; وعد الله بالاستخلاف كائن | مجلة المجتمع

العنوان وعد الله بالاستخلاف كائن

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010

مشاهدات 71

نشر في العدد 1927

نشر في الصفحة 39

السبت 13-نوفمبر-2010

الاستخلاف سنة من سنن الله في الحياة، واستخلاف الله الصالحين سعادة وهناء وفلاح وإصلاح في الأرض، واستخلاف الله للمفسدين بوار وهلاك وضياع، وقد ضرب الله سبحانه وتعالى مثلًا للاستخلاف الصالح الدائم برسول الله ﷺ وصحابته رغم ما كان من عسر وشدة.

فلما استقر ﷺ بالمدينة، وأيده الله تعالى بنصره وبعباده المؤمنين، وألف بين قلوبهم بعد العداوة التي كانت بينهم، منعته أنصار الله وكتيبة الإسلام: الأوس والخزرج، من الأسود، والأحمر، وبذلوا أنفسهم دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، عادتهم العرب واليهود.

روى الحاكم عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وأوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55)

 ومن كفر بعد ذلك يعني بالنعمة، فأولئك هم الفاسقون.

قال البيهقي: وفي مثل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42)

ذكر بعض أهل التفسير أنها نزلت في المعذبين بمكة حين هاجروا إلى المدينة بعدما ظلموا، فوعدهم الله تعالى في الدنيا حسنة، يعني بها الرزق الواسع، فأعطاهم ذلك بعد امتحان عسير وجهاد شاق وعمل متواصل.

فيروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان إذا أعطى الرجل عطاءه من المهاجرين يقول: خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله تبارك وتعالى في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل.

هذا الصحب المؤمن استخلفهم الله في الأرض لاستحقاقهم الاستخلاف، استخلفهم ليزيلوا الظلم ويقتلعوا الأوثان الحجرية والأوثان الإنسانية، ويعبدوا الناس لله الواحد القهار، والاستخلاف الحقيقي في الأرض كما أنه جهد بشري وعمل في الصالحات هو منح إلهية وتوفيق رباني للصالحين من عباد الله المتقين، وهو كذلك امتحان واختبار لهم وصدق الله: ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 129)

وهي سنن تجري في الأرض وفق تقديره للصابرين والعاملين، وللجاحدين والخاسرين، ويرى من خلال سنن الله هلاك الطاغين وأشياعهم، واستخلاف الصابرين السائرين في طريق الفلاح المستعينين بالله.

ولهذا يجب أن يوصل التوفيق والاستخلاف بالشكر ومواصلة العمل وصدق الله: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 74)

وصدق القائل:

أتذكر إذ لحافك جلد شاة

             وإذ نعلاك من جلد البعير؟

فسبحان الذي أعطاك ملكًا

             وعلمك الجلوس على السرير

إذن، فالاستخلاف في الأرض كما يقرر العلماء والفقهاء قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان.

وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم ليحققوا النهج الذي أراده الله؛ ويقرروا العدل الذي أراده الله ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.. فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان.. فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض، إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله.

آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾ (النور: 55)، وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها، فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض، ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض.. ويأمر بعمارة هذه الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله.

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا­﴾ (النور: 55) ولقد كانوا خائفين، لا يأمنون، ولا يضعون سلاحهم أبدًا حتى بعد هجرة الرسول ﷺ إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة.

قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده بلا شريك له، سرًا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدموها فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح؛ فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ: لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة» وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله قبض نبيه ﷺ فكانوا كذلك آمنين وملكوا الدنيا قرونًا، إلى أن أضاعوا أسباب الاستخلاف ووسائل الفلاح والنجاح وهي: الهمة العالية، والنفس الوثابة، والروح الندية، وصدق من قال:

إذا كنت في شرف مروم

                فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في شيء حقير

                       كطعم الموت في أمر عظيم

فالضياع والعصيان والفساد يورث البوار والخسران والنقمة، وصدق الله ﴿ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 136)

تربط الآيات بين الفساد والغفلة، وبين التكذيب والانحطاط والفساد وبين المصير المقدور، وتقرر أن الأحداث لا تجري اعتباطًا ولا مصادفة ولا تمضي فلتات عابرة كما يظن الغافلون، وإنما هي بأسبابها وتقدير الله لها، فهل نعمل حتى يكرمنا الله تعالى بالأمن والطمأنينة والفلاح؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 293

107

الثلاثاء 30-مارس-1976

أمة واحدة