العنوان على طريق «التسوية»: هل مازالت منظمة التحرير هي «الممثل الوحيد»؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1983
مشاهدات 71
نشر في العدد 611
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 08-مارس-1983
·
عرفات: القرار الفلسطيني المستقل
والوحدة الوطنية.
·
كيف يمكن للملك حسين أن يتحرك وسط
لاءات أربع؟
بعد اختتام أعمال الدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني
التي عقدت في الجزائر في الفترة ما بين ١٤ و٢٢ فبراير 1983 والتي استطاعت أن تبقي على تماسك المنظمة بعد الزلزال العنيف الذي
أصابها في لبنان ووسط العواصف الهوجاء التي تهب عليها من قريب ومن بعيد... أعلنت
المنظمة عن تمسكها باستقلالية القرار الفلسطيني. فهل بقي القرار الفلسطيني
مستقلًّا؟ وإذا كان كذلك، فما هو هذا القرار؟ هل قررت منظمة التحرير أن تخوض معركة
«الحل السلمي» وترفع غصن الزيتون؟ أم أنها لا تزال تتمسك بالبندقية والكفاح المسلح
لتحرير فلسطين؟
في الحقيقة، نحن لا نحاول التبكيت ولا التنكيت؛ ذلك أننا نعيش
المأساة تمامًا كما يعيشها الذين خرجوا من بيروت، أولئك الذين حاولوا بكل ما أوتوا
من فكر ومن عزيمة أن يصنعوا شيئًا من أجل فلسطين وقضية فلسطين، وذلك بتحريك هذه
الأمة من رقدتها فلم تتحرك، فاتجهوا إلى الضمير العالمي لعله يتحرك لنجدتهم..
فتحرك الضمير العالمي لكن للإجهاز عليهم! فعادوا إلى هذه الأمة يستصرخونها النخوة
فأصمت آذانهم أصوات نشاز تقول: «اعترفوا بإسرائيل!» وأصوات أكثر نشازًا تقول لهم:
«قاتلوا حتى الموت». وهذه الأصوات هي نفسها التي عملت وتعمل لإبادتهم والتجارة بهم
وبقضيتهم!
فما العمل؟ وزير الدفاع "الإسرائيلي" السابق «إرييل
شارون» الذي أصبح وزيرًا للمناطق المحتلة يكرر ما سبق أن قاله دائمًا من أن الضفة
الشرقية هي وطن الفلسطينيين ويضيف: «إن الضفة الغربية ليست في حاجة إلى ضم؛ لأنها
أرض "إسرائيل"». ولقد سبق لبيغن وشارون أن أعلنا في أكثر من مناسبة ولدى
زيارتهما لواشنطن ونيويورك باحتلال الأردن خلال ٢٤ ساعة وفرض
السلام الذي يريدانه، وهو ضم الأردن إلى "إسرائيل" وإعطاء الضفة الشرقية
لتكون «وطنًا بديلًا» للفلسطينيين، وهذه كما يقول بيغن: «أسرع طريقة لتنفيذ السلام»!
ولعل الملك حسين الذي هو أكثر الناس تأثرًا بمثل هذا السلام
تحرك بسرعة في اتجاه واشنطن يطلب منها النجدة، ثم عاد بمجموعة من الوعود بأن تعمل
واشنطن على إيقاف بناء المستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية عندما
تعلن الأردن عن استعدادها للتفاوض مع "إسرائيل" بوفد يضم فلسطينيين من
خارج منظمة التحرير الفلسطينية، وعندئذ تضمن أميركا عودة «معظم» الضفة والقطاع إلى
الأردن؛ بحيث يكون للفلسطينيين حكم ذاتي في إطار الدولة الأردنية.
وهذا يعني تجاهل منظمة التحرير الفلسطينية وإسقاط قيام دولة
فلسطينية مستقلة من الحساب.. وعلى هذا الطريق قام «إلياس فريج» رئيس بلدية بيت لحم
بزيارة القاهرة -التي يقوم بينها وبين الأردن تنسيق مستمر- واجتمع مع عدد من المسؤولين
المصريين من بينهم وزير الخارجية كمال حسن علي حيث سلمه وثيقة موقعة من 200 شخصية
فلسطينية بالأرض المحتلة بينها: حكمت المصري أحد الوزراء السابقين في الأردن ومن
زعماء نابلس، ورشاد الشوا رئيس بلدية غزة السابق. وطالبت هذه الشخصيات بحق تقرير
المصير للشعب الفلسطيني، والاعتراف المتبادل والمتزامن مع "إسرائيل"
وقبول النقاط الإيجابية في مشروع ريغان، وإجراء مفاوضات مع "إسرائيل"
على أساس أن منظمة التحرير الفلسطينية هي «الممثل الشرعي وليس الوحيد».
ولعل هذه الهواجس كانت تدور في عقول قادة منظمة التحرير
الفلسطينية وهم يقررون -في مؤتمر الجزائر- «دعم وتوحيد النضال السياسي لأهلنا في
الأرض المحتلة»، وبهذا الصدد نذكر حديثًا لرشاد الشوا في عمان عام ١٩٦٩ مع أحد قادة المقاومة قال فيه: «قاتلوا أنتم كثوار ودعونا
نحن كسياسيين أن نحاول الحصول على شيء بالتفاوض، فإن حصلنا على شيء فهو لنا ولكم
وللقضية ككل، وإن لم نحصل على شيء فلا علاقة لكم بنا. فقط، لا تتهمونا بالخيانة».
فهل هذا هو المنطق الذي اقتنعت به منظمة التحرير الفلسطينية بعد مرور أربعة عشر
عامًا على هذا الكلام؟
ولقد كان من المقرر أن يعود الملك حسين إلى واشنطن مع مطلع شهر
مارس الحالي، ولكن يبدو أنه قد أجل هذه الزيارة إلى نهاية هذا الشهر لحين الاجتماع
مع ياسر عرفات ومعرفة رأيه بعد المؤتمر الفلسطيني في الجزائر. ولعل ريغان -كما
نشرت مجلة التايمز الأميركية- وعد الملك حسين أيضًا بتزويد الأردن بصفقة أسلحة
تبلغ قيمتها بليوني دولار، وتتضمن طائرات إف- ١٦ وصواريخ «هوك»
إذا أعلن عن استعداده للدخول في مفاوضات مع "إسرائيل". بل أكثر من ذلك
فقد تسربت أنباء مفادها أن أميركا على استعداد لاعتبار الأردن قاعدة لقوات التدخل
السريع وتجهيز فرقتين أردنيتين بأحدث الأسلحة للتدخل في الخليج إذا اقتضى الأمر!
ومثل هذا الكلام ماذا يعني؟
١- طمأنة الملك حسين الذي يتخوف من هجوم "إسرائيلي".
٢- التلميح "لإسرائيل" أنها لن تكون القاعدة الأميركية
الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط إذا استمرت في الخروج عن الاستراتيجية الأميركية.
3- طمأنة دول الخليج من الخطر الإيراني وتشجيعهم لدعم خطوات الملك
حسين.
ولعل الملك حسين لو اطمأن بأن "إسرائيل" ستنسحب من
الضفة والقطاع لدخل المفاوضات معها غير عابئ بشيء، ولكنه يخشى أن يفعل ما فعله
السادات مع العرب ومنظمة التحرير ثم لا يحصل من "إسرائيل" على شيء. تقول
صحيفة وول ستريت جورنال بهذا الصدد: «يمكن للزائر لمكتب الملك حسين أن يرى صورة
جده الشريف حسين الذي أزيح عن العرش بسبب رفضه التفريط بفلسطين لليهود. وفي جانب
آخر يمكن أن يرى صورة جده الملك عبدالله الذي قتله الفلسطينيون عام ١٩٥١ لأنه حاول أن يعقد صلحًا مع "إسرائيل"، ولذلك يمكن
تلخيص الإطار الذي بمكن أن يتحرك فيه الملك حسين في اللاءات التالية: «لا تثر
"الإسرائيليين" حتى لا يحتلوا الأردن، ولا تخاصم الدول العربية النفطية
التي تقدم مساعدات مهمة وضرورية للاقتصاد الأردني، ولا تجر الموقف إلى خلافات
حساسة مع منظمة التحرير الفلسطينية التي تحظى بدعم 70% من السكان في الأردن
والضفة، ولا تعتمد كثيرًا على مساعدات الولايات المتحدة التي أثبتت في بعض الأوقات
أنها لا تتصرف كما هو مطلوب منها»، وسنرى كيف يمكن للملك الأردني أن يتحرك وسط هذه
اللاءات الأربعة.
ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة الأميركية تضغط على
"إسرائيل" للانسحاب من لبنان للتفرغ بعد ذلك لحل المشكلة الفلسطينية
وحتى تطمئن الأطراف المعنية وتدخل المفاوضات. ولعل ريغان يريد أن يحقق نصرًا ما
لسياسته قبل خوض معركة الانتخابات المقبلة، سواء بتحقيق «السلام» في الشرق الأوسط
أو بتحقيق «اتفاق ما» مع الروس. ومحاولات مؤتمر قمة فاس هي توجيه أنظار ريغان إلى
الشرق الأوسط. ولعل ريغان أميل إلى هذا الرأي؛ ولذلك يسأل ريغان على لسان مندوبيه
إلى "إسرائيل": هل تريدون السلام أم الأرض؟ ويتلمس الأميركيون مساعدة من
حزب العمل المعارض، ولكن رئيس الكيان اليهودي «إسحاق نافون» وهو من حزب العمل أثبت
أثناء زيارته لواشنطن أنه ليس أفضل من حزب الليكود الحاكم؛ وذلك حين أعلن عن اللاءات
الخمسة وهي:
- لا لغير القدس عاصمة "لإسرائيل" الموحدة.
- لا للعودة إلى حدود ١٩٦٧.
- لا لدولة فلسطينية إلى جانب دولة "إسرائيل".
- لا للمفاوضات مع منظمة التحرير.
- لا لغير معاهدة سلام مع لبنان على غرار ما حدث مع مصر.
وإذا كان هذا هو موقف «المعتدلين» من حزب العمل المعارض، فما هو
موقف «المتطرفين» من حزب الليكود الحاكم؟ إن مجرد ذكر اسم الفلسطينيين عند بيغن
وشارون يثير فيهما القشعريرة، فكيف إذا طلب منهما أن يجلسا مع الفلسطينيين وأن
يعطياهم جزءًا من وطنهم؟!
في تصريح لوزير خارجية أميركا جورج شولتز، جاء أن على الأردن أن
يكون حذرًا جدًّا، وقال: في مبادرة ريغان لا شيء يمنع أن يعيش الفلسطيني واليهودي
معًا. وكأنه يقول: إن المستوطنات عملية مقبولة! وإذا كان بيغن لا يريد أن يخرج من
الضفة الغربية ويعتبرها أرض "إسرائيل"، فعلى أي أساس تجري المفاوضات؟
هل تجري على أساس اتفاقيات كامب ديفيد التي تنص على إعطاء
السكان في الضفة الغربية والقطاع حكمًا إداريًّا ذاتيًّا لمدة خمس سنوات. وهذا
الحكم للسكان وليس للأرض باعتبار الأرض "لإسرائيل" التي تكون مسؤولة عن
الماء والكهرباء والاقتصاد والدفاع، فهل يريد ريغان أن يضم الأردن إلى اتفاقيات
كامب ديفيد؟
هناك أمر لابد من إعطائه الأهمية المطلوبة وهو أن الأميركيين
-ومنهم ريغان (المتدين- بروتستانت)، أي يؤمنون بالتوراة (العهد القديم) الذي هو
كتاب اليهود المقدس، ولذلك فالأميركيون يعتقدون أن "الإسرائيليين" على
حق حين يزعمون أن فلسطين هي أرض "إسرائيل"، وأن الفلسطينيين غرباء عنها!
ثم إن أميركا من مصلحتها أن يبقى الوطن العربي والإسلامي ممزقًا
"وإسرائيل" تعمل على ذلك، فلابد أن تجد الدعم من أميركا. ثم إن
المسيطرين في أميركا يهود.. والزنوج -كما يقول أردني مطلع- قوة جبارة في أميركا
ولكنهم في خدمة اليهود! ثم إن الجالية العربية المتجنسة في أميركا ومعظمها من رجال
الأعمال الذين فقدوا الحس القومي الموجود عند اليهود فغيروا الأسماء العربية إلى
أسماء أميركية، والأمثلة على ذلك كثيرة منها أن «أبو الهوا» غير اسمه إلى "هاور"!
وسط هذا الخضم المتلاطم يريد ياسر عرفات أن يجعل من القدس عاصمة
للدولة الفلسطينية التي تتحد كونفدراليًّا مع الأردن، ودون أن يعترف بـ"إسرائيل"،
ويريد عرب أميركا بعد ذلك بالضغط على "إسرائيل" لتقبل التفاوض مع
الأردن، ويريد عرب روسيا من ياسر عرفات أن يتحالف مع القوى «الاشتراكية
والتقدمية» ضد القوى «الإمبريالية والرجعية»، وكل من القوتين العظميين تريد
"لإسرائيل" أن تبقى؛ لأن في بقائها تمزيقًا للعرب والمسلمين، وخضوعًا
لهم لإحدى القوتين أو كلتيهما. والعرب والمسلمون في غيهم سادرون.
ونحن نقول: إن ما يجري على الساحة بعيد كل البعد عن تطلعات هذه
الأمة التي طال صبرها وطال انتظارها وعذابها، وباعتبار أن كل مسلم «راع ومسؤول عن
رعيته» فالمطلوب مراجعة عامة شاملة للتعرف على أسباب التردي الذي نحن فيه. ولا
يعفين أحد نفسه من المسؤولية ويلقيها على سواه، المهم أن نتدارك الأمر وأن ننقذ
أنفسنا وديارنا وشرفنا من الدمار. ولابد قبل كل شيء أن نتعرف على هويتنا. من نحن؟
هل نحن أصلاء أم أتباع؟ ما هي عقيدتنا؟ هل هي من السماء أم من الشرق والغرب؟ ما
مدي إيماننا بهذه العقيدة وتطبيقنا لها؟ إن أجبنا على هذه الأسئلة نكون قد خطونا
الخطوة الأولى في طريق العزة والكرامة والنصر، وإلا فسنظل مغمضي العينين كثور
الساقية، وغيرنا يستلم سعيدًا نتاج دوراننا!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل