; الإسلام.. وتوجهات السياسة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. وتوجهات السياسة الأمريكية

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1307

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 07-يوليو-1998

يتجنب الساسة الأمريكان في العادة التحدث عن الإسلام في خطابهم السياسي بصيغة عدائية مباشرة، نظرًا للحساسية المتعلقة بهذا الشأن. وخشية ردة الفعل الجماهيرية المحتملة تجاه العداء المباشر للإسلام ويستعيضون عن ذلك بإطلاق مصطلحات سياسية خاصة كالأصولية الإسلامية، الإسلام السياسي للتعبير عن مواقفهم تجاه الحركة الإسلامية الفاعلة سياسيًّا في المنطقة، بالرغم من أن خطاب هذه الحركة بكافة أطيافها تابع من الإسلام وتصوراته العامة، وتكرر الخارجية الأمريكية مرارًا المفهوم القائل: إن الإسلام ليس عدوًا للولايات المتحدة، وتلجأ السياسة الأمريكية لهذه الصيغة لتحييد وعزل النخب ذات المشروع الإسلامي عن سائر شرائح المجتمع لتسهيل الضغط عليها وتمرير عملية ضربها .-إذا اقتضت الحاجة لذلك - تحت هذا الغطاء.

بالرغم من ذلك فإن الحركة الإسلامية في كافة البلدان الإسلامية تتمتع على الأغلب بقاعدة شعبية واسعة ولا يخرج من هذا الإطار سوى بقايا النخب العلمانية والشرائح المجتمعية التي تعيش عادة في الفراغ، ويعود تمتع الحركة بهذه الخاصية بسبب كينونتها الخاصة المتمثلة بانتمائها الهوية الأمة وتداخلها في نسيج المجتمع، وعيشها مع نبض الشارع ومع هذه الحقيقة الماثلة، فإن الولايات المتحدة متمادية في تبنيها لمبدأ الفصل ما بين هذه الحركة والمجتمع، وإقصائها عن المسرح السياسي – أضف إلى ذلك ما تعتمده في مبدأ التحريش بين الأنظمة والحركات التي تعيش في ظل حكمها. 

لكن الرؤية الأمريكية تجاه الصورة البانورامية لكافة القوى والكيانات الإسلامية في المنطقة ليست أحادية النظرة، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، بل على العكس من ذلك تمامًا، فهي تقسم القوى السياسية والكيانات الإسلامية إلى وحدات مختلفة أنظمة راديكالية متطرفة، وأنظمة معتدلة وحركات أصولية متطرفة وحركات أصولية معتدلة.

وينبني على هذا تنوع الخطاب السياسي الأمريكي تجاه هذه القوى والكيانات السياسية، فعلى صعيد الدول المفروزة كدول متطرفة يصفها المنظر السياسي الأمريكي «جرفيس»، بأنها عبارة عن نمور ورقية وفقًا لنظرية «لعبة الدومينو» ويكفي في مواجهتها عملية الاحتواء من خلال – محاصرتها أو زرع المشاكل الداخلية في أحشائها وتصعيدها، لإشغالها من الداخل وتحطيم نموذجها، خوفًا من انتشار نموذجها السياسي لبقية دول المنطقة وفقًا لنظرية «التفاحة الفاسدة» للرئيس ترومان، ونظرية «السرطان» للرئيس ريجان وتشكل حالتي السودان وإيران النموذج الواقعي الصارخ لهذه السياسة، وفي هذا السياق بقول السياسي الأمريكي لينكولن بلومفليد في محاضرة له نشرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إنني لا أؤيد التقارب الأمريكي مع إيران، ولا أرى أن أمريكا تريده، ولا أعتقد أن إيران هي الأخرى بحاجة إليه، والبديل الذي أفضله هو التشاور المستمر والمتجدد بين الولايات المتحدة من ناحية، وبين جميع الدول التي تشكل إيران خرقًا لمبادئها، وتهديدًا لمصالحها، ثم تجمع هذه الآراء وتقرر الرد المناسب. 

وبخصوص الدول المعتدلة فيطلق عليها في العادة وصف الدول الصديقة أو الحليفة حسب حميمية العلاقة وارتفاع درجة المصلحة، وتعمل الإدارات الأمريكية المتعاقبة دومًا على مساندة هذه الدول ودعمها، بل وحمايتها إذا اقتضت الضرورة، وفي هذا السياق يقول نيكسون في كتابه الأخير «ما وراء السلام » يدعونا الواجب إلى زيادة المساعدات لمصر والبلدان الأخرى التي تعاني من التخريب على أيدي الجماعات المتطرفة المدعومة من إيران، وكذلك تعزيز التعاون مع الدول الإسلامية الموالية للغرب مثل تركيا وخير سبيل لاحتواء تهديد إيران المتطرف وتهديدات الدول الأخرى في المنطقة وفي العالم الإسلامي بأسره هو تمتين علاقاتنا مع القادة المدركين لمسؤولياتهم.

وفيما يتعلق بالحركات الإسلامية تعمل الولايات المتحدة على تشجيع الأنظمة والكيانات

الموالية لها، لتضييق الخناق على الحركات التي تصنفها على أنها متطرفة أو إرهابية، وتمثيلًا لهذا التوجه يأتي إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت، في كلمة موجهة للشعب الفلسطيني عبر إذاعة فلسطين التابعة للحكم الذاتي الفلسطيني، خلال زيارتها للمنطقة في سبتمبر الماضي بأن حماس والجهاد الإسلامي هما حركتان إرهابيتان ومعاديتان للشعب الفلسطيني ويجب مقاومتهما، وتصدر الخارجية الأمريكية سنويًّا قائمة بأسماء الدول والحركات التي تعتبرها الحكومة الأمريكية رسميًّا، جهات إرهابية يحظر التعامل معها، وتتصدر القائمة بطبيعة الحال حركات التحرر الإسلامي كحماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، وبعض الدول الإسلامية كإيران والسودان وغيرهما. 

أما الحركات المعتدلة فلها شأن خاص، حيث إن السياسة الأمريكية تجاهها معقدة ولها تداخلات كثيرة، والسبب في ذلك أن الحركات المعتدلة تطالب بالمشاركة في الحياة السياسية. وفق اللعبة الديمقراطية التي تبشر بها الولايات المتحدة، لأن باعتقاد هذه الحركات أن السلم الديمقراطي سيمكنها من الوصول لسدة الحكم الطرح مشروعها، أو على الأقل لتحقيق بعض الإنجاز في مشروع التغيير الطويل من خلال الممارسة السياسية باعتبارها ممارسة دعوية، وما يحمل ذلك من رغبة في تفريخ نخب سياسية إسلامية تحل محل النخب العلمانية في المستقبل.

وفي هذا الإطار تتبنى أمريكا – لعبة متوازنة – تعمد من خلالها إلى تشجيع أصدقائها وحلفائها في المنطقة لإيجاد نوع من الديمقراطية يمكن تسميته به الديمقراطية العرجاء للتعامل مع هذه الحركات واحتوائها، والعمل في نفس الصعيد على الحفاظ على الأمر الواقع في تلك الدول. دون تغييرات بنيوية جذرية خوفًا من بعبع «الطفرة الانتخابية».. التي من شأنها أن تجلب هذه الحركات السدة الحكم وبالتالي تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر، وفي هذا المجال يقول أنتوني ليك وإن المصالح الأمريكية تتطلب منا أحيانًا أن ندعم ونصادق، بل حتى أن تدافع عن الحكومات غير الديمقراطية لأسباب تتعلق بالفوائد المتبادلة ببناء وفي سياق آخر يقول الخبير السياسي الأمريكي توني فرستاندنج وإن الولايات المتحدة قلقة من أولئك الذين قد يسلكون الطريق الديمقراطي للوصول إلى السلطة، لكي يدمروا ذلك النظام في سبيل الاحتفاظ بالسلطة وفرض الهيمنة السياسية، في إشارة للحركات الإسلامية.

وفي خط موازٍ لهذه السياسة القائمة هناك جهد مبذول لفتح قنوات اتصال وحوار مع رموز هذه الحركة المعتدلة لتحقيق هدفين أولهما: الاطلاع على أفكار هذه الحركة بطريقة مباشرة ودراسة برامجها، ثانيهما: ضمانة توفير الخيوط اللازمة للتنسيق مع هذه الحركات باعتبارها البديل المحتمل فيما إذا انهارت بعض الأنظمة الآيلة للسقوط.

وبالرغم من ميل السياسة الأمريكية إلى تجاهل القوة السياسية للحركات الإسلامية على مستوى الفعل فإنه يقبع في عمق العقل الغربي والأمريكي على وجه الخصوص مفهوم يقول إن المستقبل للمشروع الإسلامي في المنطقة لا محالة، وكل ما يمكنهم القيام به هو تأخير هذا المشروع فقط.

وحول قوة الخيار الإسلامي في المنطقة يقول الرئيس الأمريكي نیكسون في آخر كتاب له قبل وفاته «الأصولية الإسلامية إيمان قوي. ودينية التوجه وليست دنيوية أي أنها تخاطب الروح لا الجسد، ولا تستطيع القيم الغربية الدنيوية أن تنافس هذا الإيمان ولا حتى القيم الإسلامية الدنيوية، وفي خضم صراع الحضارات لن تكفي حقيقة أننا أقوى وأثرى أمة في التاريخ».

الرابط المختصر :