العنوان برنامج الإصلاح الاقتصادي في اليمن
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995
مشاهدات 95
نشر في العدد 1146
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 18-أبريل-1995
المحاولة الأخيرة للخروج من عنق الزجاجة
باستثناء بعض التظاهرات في مدينتين اثنتين، فإن ردود فعل الشارع في اليمن تجاه القرارات الاقتصادية للحكومة لم يكن في مستوى التوقعات الصحفية -بل والرسمية- التي كانت تتوقع -أو تخشى- من حدوث اضطرابات شعبية عنيفة شبيهة بما كان يحدث في بلدان عربية أخرى...
وكانت الأزمة الاقتصادية في اليمن قد وصلت حدًا شديد الوطأة عندما عجز حزبا الائتلاف الحاكم «المؤتمر الشعبي + الإصلاح» عن الوصول إلى رؤية مشتركة لمعالجة العجز المالي المتوقع في الميزانية الجديدة لعام ١٩٩٥م، مما انعكس سلبًا على الأوضاع الاقتصادية التي كانت تنتظر إجراءات حازمة لإصلاح المسار.
وبينما ترجحت كفة إعلان فض الائتلاف الثنائي، وتهيأت أوساط عديدة المرحلة ما بعد ذلك، إلا أن قيادات الحزبين فاجأت الجميع بالتوصل إلى اتفاق بعد لقاء غير معلن ضم الرئيس «علي عبد الله صالح» وعدد من قيادات الإصلاح، وعلى إثرها انعقدت سلسلة من اللقاءات تم فيها التوصل إلى مشروع مشترك للإصلاحات الاقتصادية والإدارية، مما يوحي بأن الرئيس اليمني اقتنع بأطروحات الإسلاميين في ضرورة ألا تقتصر المعالجات على رفع الأسعار وتحميل المواطنين العبء الأكبر في برنامج الإصلاح مع ضرورة أن يصاحب كل ذلك إصلاح إداري وتغيير حقيقي للقيادات الإدارية العليا التي فشلت في أداء مهامها.
ملامح الإصلاح
كان أهم ملمح في برنامج الإصلاح الاقتصادي هو إصلاح سياسات الأسعار، ولاسيما فيما يتعلق بدعم المواد الغذائية الأساسية لم يتم الإعلان عنها بعد، ورفع أسعار الخدمات العامة كالكهرباء والمياه والوقود حتى تقترب من سعرها الحقيقي بقدر الإمكان، ولعل هذه الإجراءات هي التي كانت مصدر التخوف الأكبر من حدوث قلاقل شعبية.
أما بالنسبة لعملية الإصلاح الإداري فقد تمثلت في جملة من القرارات المعلنة بهدف تخفيض نفقات الحكومة بنسبة كبيرة، وشملت تقليص عدد السفارات وتخفيض أعداد الموظفين الدبلوماسيين، وإغلاق كل الملحقيات العسكرية والثقافية والإعلامية في الخارج، وإيقاف الابتعاث للدراسة الجامعية، وتخفيض مخصصات الدوائر الحكومية من الأجور الإضافية والمكافآت.. إلخ، بالإضافة إلى إيقاف شراء الكماليات واستيرادها!
كما شملت الإجراءات تشكيل لجنة خاصة بقوانين الزكاة والبنوك الإسلامية، وهي مسألة كانت من صلب اهتمام الإسلاميين منذ فترة طويلة، فجباية الزكاة -مثلًا- لا تتم بصورة منظمة وملزمة، ومع ذلك فهي تمنح خزينة الدولة سبعمائة مليون ريال سنويًا.
والواضح أن برنامج الإصلاح المعلن جاء مستوعبًا لأهم الأفكار التي دافع عنها الإسلاميون بقوة؛ إيمانًا منهم بأن هناك فرصة حقيقية للبدء في عملية إصلاح جذرية تجنب اليمن اللجوء -مستقبلًا- لإجراءات قاسية جدًا.
وبإلقاء نظرة متأملة في البرنامج المعلن يتضح أنه يحتوي على نقاط قوية وتحديد جريء لمكامن الخلل في الهيكل المالي والإداري للدولة، الذي صار يشكل عبئًا ضخمًا تلتهم مرتباته الشهرية نصف ميزانية الدولة، أو ١٠٠٪ من إيراداتها.
ولعل هذه المشكلة بالذات ستكون إحدى العقبات الكبرى أمام إصلاح الوضع الاقتصادي، فهناك مليون موظف مدني وعسكري يشكلون أزمة للحكومة، فلا هي قادرة على الاستغناء عنهم خوفًا من ردود الفعل، ولا هي قادرة على الإبقاء عليهم، لأن معنى ذلك تمييع عملية الإصلاح الاقتصادي.
وهناك قضية اصطلح على تسميتها بتنقية الجهاز الإداري للدولة من «الفساد والفاسدين»، وطغت المناقشات والتعليقات في هذا الأمر على كل شيء، وصارت هدفًا للعناوين الصارخة في صحف المعارضة والائتلاف الحاكم على حد سواء، إذ الواضح أن هناك قناعة شعبية -ورسمية- بأنه بدون إحداث تغيير حقيقي في قيادات الجهاز الإداري للدولة فلن يكون هناك خط نجاح لأي برنامج إصلاح اقتصادي.
ليس سرًا أن الحكومة اليمنية كانت تتحسب جدًا من حدوث اضطرابات في الشارع اليمني على غرار ما حدث في ديسمبر ۱۹۹۲م، ولاسيما أن حالة العداء الإعلامي بين الائتلاف الحاكم والمعارضة قد بلغت حدًا كبيرًا من السخونة والتوتر كما دعا الحكومة إلى توقع قيام المعارضة بتحريك الشارع المتأزم -أصلًا- بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.
وبالنظر إلى حجم ردود الفعل الشعبي وطبيعتها تجاه القرارات الاقتصادية، فإنه من الواضح أنها كانت دون التوقعات بنسبة كبيرة جدًا، بل إن ما حدث في جامعة «عدن» كان في الأساس احتجاجًا على تأخر صرف مكافآت المواصلات التي تسلمها الطلاب، ولأن أبرز ما في قرارات الإصلاح الاقتصادي كان رفع سعر الوقود بنسبة ١٠٠، فقد أدى ذلك إلى ارتفاع فجائي في أسعار المواصلات، مما دفع بالطلاب إلى الخروج في مسيرات احتجاجية لم تعدم فوضويين اندسوا وسطها في محاولة لتحويلها إلى تعبيرات غاضبة تدميرية.
المعارضة تكتفي بالبيانات
أما على مستوى أحزاب المعارضة، فقد اكتفت بإصدار بيانات ونشر تعليقات ومقالات حادة ضد برنامج الحكومة مع شيء من توابل المعارضة الداعية إلى اعتصام شعبي أو عصيان مدني أو التلويح بتحريك الشارع في مظاهرات صاخبة، لكن واقع أحزاب المعارضة يكشف عن وضعية عاجزة عن اتخاذ قرارات مواجهة حقيقية أو حتى سلمية، وخاصة أن معظم تلك الأحزاب هي عبارة عن هياكل قيادية نخبوية تفتقد إلى القواعد اللازمة لتحقيق تهديدات قياداتها.
ويبقى الحزب الاشتراكي الفصيل الأوسع في المعارضة والذي يمتلك جماهير ما تزال موالية له، لكن خيبة أمل الجماهير في حزبها في الأزمة السياسية الأخيرة، جعلها لامبالية بما يصدر عن حزبها الذي صار يتمثل في أكثر من واجهة سياسية، بينما يبدو أن قيادة الحزب المؤقتة ما تزال تفضل ألا تثير غضب الدولة التي ما تزال تدعمها ماليا بملايين الريالات حتى الآن.
وعلى أية حال، فإن أحدًا لا يستطيع الجزم بأن الائتلاف الحاكم قد نجح في تجاوز عنق الزجاجة تجاه ردود الفعل الشعبي، بينما تبقى الحكومة مطالبة بتقديم أدلة واضحة على جديتها في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والإداري، وعندها فقط يمكن القول بأن الشارع اليمني قد وافق على منح الائتلاف الحاكم فرصة أخيرة لتحقيق إصلاحات حقيقية مهما كان ثمنها قاسيًا ومؤلمًا.