; معركة العاشر من رمضان (۲من٣) التعبئة الإيمانية | مجلة المجتمع

العنوان معركة العاشر من رمضان (۲من٣) التعبئة الإيمانية

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1965

نشر في الصفحة 40

السبت 13-أغسطس-2011

  • اللواء محفوظ: أركان الجيش اجتمعوا بعد هزيمة ٦٧ وأكدوا أن سببها استبعاد الدين عن الجيش فقرروا إنشاء «الوحدة المعنوية»
  • اللواء بدران: قرر قادة قواتنا أهمية العقيدة والإيمان وتولد عنهما روح معنوية عالية تعد من أعظم الأسلحة
  • تولد في الجنود والضباط طاقات هائلة فانقلب الرجل منهم يقاتل بقوة عشرة رجال

سبق أن ذكرت في العدد الماضي كيف كانت الأحوال بعد الهزيمة المذلة في عام ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م إلى ما قبل حرب رمضان، وفي هذا العدد سأذكر -إن شاء الله تعالى- كيف أعد الجيش المصري للمعركة، وبعض أحداث هذه المعركة:

قال اللواء أركان حرب جمال الدين محفوظ -وهو ممن شارك في المعركتين (۱۳۸۷هـ - ١٩٦٧م، ۱۳۹۳هـ - ۱۹۷۳م)-: إن أركان الجيش اجتمعوا بعد المعركة وتساءلوا عن أسباب الهزيمة المذلة، ثم خرجوا بالنتيجة المعروفة: إنه استبعاد الدين عن الجيش فقرروا أن ينشئوا ما سموه «الوحدة المعنوية» وأسندوا إليها العمل على رفع الروح المعنوية للجنود؛ فقد كانت في أقل مستوياتها بعد النكبة، ولولا أن السياق سياق أمل واستبشار لأوردت قصصًا عن صنيع اليهود بالجنود المصريين الأسرى تبكي العيون وتمزق نياط القلوب.. وعمد القائمون على هذه الوحدة إلى تعليم الجنود مبادئ الإسلام والتطلع إلى الشهادة، وأدخلوا إلى الجيش مشايخ وطلبة علم ما كان لهم أن يدخلوا زمن الطاغية العبد الخاسر، وكان ممن دخل الجبهة الشيخ محمد الغزالي -يرحمه الله تعالى- وآخرون، وعُبئ الجيش تعبئة إيمانية أهلته للنصر الذي حصل في رمضان.

حسن الصلة بالله

وقال اللواء شوقي محمد بدران: «لقد تحقق نصر الله بعد سنوات طوال من الصراع مع العدو الإسرائيلي» الذي كان يكسب كل جولة؛ ذلك لأننا لم نكن نحسن الصلة بالله -سبحانه وتعالى- ولم نكن نأخذ بالأسباب الحقيقية للإعداد والاستعداد الجاد لملاقاة العدو، ولكن عندما غيرنا أحوالنا كما أمرنا الحق -تبارك وتعالى- في قوله الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:۱۱)، وحينما أعددنا أنفسنا عقائدياً وماديا إعدادا جيدا كتب الله لنا النصر، وهذا هو الطريق الصحيح للنجاح والفوز.

بدأت المعركة يوم العاشر من رمضان وأعطي لها الاسم الرمزي «بدر» تيمناً بمعركة بدر التي كانت فاتحة خير على المسلمين. 

لقد قرر قادة قواتنا أهمية العقيدة والإيمان، وتولد عن هذا الإيمان العميق روح معنوية عالية تعد من أعظم الأسلحة التي في يد القائد.

سلاح رهيب

كانت الروح المعنوية العالية لقواتنا هي السلاح الرهيب الذي أدهش العدو؛ حيث وجد رجالا يقذفون بأنفسهم إلى الموت، ويستهينون بالنار طلبا للنصر أو الشهادة تولد في الجنود والضباط طاقات هائلة لا يمكن وصفها أو تحديدها، فانقلب الرجل منهم يقاتل بقوة عشرة رجال في استبسال منقطع النظير. 

إن طريق النصر هو تقوية الصلة بالله -جل جلاله- حتى يؤيدنا ويقف بجانبنا، أما القوات التي تبتعد عن الله؛ فإنه يتركها لعدوها قوة أمام قوة وسلاحًا في مواجهة سلاح، ويتحكم في الصراع العوامل المادية فحسب.. «إن حرب رمضان كانت نصرا من عند الله سبحانه وتعالى».

وقد أرسل لي الأخ عبدالرحمن مصطفى عبدالرحمن الأعمى المصري رسالة يذكر فيها أن شيخه الدكتور محمد السعيد أحمد كان رئيسا للجمعيات الشرعية بالوجه البحري بمصر، وكان من المتمسكين بالسنن محارباً للبدع، عابداً خيراً، وكان له مسجد في المحلة الكبرى، وقد أخبره شيخه هذا أنه قد صدر أمر قيادي في الجيش المصري بتدريس سورتي «الأنفال»، و«محمد» داخل كل وحدات الجيش المصري، ووجوب تعليم آداب الجهاد في الإسلام لأفراد الجيش.

وهكذا كانت تعبئة الجنود قبل معركة رمضان، ولهذا -والله أعلم- حصل النصر، وهزم اليهود لأول مرة أمام جيش نظامي مسلم في التاريخ الحديث.

مظاهر الإيمان

إن تلك المعركة الجليلة تضمنت العديد من مظاهر الإيمان، منها:

١- التكبير: وهو سلاح للمسلمين لا يملكه غيرهم، وهو نداؤهم المعروف، وحداؤهم المشهور، ولم يكن لليهود عهد بالتكبير من مدة طويلة، وقد امتلأت بالتكبير جنبات قناة السويس، وانطلقت به حناجر الجنود في مشهد إيماني جليل، قال اللواء شوقي محمد بدران: «ولقد كان شعار قواتنا المسلحة في حرب رمضان «الله أكبر» مدويا في آفاق السماء، ورجالنا يهاجمون مواقع العدو فيهزهم هزا، وقذف الله في قلوب الأعداء الرعب ففروا هاربين، وكان هذا الشعار يقوي عزيمة الرجال، ويبعث فيهم الأمل، ويعطيهم الثقة بأن العدو مهما كان كبيرا فإن الله أكبر .. كانت صيحاتهم المدوية «الله أكبر» تزلزل أقدام العدو، فكانت هذه الصيحة طلباً للمدد من الحق -سبحانه وتعالى- فكتب لهم النصر وحقق الله أمنيته».

وذكر الفريق سعد الدين الشاذلي أنه عند وضع خطة حرب العاشر من رمضان قال للمخططين معه إن أقصر الطرق لمواجهة اليهود وتحقيق النصر هو «الله أكبر»، وقد تم إعدادهم على هذا النسق الإيماني حتى في التدريبات قبل الحرب بتكرار وذكر نداء الله أكبر.

٢- المعونة الإلهية للجنود: شهد كثير من ضباط الجيش وجنوده من مظاهر المعونة الإلهية لهم ما يعجز عنه التعبير، ويقصر عنه يصيح: الوصف، وإليكم بعض الشهادات في هذا: 

- اللواء الفاتح كريم قائد اللواء الثاني «مشاة مُدَرِّع» وكان في المعركة برتبة عقيد، ومهمته في حرب رمضان السيطرة على جبل المر وسط سيناء وهو جبل صعب، وقد استطاع هو ومن معه السيطرة عليه بعد معركة جليلة، لكنه في الوقت الصعب من المعركة كان : «لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله أكبر والعزة لله، والنصر لنا، سيروا على بركة الله»، وكان يقول لجنوده: «إني ذاهب لملاقاة الله -عز وجل- ومن يرد أن يلحق بي فليلحق»، وكان هذا اللواء يقول: «يحاسبني الله -عز وجل- على ما أقوله: فقد شاهدت بعيني قوات تحارب في صفنا وأعدادا غفيرة ليست قليلة وكانت ترتدي ثيابا بيضاء، ولست وحدي الذي شاهدهم بل كان معي جنودي وعندي الدليل على ذلك.. حيث كنا نشاهد جنود العدو يتساقطون قتلى وجرحى ولا نعرف من الذي يضربهم، إنها الملائكة التي حاربت معنا كما حاربت مع نبينا -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر، وهو الموقف الذي تكرر بعد ذلك أثناء وجودنا في الجبل وقت الثغرة».

وقد ذكر اللواء أن اليهود حفروا آباراً في المنطقة لكنهم لما لم يجدوا فيها ماءً ردموها، فقام الجنود بحفر كل الآبار التي ردمت؛ فوجدوها ملأى بالماء!

وقد أخبرني الأستاذ أحمد جلبط المصري -وهو مسؤول البرامج الدعوية في الندوة العالمية للشباب الإسلامي في جدة- قائلا: «في أثناء المعركة صاح بي رئيسي لأنظر إلى جهة أشار إليها ، فإذا بجندي يدفع مدفعا على تبة -تل- من الرمال بمفرده، وهذا المدفع لا يقدر على دفعه على أرض مستوية إلا ثلاثة أو أربعة من الجنود، فكيف يدفعه هذا الجندي على تلة من الرمال بمفرده؟! وكان القائد في غاية كبيرة من الدهشة». 

٣- المكافآت الإلهية للضباط والجنود: في معركة رمضان كافأ الـلـه -سبحانه وتعالى- الضباط والجنود مكافآت رائعة حيث مكنهم من النصر، وأعاد لهم جزءاً من أرضهم، ومكنهم من رقاب أعدائهم قتلاً وأسرا، وكانت هناك مكافآت أخرى جليلة، فقد حدثني الأستاذ أحمد جلبط أنه كان مشاركا في المعركة ضابط احتياط، وكانوا يدفنون قتلاهم على عجل، ويعلمون على قبورهم بعلامات تدل على بلدانهم التي جاؤوا منها، وكانوا يدفنون اليهود في مكان قصي، وبعد المعركة أغلق الميدان عسكريا لمدة تقارب خمسة أشهر، فلما فتحت المنطقة انطلق مع أهالي الشهداء؛ لينقلوا الرفات، فقال لي: لا أدري عدد القبور التي فتحت وأنا واقف شاهد، فما إن يُزح الأهالي شيئاً من التراب إلا ويعم المكان رائحة عطرية رائعة لم نشك أبداً أنها من الجنة وبعض القبور التي أزيح عنها التراب ليس فيها رائحة لكني لم أجد في أي قبر جندياً واحداً قد تغير، بل كانوا كلهم كما وضعناهم، وشاهدت إحدى الجثث التي ما زال الدم ينزف منها من موضع رصاصة، الله أكبر، هكذا يُكرم الله تعالى الضباط والجنود بحفظ أجسادهم، ثم قال لي: إنهم إذا فتحوا بالخطأ قبور اليهود فإن رائحة القبور المنتنة تملأ المكان.

رائحة عجيبة

وقال لي الأستاذ مأمون محمد فراج، وهو داعية مصري، خريج قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة ومتخصص في القراءات، قال: «بعد مدة من انتهاء الحرب -أربعة أشهر أو أكثر- عرفت مصر كلها أنباء هذا الحقل الذي كانت فيه أجساد الشهداء، والرائحة العجيبة التي خرجت آنذاك، ولم يشم أحد مثلها، وسارت هذه المقولة كالنار في الهشيم وتذكرنا عهد السلف والشهداء، وصارت فرحة عامة في مصر، وبلسما لجراح الأهالي، وكانت هذه المنطقة في القنطرة شرق». 

وحكى لي الأخ المصري نور الدين موسي أن خاله شارك في حرب رمضان وكان صالحا ، وأصيب إصابة أدت به إلى شلل رباعي وأخذ إلى مستشفى العجوزة وبقي عاما فيها ثم مات، ودفن في محافظة سوهاج، وبعد قرابة ثلاثة أعوام فتح القبر ليدفنوا شخصاً آخر بجواره؛ فوجدوه مثلما وضعوه، الله أكبر.

مصادر موثوقة

هذه بعض أحداث جرت في ساحة معركة العاشر من رمضان نقلتها من مصادر موثوقة -إن شاء الله تعالى- وأنا واثق أن في جعبة الذين حضروا المعركة أحداثا كثيرة غير هذه التي سطرتها، وأدعو كل من عنده شيء أن يبعث به إلي على بريدي الالكتروني:

(mmmalshareef@hotmail.com)

لأني أريد توثيق المعركة من كل الجوانب، إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل