; محفوظ النحناج يواصل حديثه مع المجتمع حول: ظاهرة اقتطاف الثمرة من الحركات الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان محفوظ النحناج يواصل حديثه مع المجتمع حول: ظاهرة اقتطاف الثمرة من الحركات الإسلامية

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993

مشاهدات 86

نشر في العدد 1059

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 27-يوليو-1993


«الحلقة الخامسة» كانت «المجتمع» قد استضافت في الحلقة السابقة الأستاذ محفوظ النحناح من الجزائر، لتحاوره في ظاهرة اقتطاف الثمرة في الحركة الإسلامية، ولقد أجاد- حفظه الله- بتحديد الداء، ووضع النقاط على الحروف بكلام شيق، يحتاجه الدعاة في كل مكان، للوقوف على أسباب هذه الظاهرة الملازمة للحركة الإسلامية المعاصرة منذ سقوط الخلافة حتى زماننا هذا. ونكمل حوارنا معه في هذه الحلقة للتركيز على المزيد من أسباب الظاهرة والعلاج المقترح.

غياب الفنون التنظيمية

 الشيخ النحناح: وأمام هذا الجهل الذي تعيش فيه الحركة لجملة هذه الفنون التي ذكرناها، قد يأتي الراصدون والانتهازيون، ليأخذوا ويحصدوا تلك النتائج التي تفضلتم من خلال سؤالكم، وكأنها ظاهرة من الظواهر التي يجب معالجتها.

خامسًا: الجانب السياسي

 أتصور بأنه من الناحية السياسية أن الحركة الإسلامية نجد عندها أن فن «إدارة الصراع» شبه منعدم، هناك صراع بين الحق والباطل، والأقوياء في العالم، وحتى الضعفاء من أصحاب النظريات المشوِّشة والمشوَّشة يتقنون «إدارة الصراع» إما بالزحف أو بالتكيف، وإما بالتلون، وإما بعدم الاستعداء، وإما بعدم الاستعجال، وإما بالإقدام عندما يتطلب منهم الأمر ذلك، فإذن موضوع فن «إدارة الصراع» فن كبير، ونحن نتمنى من فصائل الحركة الإسلامية أن يفكروا في موضوع الصراع، سواء كان هذا الصراع، صراعًا على المستوى الدولي، أو كان تنافسًا على المستوى المحلي، وفي معظم الأحوال لا نستطيع أن نميز بين ما يجب أن يكون صراعًا، وبين ما يجب أن يكون تنافسًا.

تصحيح المفاهيم

 وهنا يجدر بنا أن نصحح هذين المفهومين، فالصراع مع الباطل أمر أساسي، أما مع أهل الخير والذين نختلف معهم في طرق إيصال هذا الخير، فذاك نعتبره تنافسًا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففون: 26).

تقسيم الأدوار

 موضوع الأدوار في الجانب السياسي في الحركة الإسلامية شبه مفقود، ولم تستطع أن تتقن بقية توزيع الأدوار، وإعطاء الصلاحيات، فإما تجتمع الأدوار كلها والصلاحيات والوظائف في يد شخص أو فئة قليلة، فينفرط العقد إذا ما حدث تضخم في التعبئة الجماهيرية، والتضخم إذا لم يكن منضبطًا يحدث فيه تفلت كبير، وهذا التفلت يؤدي إلى انهيار البنية التحتية للحركة، أو البنية العلوية للحركة فيما إذا لم يكن لديها جملة من الضوابط، والبلدان الغربية استطاعت أن تضبط هذا المسار بوضع اللوائح والتنظيمات، واستطاعت أيضًا أن تنضبط مع اللوائح والتنظيمات، فلا اعتداء، ولا تجاوز، ومن أحس بأنه قد انهزم أمام خصمه استسلم له من غير شعور بالهزيمة، كما فعل بوش مع كلينتون.

صناعة دوائر الضغط

 ومن القضايا المتعلقة بالجانب السياسي صناعة دوائر الضغط بما يسمى «اللوبيات»، فالحركة الإسلامية من الناحية السياسية لم تتمكن من «صناعة اللوبيات» على المستوى المحلي، وقد تكون هي لوبيات ضعيفة أو غير مؤثرة، وبالتالي فهي لا تسمى «لوبيات»، وبالتالي فهي لم تستطع «صناعة لوبيات دولية» فهي حاليًا نعتبرها أعجز من أن تكون لوبي دولي أي «أداة ضغط دولي»، وأدوات الضغط في رأينا إما أن تكون فاعلة، وإما أن تكون منفعلة على أقل تقدير، فإذا لم تستطع الفعل، فهي لا تستطيع أن تكون لوبي، أو أن يحصل معها بما يعود على العمل الإسلامي بالفائدة.

مبالغة في الحذر والتخوف

 وكذلك من الجوانب المتصلة في الجانب السياسي، هو ما تتصف به الحركة الإسلامية من صفتين «ظاهرهما فيه الرحمة، وباطنهما من قبلهما شر كثير» ولا أقول «عذاب»، ذلك هو «التخوف والحذر الشديدان» فالتخوف الشديد والحذر الشديد من مركز صناعة القرار، أو من مراكز صناعة القرار التي وجد إليها العلمانيون، والشيوعيون، والقوميون، والبعثيون، ومن لا خلاق لهم، والدنيويون والشهوانيون، والانتهازيون، والتسلقيون، وجدوا سبلًا للوصول إلى مراكز صناعة القرار، ووضعوا لها قنوات، وأحاطوا الأنظمة من جميع الجهات، وأصبحوا سدًا منيعًا بين الأنظمة، حتى وإن كانت جيدة، وبين شعوبها وبين الحركات الإسلامية، فمسألة «التخوف الشديد والحذر الشديد» في الحركة الإسلامية، والتي سببت وصول هؤلاء إلى مراكز صناعة القرار، سببها ربما كان يعود إلى فكرة انسابت إلى أبناء الحركة، وهو موضوع «المفاصلة الشعورية»، على أن من يتعامل مع الحكم، أو من يتعامل مع السلطات، ومن غير مراعاة هذا السلطان أو ذاك السلطان، أو هذا النظام وذاك النظام، ووضع الأنظمة كلها داخل سلة المهملات، يبدو أن هذا التصور، وهذا المعتقد أدى إلى هذا التخوف الشديد، وهذا الحذر الشديد، مما فرض العزلة النهائية، ووضع خندقًا عميقًا بين الحركة الإسلامية والأنظمة، وبين الشعوب الإسلامية وأنظمتها أيضًا، ولعل ما ذكرناه من الجوانب الشرعية والتاريخية والحركية والحضارية والسياسية تسلط ضوءًا على أسباب هذه الظاهرة، ولعل ما حدث في الانتخابات خير شاهد على ما ذكرنا، ومثال حي على ما ذهبنا إليه.

نصيحة لأبناء الحركة

 أولًا: لذلك كله يجدر بأبناء الحركة أن تتسع مداركهم، وأن تتسع عقولهم، لكي يتمكنوا من فهم أدوات الصراع المحلية، وأدوات الصراع العالمية.

 ثانيًا: عليهم أن يتحلوا بالصبر والانضباط مع الذات، والعيش مع رحاب القرآن الكريم، يشربون من رحيق القرآن ما شاء لهم أن يشربوا.

 ثالثًا: يحاولون أن يعملوا باستمرار لفهم الدورة الحضارية لكل بلد، والدورة الحضارية للأمة، إذ لا تصارع بين هاتين الدورتين، خصوصا إذا أدركنا أن هذا يكمل ذاك، والأمة الإسلامية يكمل بعضها بعضًا. رابعًا: إدراك وتعلم الفنون التي لا نتقنها أو لا تعرفها مما ذكرنا من قبل، وخاصة توظيف الصداقات فيما يعود علينا بالنفع، وكذلك توظيف العداوات فيما يعود على الإسلام بالنفع، وما بنو إسرائيل في الاستفادة من ذلك كله عنا ببعيد.

الوضع في أفغانستان

المجتمع: الشيخ محفوظ النحناح، هل لنا أن نتعرف على رأيك فيما يخص أفغانستان، هل تظن أن الحركة الإسلامية فيها استطاعت هذه المرة من اقتطاف الثمرة؟ أم أنك مع الرأي القائل بأن الوضع في أفغانستان هو اقتطاف جزئي للثمرة؟ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)، ولعل النصر على الأعداء قد حدث، ولكن لم يتم التمكين لهم، بسبب ما نشب بينهم من نزاع، وحتى يحدث التمكين لهم بنبذ النزاعات والالتقاء على الهدف الواحد لبناء دولة الإسلام، حينها نستطيع أن نقول إن الجهاد الأفغاني أحرز أول اقتطاف للثمرة في تاريخ الصحوة الإسلامية المعاصرة فما هو تعليقكم على ذلك؟

 الشيخ محفوظ: أول ما أستطيع أن أقوله بأن الاقتطاف الأول لثمرة الجهاد الأفغاني كان بدحرها وانتصارها على فلول الشيوعية، وهذا أمر مهم، والأمر الثاني أن الإمبراطورية الشيوعية قد انهارت ولن تعود مرة ثانية، ولعل هذا من أعظم الانتصارات في الجهاد الأفغاني، بقي الآن أن نقول ونتساءل، هل لهم قدرة بالانتصار على أنفسهم من أجل التمكين لدين الله تعالى؟ هذا ما نرجوه.

أسباب عدم التمكين

 1- النفس الأمارة بالسوء.

 2- الرغبة في إقصاء الآخرين.

 3- عدم وضوح المصلحة والمفسدة في هذا النزاع.

 4- الصراع بين الزعماء من أجل الزعامة.

 هذه كلها أسباب يمكن أن تعالج فيما إذا ارتبط المجاهد الأفغاني برب السموات والأرض، ووصل إلى مستوى من الإيثار يحقق له نيل الجنة- إن شاء الله- ما عدا هذا فإن الصراع سيبقى مستمرًا إلى أن يفني بعضهم بعضًا، وأتصور أن النظام العالمي الجديد استطاع أن يوظف الجهاد الأفغاني في هذه الأيام، ليقضي على الإمبراطورية الشيوعية، ثم ليستفرد بالعالم، فأصبحنا بعد أن كنا في الثنائية القطبية في الصراع، أصبحنا في الأحادية القطبية في هذا الصراع، فإذا استطاع الأفغانيون أو غيرهم أن يدركوا معنى مهمًّا، وهو ضرورة ألا يكونوا أداة في يد النظام الدولي الجديد، والذي يستفيد من قواهم، ويحملهم على الاندفاع والتضحية، وعلى البذل والعطاء، ثم يتوقف أمرهم ليتحول إلى غيرهم، فإننا نقول لهم لا.

انظر أيضا:

  التمكين

التمكين ثمرة صدق الالتزام بالدين

الرابط المختصر :