنه يوجد في داغستان حكومة معترف بها ومجلس حكومي ودار للإفتاء، واتهمت جروزني بالوقوف وراء هذه العملية وأنها تدعم هؤلاء المتطرفين الجدير بالذكر أن الشورى الإسلامية التي أسسها ويتزعمها الشيخ عدالو الييف، كانت قد أصدرت في العاشر من الشهر الجاري وثيقة إحياء دولة داغستان الإسلامية داعية المسلمين إلى الجهاد لتحرير هذه الجمهورية من الروس.
وبالطبع فإن الحكومة الداغستانية اليوم تطبق أسلوب الشيوعيين بالرد المضاد على كل ما يثار كنفي وجود الشورى الإسلامية بزعامة الشيخ عدالو الييف. ومع ذلك عرضت القناة التلفازية الروسية الحكومية تقريرًا من بعض مناطق داغستان التي يطبق المواطنون فيها الشريعة الإسلامية، وأبدو تأييدهم لباساييف وخطاب ومقاتليهما، وقال أحد المواطنين : كان علينا نحن القيام بالمهمة التي ينفذها هؤلاء الأبطال، كما أشارت الأخبار إلى انضمام الكثير من الداغستانيين إلى جيش حفظ السلام الإسلامي ولكن ما خاشكا لا تنفي كل ذلك، وفرضت قيودا على الصحفيين فأصبح المكتب الإعلامي في وزارة الداخلية المصدر الوحيد للمعلومات عن الحرب الدائرة في الجبال وهذا المكتب يعطي أخبارًا متناقضة ومعلومات يتبين فيما بعد أنها عارية من الصحة، فمثلًا ذكر أن مناطق المجاهدين قصفت من قبل الطائرات الحربية وأدت إلى خسائر جسيمة في صفوف الإسلاميين، الأمر الذي نفاه المكتب الإعلامي نفسه فيما بعد وأكد أنه لا توجد عمليات جوية، وهم بذلك يتعمدون إعطاء وسائل الإعلام اخباراً ومعلومات مغايرة تماماً لما يجري في ساحة المعركة، وانتقد الإعلام الروسي ذلك ووصفه بأنه استهتار بالرأي العام.
ورغم تأكيدات رئيس الوزراء الروسي بالوكالة بالسيطرة على الوضع، إلا أن الأنباء الواردة من داغستان والتي تؤكد إسقاط الطائرات ووقوع ضحايا في الجيش الروسي تثير الرعب في الشارع الروسي المتخوف من تكرار جحيم الشيشان وكل القادة العسكريين الروس اليوم تفرغوا لدراسة الوضع في داغستان وكيف يمكن طرد القوات الإسلامية إلى الأراضي الشيشانية ويشرف على ذلك مع بوتين وزير داخليته فلاديمير روشايلو وكل من رئيس هيئة الأركان الروسية انا تولي كفاشنين وقائد القوى الداخلية فيتشيسلاف افتشينيكوف وتستخدم القوات الروسية القنابل والصواريخ وقذائف المدفعية.
الحكومة الشيشانية من جهتها نفت أن تكون لها أي علاقة بما يدور في داغستان، وأكد الرئيس الشيشاني أصلان ماسخادوف أن الذين يقاتلون هناك داغستانيون كما أكد على ذلك ممثل الشيشان في موسكو مايير بيك الذي قال: إن وجود شيشانيين مع مقاتلي الجيش الإسلامي لا يعني أن الحكومة الشيشانية تدعمهم.
وتقول موسكو إن المقاتلين يريدون تنفيذ مخطط يقضي بتوحيد داغستان مع الشيشان ومن ثم إعلان دولة إسلامية في القوقاز، وأنهم تلقوا تدريبات صارمة في الأراضي الشيشانية.
وداغستان جمهورية عشائرية السلطة فيها موزعة على أشخاص يمثلون العشائر الغنية مثل رئيس المجلس الحكومي محمد علي محمدوف وعمدة العاصمة ما خاشكالا سعيد أميروف ورئيس الحكومة خضري شيخ سعيدوف ونائب رئيس الحكومة حاجي ماخاتشيف، ومن المستحيل أن يتنازل هؤلاء عن مناصبهم لا للإسلاميين ولا لغيرهم، وقد وحدتهم هذه الأزمة رغم كل التناقضات المقاومة العدو الذي يهدد مصالحهم ويثق الجميع في أن موسكو ستبذل كل الجهود لحمايتهم، ففي وجودهم على الساحة السياسية في داغستان ستبقى هذه الجمهورية ضمن روسيا الاتحادية، كما أنهم لم يسببوا لها «إزعاجات مثلما فعلت جمهورية الشيشان.
وكما يبدو فإن القبائل الغنية قد تقاسمت مناصب الجمهورية فيما بينها وهي ترفض بشدة إعادة توزيع مراكز النفوذ الأمر الذي أدى إلى إهمال القبائل الصغيرة والفقيرة.
وعندما تحركت الحكومة الداغستانية الموالية لروسيا - بالطبع - لاتخاذ إجراءات لتسليح المتطوعين الراغبين في مساندة الجيش الروسي، ظهرت التناقضات القبائلية بسبب تخوف بعض القبائل من انقلاب الموازين وتقوية قبائل على حساب أخرى ولاسيما بين قبائل «الأفاريتسية»، واللازجين» و«اللاكيتسيين» و«الكوميكيين».
إذ إن عمليات التسليح التي بدأت بها الحكومة الداغستانية تساعد على منح رخص بحمل السلاح والانخراط في قوات الشرطة التي يسيطر عليها الأفاريتسيون الذين يمنعون القبائل الأخرى بشكل أو بآخر من الاستفادة من هذا الوضع.
وبإطلالة سريعة على هذه الجمهورية ذات الحكم الذاتي نجد أنها تقع في شمال جبال القوقاز، وتطل على بحر قزوين، وتجاور جمهورية الشيشان، وتنفرد هذه الجمهورية بين جمهوريات القوقاز بخليط كبير من المجموعات العرقية، تصل إلى ثلاثين مجموعة تتحدث إحدى عشرة لغة، وهو ما حدا بالجغرافيين والمؤرخين العرب إلى تسميتها ببلاد الألسن، لكن مع تعدد القوميات واختلاف اللغات ظل الإسلام الذي دخل هذه البلاد في القرن الثامن الميلادي عامل التوحيد الأقوى بين أبنائها.
ومع أن هذه الجمهورية غنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز. وبها قطاع سياحي مزدهر وتشكل الزراعة أحد مواردها الرئيسة، إلا أن ظروفها التاريخية والسياسية الصعبة جعلتها من أكثر المناطق فقرأ في روسيا، إذ يعيش أكثر من ٢٠ من السكان تحت خط الفقر، وتصل البطالة فيها إلى ۲۰ من قوة العمل.
وتمثل داغستان بالنسبة لروسيا منطقة إستراتيجية، حيث يعبرها أنبوب للنفط يربط بحر قزوين بساحل روسيا على البحر الأسود.
ظلت هذه البلاد إسلامية منذ القرن الثامن الميلادي، حتى القرن التاسع عشر، عندما احتلها القياصرة ضمن بقية الجمهوريات الإسلامية، وانتقلت من حكم القياصرة إلى حكم الثورة البلشفية، وعاني أهلها الاضطهاد طول قرن كامل، حتى انهيار الاتحاد السوفييتي، وقد انتفض أهلها أكثر من مرة، لكن انتفاضاتهم قوبلت بالحديد والنار.
وبعد حمل السلاح من التقاليد العريقة لسكان داغستان وطبقًا للتقديرات الأمنية، فإن هناك أكثر من مائتي قطعة سلاح في أيدي المواطنين.
ومن جهة أخرى.. يتميز أهلها بالتمسك الشديد بالشعائر الإسلامية، فهي الجمهورية الوحيدة التي تبنت اللغة العربية في مناهج الدراسة، وهي من أكثر المناطق امتلاء بالمساجد.
وتعد أزمة داغستان الحالية أسوأ أزمة سياسية تواجه روسيا، منذ حرب الشيشان عام ١٩٩٤م، وهي ليست وليدة اليوم، وإنما تفجرت منذ عام ١٩٩١م، إذ تعيش البلاد حالة من الاضطراب بين السلطات المحلية المدعومة من روسيا والأحزاب السياسية، التي يصل تعدادها إلى ثلاثين حزبًا ... والتي أعلنت عام ۱۹۹۱م الاستقلال التام عن روسيا التي فرضت الأحكام العرفية وحظرت انشطة هذه الأحزاب، لكن الاضطرابات لم تتوقف وظل الشعب يطالب بحقه في الاستقلال أسوة بكيانات وجمهوريات أخرى.