العنوان التمكين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1987
مشاهدات 114
نشر في العدد 800
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 13-يناير-1987
التمكين
بقلم: عبد الحميد البلالي
«2» الاستيقان من التمكين:
والتمكين منزلة تأتي بعد الاستخلاف فعندها تستقر الأمور وتثبت الأقدام يأتي التمكين لتستمر عملية الاستخلاف، فبغير التمكين يظل الاستخلاف مهزوزًا متأرجحًا حتى يحدث التمكين. يقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص:5-6).
يقول صاحب الظلال «فهؤلاء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع النكير، فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويسومهم سوء العذاب. يريد الله أن يَمِن عليهم بهباته من غير تحديد، وأن يجعلهم أئمة وقادة لاعبيدًا ولا تابعين، وأن يورثهم الأرض المباركة «التي أعطاهم إياها عندما استحقوها بعد ذلك بالإيمان والصلاح» وأن يمكّن لهم فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين، وأن يحقق ما يحذره فرعون وهامان وجنودهما، وما يتخذون الحيطة دونه، وهم لا يشعرون!»[1]
إن الجو الذي تعيشه الحركة الإسلامية الآن ليشبه في كثير من جزيئياته الجو الذي عاش به أتباع موسى عليه السلام مع الطاغية فرعون.
ولكن الذي أنشأ موسى عليه السلام في أحضان الطاغية لكي يريه ما كان يحذر هو وزبانيته، ثم مكّن له ولأتباعه في الأرض، قادر على أن يمكن لكل من يدعو بدعوته، ويثبت عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أنه لا يخلف الميعاد وبعد التمكين والاستقرار لأتباع الحق يكون الفتح الذي هو ثمرة للتمكين.
البشارة بفتح أرض الفاتيكان.
«عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسُئل أي المدينتين تُفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كِتابًا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نكتب، إذ سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تُفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تُفتح أولًا. يعني قسطنطينية»[2].
ولقد حقق الله نبوءة الرسول- صلى الله عليه وسلم- بعد ثمانمائة عام ففتحت القسطنطينية على يد القائد الإسلامي محمد الفاتح، وسيتحقق الفتح الآخر لرومية وهي روما الآن، والتي فيها مقر الصليبية العالمية «دولة الفاتيكان» بإذن الله، والذي يبدو أن هذا الفتح القادم لروما لا يتحقق إلا في ظل دولة موحدة، وهي دولة الخلافة، والتي جاءت البشارة بها في حديث آخر أخرجه الإمام أحمد، إذ يقول فيه الرسول- صلى الله عليه وسلم.. «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًّا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سکت»[3].
خامسًا: العمل لا النتيجة..
قد ييأس البعض عندما لا يرون نتيجة سريعة لما يقومون به من جهد في هذه الدعوة المباركة، فهم يرون المجتمع الذي يعملون فيه ينزع الحياء يومًا بعد يوم بخُطى سريعة مخيفة تجعل هذا البعض ييأس من جدوى العمل مع هؤلاء، إن هذا الصنف من الدعاة عندما يقوم بذلك ينسى حقيقة هامة، وهي أنه كعبد الله ليس مطلوبًا منه أكثر من العمل الذي يتضمن التبليغ، ولكن الهداية لیست مطلوبة منه، فضلًا عن أنه لا يملكها ابتداء. وهذا لا يعني عدم الاهتمام بنتيجة العمل أو استيلاء شعور بعدم جدوى انتشار الفكرة، كما أنه لا يعني أيضًا عدم الاستيقان بالنصر، فإن الثقة بالنصر هي الدافعة للعمل، ولكننا نقصد بالنتيجة هداية الناس، والتي يتم على أثرها تغير المجتمع من مجتمع جاهلي إلى مجتمع إسلامي، وهي غير مطلوبة من الفرد، بل مطلوب منه العمل الدؤوب للنصر، وليس النصر بذاته، والذي قد لا يتحقق على أيدينا، ولكن هذا لا يعني أبدًا التوقف عن العمل.
البنا ينبِّه أتباعه..
هكذا تنبه الإمام البنا لمثل هذا المرض الذي يتسرب أحيانًا إلى نفوس البعض، فقال: «أيها الإخوان المسلمون إنكم تبتغون وجه الله، وتحصيل مثوبته ورضوانه، وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين. ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال، ولكن كلفكم صدق التوجه، وحُسن الاستعداد، ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين، وأما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين»[4].
سید وأصحاب الأخدود.
إن تأخر النتيجة واستمرار البلاء يجب ألا يكون سببًا في التوقف عن العمل، فلسنا نملك تحديد النتائج الفرعية والنتيجة الكبرى، وإنما أمر ذلك كله لصاحب الدعوة الذي وعد بإظهار هذا الدين على الدين كله ولو كره الكافرون. يقول سيد معلقًا على حادث الأخدود «لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون، ولا يؤخذ فيه الكافرون! ذلك ليستقر في حس المؤمنين- أصحاب دعوة الله أنهم قد يدعون إلى نهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله. وأن ليس لهم من الأمر شيء، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله! إن عليهم أن يؤدوا واجبهم، ثم يذهبوا. وواجبهم أن يختاروا الله وأن يؤثروا العقيدة على الحياة، وأن يفعلوا بالإيمان على الفتنة، وأن يصدقوا الله في العمل والنية ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم كما يفعل بدعوته ودينه ما شاء. وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان، أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه، إنهم أجراء عند الله. أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا، عملوا وقبضوا الأجر المعلوم! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير!»[5].
من كانت بيده فسيلة
يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها»[6].
الفسيلة هي شتلة النخل التي تحتاج حتى تنمو وتعطي الثمار إلى سنين وليست أيامًا وفي هذا الحديث يدعو الرسول- صلى الله عليه وسلم- من كان بيده تلك الفسيلة وهو يعلم أن القيامة قد قامت وما يتبعها من تشققات في الأرض وفي السماء، وما يتبعها من تلاطم النجوم بعضها ببعض، وفيضان البحار على اليابسة، واشتعال النيران فيها، ومع عِلمه لكل هذا فهو يأمره أن يغرسها، وهذا من أغرب الأمور التي تدل دلالة قاطعة بأنه ليس مطلوبًا من العبد انتظار النتيجة بقدر ما هو مطلوب منه العمل بما أمره سيده. يقول الأستاذ محمد قطب «إنه يقول لهم: ليس عليكم ثمرة الجهد، ولكن عليكم الجهد وحده، ابذلوه ولا تتطلعوا إلى نتائجه!
ابذلوه بإيمان كامل؛ إن هذا واجبكم وهذه مهمتكم وإن واجبكم ومهمتكم ينتهيان بكم هناك، عند غرس الفسيلة في الأرض، لا في التقاط الثمار وهو إذ يقول لهم ذلك لا يغرر بهم ولا يضحك عليهم! إنما يقول لهم الشيء الواحد الصواب! فحين تسأل نفسك: متى تثمر الفسيلة؟ وكيف تثمر وحولها الرياح والأعاصير والشر من كل جانب؟ وحين يصل بك التفكير إلى أن تطرح الفسيلة جانبًا وتنفض منها يديك.. حينئذ كيف تثمر؟ وأنى لها أن تعيش؟
ألست قتلتها أنت حين أفلتها من يديك؟ ولكنك حين تغرسها في الأرض وترفع يديك لله بالدعاء.. حينئذ تكون أودعتها مكانها الحق، وعهدت بها إلى الحق الذي يرعاها ويرعاك»[7].
فما دام الداعية مستيقنًا بالنصر، فليس من المهم أن يرى هو النصر ما دام مستيقنًا به، وإنما عليه أن يقوم بدوره الذي حدده الله من الدعوة إلى الله وبذل كل الأسباب التي تحرز النصر، وبعدها فليس مُهمًّا أن يتحقق النصر على يديه أو يد غيره.
[1] - الظلال 5/2678.
[2] - رواه أحمد 2/176 وصححه الألباني - الأحاديث الصحيحة 4.
[3] - رواه أحمد 4/273 وصححه الألباني - الأحاديث الصحيحة 5.
[4] - الرسائل ص ١٢٧ - المؤسسة الإسلامية.
[5] - معالم في الطريق ۱۸۱
[6] - رواه أحمد 3/191 وصححه الألباني ص ج ص 1437.
[7] - قبسات من الرسول 30، 31 – الشروق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل