العنوان دبلوماسية الشبكات الأمريكية.. ودور «مندوبة المبيعات» أولبرايت
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 71
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
هذه المرة فعلتها موريتانيا ولكن من دون مباغتة! حيث كانت قد أعطت ومنذ مدة ليست بالقصيرة عدة إشارات على الهرولة نحو الوادي الصهيوني السحيق باعتبار أن أقصر طريق إلى قلب البيت الأبيض يمر عبر الحضن الإسرائيلي! فقبل أن يوقع وزير خارجية موريتانيا في واشنطن اتفاقية إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الدولة اليهودية في ٢٨ أكتوبر الماضي، كانت الحكومة الموريتانية قد سمحت العام الماضي باستخدام أراضيها مقرًّا للنفايات النووية الإسرائيلية!
على أن ما يلفت الانتباه هذه المرة دور «مندوب المبيعات» الذي تلعبه وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت للترويج للدولة العبرية في السوق الدبلوماسي العالمي، كما كرست الحكومة الأمريكية شيكاتها هذه المرة لتسليك الطريق العربي أمام القرد الإسرائيلي كي «يتنطط» في العواصم العربية بكل حرية، وهو ما لم يتح له خلال خمسين عامًا من الصراع العربي الإسرائيلي.
حكام موريتانيا مهزومون داخليًّا أمام معارضة متصاعدة وأمام أزمة اقتصادية خانقة وأخرى سياسية مع فرنسا التي أدارت ظهرها لهم بعد أن كانت حليفًا قويًّا. ويبدو أنهم كما هي حال البعض في عالمنا العربي والإسلامي قد شربوا السحر اليهودي الذي أوهمهم بأن الشيكات الأمريكية لا يمكن صرفها إلا بتوقيع الحكومة الإسرائيلية عليها، كما لا بد من التوقف أيضًا عند العلاقات المشبوهة بين أفراد من قبيلة الرئيس الموريتاني وأساطين المال اليهود.
وقد سمعنا من الرئيس الجديد لإندونيسيا التي هي أكبر دولة مسلمة إشارات غزل للدولة العبرية، ومن الواضح أن المقصود بهذا الغزل هو الإدارة الأمريكية المتهودة التي لعبت الدور الأبرز في انفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا.
وقد مارس الكونجرس الأمريكي لعبة الشيكات مع الأردن ومصر فلوح للأولى بخصم 100 مليون دولار من أصل المساعدات المالية السنوية البالغة ٢٥٠ مليون دولار، بينما تستعد مصر للتأقلم مع العيش بدون المليارين اللذين تحصل عليهما من الحكومة الأمريكية! كل ذلك من أجل اتخاذ مواقف تطبيعية أكثر اندفاعًا ودفئًا مع الدولة اليهودية. وحين نتحدث عن بضع مليارات تدفعها الخزينة الأمريكية لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية في المنطقة لا بد من الإشارة إلى أن هذه المليارات ليست سوى قشور في دولة يتجاوز دخلها القومي السنوي ٦ تريليون «بليون بليون» دولار! وإذا سلمنا بأن أمن الدولة العبرية من أهم المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة سنعرف أن هذه المساعدات التي تقدم لبعض الدول في المنطقة ليست سوى «تسالي»، ناهيك عن أنها تسلب أصلًا من جهات أخرى، وتسترد بطرق وأساليب تحايلية.
الإدارة الأمريكية في سباق شديد لتحقيق أكبر قدر من الإنجازات لصالح الدولة العبرية قبل مغادرة الرئيس الأمريكي كلينتون البيت الأبيض. وكل شيء في البيت الأبيض والكونجرس يسير على أحلى ما يرام لصالح اليهود ومن ورائهم دولة العدو الصهيوني. وقد استطاعوا حتى هذه اللحظة الزج بالمئات من بني جنسهم الاحتلال أعلى مناصب في الإدارة الأمريكية وأكثرها حساسية «وزارات الخارجية والدفاع والتجارة والخزينة، والسي. آي. إيه...» على الرغم من أن اليهود لا يشكلون أكثر من ٢% من الشعب الأمريكي، وربما تكون من المفارقات القليلة أن تنهج الإدارة الأمريكية التي تنتمي للحزب الديمقراطي نهجًا مسايرًا ومتوافقًا مع الأغلبية الجمهورية المعارضة في الكونجرس معرض تأييد سياسات الدولة اليهودية. وخلال الفترة الماضية رأينا كيف كان الموقف الأمريكي بشقيه الحكومي والتشريعي متناغمًا في موضوع التأييد المطلق للدولة العبرية من ناحية تعزيز قوتها العسكرية بهدف ضمان تفوق «إسرائيل» على الدول العربية مجتمعة! وتعتبر الإدارة الأمريكية من خلال التقرير الدوري لوزارة دفاعها هذا الهدف أحد أركان سياستها وتوجهاتها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنه متناغم في تأييد باراك ومواقفه من عملية التسوية مع السلطة الفلسطينية ومتطابق إلى حد ما حول موضوع نقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
بعض المراقبين يرون وجود أسباب أخرى قد تكون شخصية داخل البيت الأبيض تدفع باتجاه هذا التحشيد الأمريكي لصالح الدولة اليهودية والذي يفسر أيضًا هذا «السخاء» الأمريكي مع الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فالرئيس كلينتون يدفع فواتير علاقاته المحرمة والكثيرة لصالح زوجته هيلاري المرشحة لمقعد السيناتور عن نيويورك والتي تحملت طويلًا سقطاته الأخلاقية بل ودفعت من مالها الكثير لتسديد أتعاب المحامين في تلك القضايا. ولأن نيويورك معقل اليهود، فإن إرضاءهم هو الطريق الوحيد للفوز في انتخابات مجلس الشيوخ، وهو ما يفسر موقف هيلاري المؤيد لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وضغطها على زوجها لإطلاق سراح الجاسوس اليهودي الأمريكي جوناثان بولارويد تحت الإلحاح اليهودي والإسرائيلي المتواصل لكي يتم ذلك قبل مغادرة كلينتون للبيت الأبيض.
مصادر صحفية إسرائيلية زعمت أن الحكومة الأمريكية تمارس ضغوطًا على دول عربية أخرى لإقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية تارة بالتلويح بدفتر الشيكات، وتارة أخرى بالتخويف من تهديدات عسكرية إقليمية. وهذه المعلومات إن صحت فستعني تساقط المزيد في الحضن الصهيوني.
ويظل الموقف العربي غير مريح في أحسن الأحوال، فهو متذبذب بين السكوت وبين الانتقاد السلبي الذي يرى أن إقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة اليهودية يأتي في وقت غير مناسب! وهو الموقف الذي عبر عنه أمين عام الجامعة العربية، وكأن وجود هذه الدولة قد أصبح أمرًا مفروغًا منه، وكأن الأصل هو إقامة علاقات طبيعية معها!
على أن الموقف الأكثر سخرية من هذا كله هو إدانة السلطة الفلسطينية على لسان أحمد عبد الرحمن سكرتير عام مجلس وزراء السلطة لموقف موريتانيا بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وقد تجرأ المسئول الفلسطيني فوصف الموقف الموريتاني بأنه «مخز ومعاد»! وتساءل: «لماذا لا يسأل الإخوة الموريتانيون أنفسهم إن كانت القدس والأراضي العربية المحتلة قد عادت لأصحابها أم لا، ألا يرون أن القدس تتهود كل يوم؟!» تساؤل مشروع بالطبع إلا أن يكون من مسئول في السلطة الفلسطينية، فالذي ضيع القدس وبقية الأراضي العربية المحتلة وشطبها من حساباته واعترف بالدولة اليهودية قبل أن تنسحب من بوصة واحدة من الأرض المحتلة هو آخر من يحق له التشدق بهذه الانتقادات والنصائح على الرغم من صحتها.. ولا ننسى أن هذه السلطة تستفيد هي الأخرى من الشيكات الأمريكية.. فقط لبناء مزيد من الأجهزة الأمنية!