; البوسنة والهرسك.. الانتخابات انتهت والمأساة مستمرة | مجلة المجتمع

العنوان البوسنة والهرسك.. الانتخابات انتهت والمأساة مستمرة

الكاتب سمير حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

مشاهدات 69

نشر في العدد 1275

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

هل سيتم تشكيل المجالس البلدية التي يتم انتخابها في المدن البوسنية حتى ٣١ ديسمبر القادم بالصورة التي تسمح لجميع الأحزاب الفائزة بالوصول إلى مواقع السلطة المحلية وهل ستعمل قوات الناتو بوصفها المسؤول الأول عن حفظ الاستقرار في البوسنة على تامين الأجواء بحيث تتولى الأحزاب المسلمة المنتخبة المجالس البلدية التي يسيطر عليها الصرب أو الكروات وهل ستساعد نتائج الانتخابات على زيادة عدد اللاجئين العائدين إلى ديارهم التي طردوا منها قبل الحرب؟

هذه الأسئلة والإجابة عنها تشكل حاليًا الشغل الشاغل للأوساط السياسية ورجل الشارع البوسني، بل والمؤسسات الدولية العاملة في البوسنة، والتي أشرفت على إجراء الانتخابات وتعهدت بأن تكون حرة ونزيهة وأكدت على بذل جميع الجهود لتطبيق نتائجها، وخاصة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ومكتب المنسق الدولي للسلام وقوات الناتو، ويبدو أن هذه المؤسسات تواجه معوقات جمة في العمل على تطبيق نتائج الانتخابات حتى ٣١ ديسمبر القادم مما قد يسبب لها حرجًا لا مناص منه خاصة أن الكروات في موستار شككوا في نتائج الانتخابات بعد أن حصلوا على عشرة مقاعد من المجلس البلدي للمدينة، بينما حصل حزب العمل حزب المسلمين المتحالف مع ثلاثة أحزاب أخرى، على أربعة عشر مقعداً وبالرغم من إصرار منظمة الأمن والتعاون الأوروبي على عدم إعادة فرز الأصوات إلا أنه تم عد الأصوات من جديد وتأكد حصول المسلمين على ١٤ مقعداً والكروات على عشرة ليقضوا بذلك على حلم الكروات في تقسيم المدينة إلى شطرين رغم حصولهم على الأغلبية في ثلاث بلديات غرب موستار، لكن المجلس لم يشكل بعد لعدم اقتناع الكروات بالنتيجة.

وعلى صعيد الصرب فإن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وعلى لسان الناطق الرسمي باسمها "جوهان فرهايدن" ذكرت أن الطرف الصربي أعلن عن القبض على المرشحين المنتخبين من حزب العمل، وأن المناطق والبلديات الصربية لا مكان فيها للمسلمين وأن التعايش القومي بين الصرب والمسلمين لن يكون ولن يسمح به الصرب مرة أخرى.

 وعلى صعيد المسلمين، فإن المنظمة نفسها أدعت أن حزب العمل أعلن القبض على المرشحين الفائزين من حزب الشعب الديمقراطي الذي يتزعمه فكرت عبدتش المنشق عن الحكومة البوسنية أثناء الحرب، والمتهم بجرائم قتل وتطهير عرقي ضد المسلمين شمال غرب البوسنة والتعاون مع الصرب والكروات ضد الجيش البوسني، لكن آدم بوريتش رئيس الحزب في إقليم بيهاتش الذي يضم مدينة فيليكًا كلادوشا معقل اتباع عبديتش الذين فازوا بأغلبية مقاعد مجلسها البلدي نفى بشدة تصريحات المتحدث باسم منظمة الأمن والتعاون الأوروبي المشرفة على الانتخابات ووصفها بأنها إشاعة كاذبة، وأكد في الوقت نفسه أن لجنة مختصة شكلت لتطبيق نتائج الانتخابات.

من هنا فإن نتيجة استطلاع الرأي الذي أجرته إحدى المؤسسات الإعلامية البوسنية تقترب من أرض الواقع؛ حيث شكك ٤٣% في إمكانية تشكيل المجالس البلدية المنتخبة فيما أكد ٢٤% أنها ستشكل بغض النظر مما يحدث حاليًا.

لكن إذا لم تشكل فهل ستتدخل المؤسسات الدولية العاملة في البوسنة الإجابة في هذه الحالة تعني المسلمين فقط؛ حيث إنهم المتضررون من عدم تطبيق نتائج الانتخابات، ولذلك فإن ٧٥.٥ % من البوسنيين يرون ضرورة تدخل قوات الناتو لتطبيق نتائج الانتخابات.

 وعبر جمال الدين يشيروفيتش نائب محافظ سریبرنیتسا التي فاز المسلمون بـ ٥٦% من مقاعد مجلسها البلدي، حيث كانوا يشكلون أغلبية السكان قبل احتلالها، عبر عن أمله في مساعدة المجتمع الدولي والحكومة البوسنية الفائزين من سریبرنيتسا بأخذ مواقعهم في سلطة المدينة، وإلا فإن الأمر قد يتطور إلى عودة المواجهة وعودة أهالي سريبرنيتسا إلى مدينتهم بالقوة على حد قوله.

ومسألة عودة اللاجئين والمطرودين إلى مدنهم التي شردوا منها بسبب الحرب العرقية كانت هي الأمل الذي شجع البوسنيين على المشاركة في الانتخابات، لكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لمدينة مهمة مثل برتشكو كانت ذات أغلبية مسلمة، لكن الحزب الديمقراطي الصربي الذي كان يتزعمه مجرم الحرب رادوفان كرانيتش حصل على ۱۷ مقعدًا بينما حصل المسلمون على ١٦مقعدًا والكروات ٣ مقاعد من ۳۰ مقعداً مجموع المجلس البلدي، ومع ذلك فإن روبرت فاراند الحاكم الأمريكي للمدينة أكد على تشكيل سلطة مشتركة في المدينة من القوميات العرقية الثلاث بغض النظر عن نتائج الانتخابات.

ويشير المراقبون إلى أن الانتخابات ونتائجها لم تغير البوسنة، بل العكس فإنها عمقت الخوف من التغيير بدليل فوز الأحزاب القومية الثلاثة حزب العمل للمسلمين، والتجمع الديمقراطي الكرواتي والحزب الديمقراطي الصربي بأغلب مقاعد المجالس البلدية وهو ما تستهجنه المؤسسات الغربية العاملة في البوسنة وتعتبره سبب أزمة البوسنة، لكن الحقيقة أن هذه هي رغبة الجماهير التي لم تر في المعارضة سواء الصربية أو الكرواتية أو حتى الشيوعية التي يدعمها الغرب صراحة سواء مادياً أو إعلامياً، بديلاً عن الأحزاب القومية، ولعل قراءة تحليلية الأرقام الانتخابات تدعم صحة ما سبق ذكره إجمالاً، فمن حيث الإقبال على الاقتراع صوت ۸۷% من الأصوات الصالحة والبالغ عددها (2.174.765) من أصل (2.486.429) هم عدد الناخبين المسجلين لانتخاب ٤٧٨٩ عضوًا لمائة وخمسة وثلاثين بلدية «٧٤ في مناطق فيدرالية المسلمين والكروات و٦١في مناطق صرب البوسنة».

وقد فازت الأحزاب القومية بـ ٣٢٣٠ مقعدًا والأحزاب غير القومية ومعظمها أحزاب للشيوعيين المجددين بـ ۲۹۹ مقعدًا أي ٦%، وقد انفردوا بمدينة توزلا في الفيدرالية في حين فازت المعارضة الصربية بمدينة بانيالوكا في مناطق صرب البوسنة، أما المرشحون المستقلون فلم يحققوا نجاحًا يذكر.

وقد حصل المسلمون على الأغلبية في ٥٦ بلدية «٤٤ في الفيدرالية و١٢ لدى صرب البوسنة». واكتسح الكروات المجالس البلدية في مناطق سيطرتهم في إقليم الهرسك غرب وجنوب البوسنة كما فازوا في مدينة ستولاتس التي كانت ذات أغلبية مسلمة قبل الحرب وشهدت عدة محاولات كرواتية إرهابية للحيلولة دون عودة المسلمين إليها حتى بعد اتفاق دايتون.

وفي مناطق صرب البوسنة فقد الحزب الديمقراطي الصربي «حزب كرانيتش» الأغلبية الكاسحة التي كان يتمتع بها قبل صراع رادوفان كرانيتش مع بليانا بلافيتش رئيسة صرب البوسنة على السلطة، حيث خسر واحدة من أكبر المدن وهي بانيالوكا معقل المعارضة، كما ارتفعت أسهم الحزب الراديكالي المتطرف والذي لا يقل عداء للمسلمين عن حزب كراذيتش حيث حصل على ١٩من مجموع المجالس البلدية في الجمهورية الصربية بينما حصل الحزب الديمقراطي الصربي على ٣٧%.

ومع ذلك يبقى ٣١ ديسمبر هو المحك للأطراف البوسنية والمؤسسات الدولية المشرفة على الانتخابات غير أن تأخر منظمة الأمن والتعاون الأوروبي خمسة أسابيع عن الإعلان عن نتائج الانتخابات ثم منح مهلة عشرة أسابيع التطبيق النتائج مؤشر واضح على أن المأساة ستستمر !!

الرابط المختصر :