; رحلة الحج الأكبر خواطر وتأملات (1) | مجلة المجتمع

العنوان رحلة الحج الأكبر خواطر وتأملات (1)

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001

مشاهدات 73

نشر في العدد 1437

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 06-فبراير-2001

  • في الحج أنت في رحلة كلها دعاء، وفي مواقع هي خير ما يمكن أن يرفع منها الدعاء

  • الحج يزيد المؤمن إيمانًا ووثوقًا بالله الواحد الأحد

  • من أقوى الصداقات الإنسانية صداقة الحج؛ لأنها تضرب بجذورها في النفوس بسرعة

 رحلة الحج ثرية بالمعاني والتأملات، يعايش ذلك كل مسلم من الله عليه بأداء ذلك الركن من أركان الإسلام، لكن التجربة تزداد ثراء إذا كان لصاحبها ظروف خاصة، وتلك حال الأستاذ منير شفيق، فقد نشأ غير مسلم، وتبنى الفكر اليساري، ثم أدركته رحمة الله فاعتنق الإسلام وترك اليسار، وقد أدى الأستاذ منير شفيق فريضة الحج العام الماضي، وكتب تجربته الشخصية عن الحج، تلك التي تنشرها المجتمع على أربع حلقات لتنتهي قبل بدء موسم حج هذا العام، وفي التجربة الكثير مما يمكن أن يستفيد منه حجيج هذا العام، وكل عام.

 القيام بفريضة الحج يجعلك تشعر بالحج وتلمسه وتراه وتخبره من الداخل، هنا يغتني كل ما عرفته وعلمته وأحطت به عن الحج قبل ذلك بشكل نظري، ويتسع أكثر ويثبت ثباتًا، فللحج فعل في المشاعر والأحاسيس كما في الوعي، وله فعل في العقل كما في القلب، وفي الإدراك كما في النفس، والكثيرون الكثيرون يعودون منه أفضل مما كانوا عليه إيمانًا وعملًا، معرفة وتجربة، وعيًا وسلوكًا، التزامًا وثباتًا، ولأن الحج -بالرغم من بساطته وعفويته- يشكل في الوقت نفسه حالة مركبة متعددة الأوجه والأبعاد، فإن تجربته تختلف من شخص إلى آخر، فضلًا عما هو مشترك وعام يشملان الجميع.

وتأتي هذه السلسلة من المقالات لتعكس بعضًا مما في الحج من عام ومشترك، وكثيرًا من الخاص لتجربة شخصية عشتها، وهو ما كنت أتجنبه دائمًا، حيث ابتعدت عن إشغال القارئ بتجاربي الشخصية، ولكن هذه المرة لم أستطع؛ فقد كانت تجربة ألحت عليَّ لأكثر من شهرين بعد العودة من الحج العام الماضي بأن أكتب عنها، فتجربة الحج تتخطى الكتابة النظرية المجردة ليجمع بينها وبين فعله في القلب والنفس في آن واحد.

من مطار عمان إلى مكة المكرمة:

لم أصدق أنني أصبحت في قاعة الانتظار في المطار استعدادًا لدخول الطائرة التي ستنقلني إلى جدة حيث انتويت العمرة والحج، وقد عجلت في لبس قطعتي ثياب الإحرام: الإزار والرداء. 

أحقًا تحقق الحلم أخيرًا، وكان إلى أمس كأنه بعيد المنال، فها أنا الآن في أولى خطواتي إليه، وسرعان ما وجدتني في الطائرة إلى جانب حاج آخر سبقني باتخاذ مقعد، وقد هم ليقرأ القرآن فسلمت عليه، ورحت بدوري أقرأ القرآن، ثم أعلن قائد الطائرة أننا أخذنا نقترب من الجحفة، وهي ميقات الإحرام لأهل الشام «سورية ولبنان والأردن وفلسطين» وبدأ الجميع يستعد للإحرام، وما إن أعلن قائد الطائرة بعد حين أننا أصبحنا فوق الجحفة حتى بدأ الركاب من حولي بصلاة الركعتين، وإعلان نية الإحرام، وقد نويت الإحرام متمتعًا عمرة وحجًا، ولم أكد أفرغ من الصلاة وأبدأ بالتلبية حتى بدأت أشعر أن أشياء كثيرة أخذت تتبدل داخلي.

كان أولها الشعور بنسيان كل ما تركته ورائي مما وممن كان يشغلني أو يربطني به أو يستهلك أيامي وليالي، ليحل محله شعور واحد فقط هو التركيز على ما ينتظرني في أيام الحج، فمنذ الآن أشعر كأني لست نفسي التي كنت عليها قبل حين، إنه الانقطاع عن مشاغل العمل والعائلة والعلاقات الإنسانية المختلفة، والابتعاد عن كل عصبية والنأي عن الهموم، وعن السياسة وحتى عن أنانية النفس وأهوائها وتطلعاتها لتسلم نفسك إلى رب العالمين، إنها تجربة التوحيد بأحلى معانيها، وإلا ما معنى الحج بالدرجة الأولى؟ 

بين يدي الآن كراسة عن العمرة والحج، تأخذك خطوة خطوة من الإحرام حتى اكتمال مناسك الحج وطواف الوداع، ولكن التطبيق يظل شيئًا آخر؛ لهذا تجد نفسك كما لو كنت صفحة بيضاء لتسأل عن كل خطوة ستقوم بها حتى لو كنت قرأت عنها، أو تحسب أنك تعرفها، لا بد من سؤال من هو أعلم منك ولديه خبرة سابقة، فأنت لا تريد أن تخطئ بأي خطوة، أو تغفل عن أي خطوة ينبغي لك القيام بها، إنها الرحلة الاستثنائية في حياتك -ولا سيما إذا كانت الأولى- ولا تدري إن كانت الأخيرة، لأن ما يخبئ لك الغيب من عمرك بيد الله وحده، إنك وأنت تسأل تجد نفسك تنفذ بسعادة غامرة ودون أن تناقش أو تحتاج إلى أن تناقش أو تشغل بالك في نقاش، فأنت هنا أمام الطاعات. 

ولا تتوقف قليلًا عن التلبية، لسبب أو لآخر، حتى تجد نفسك تلحق بالحجاج الذين يواصلون التلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك اللهم لبيك».

ثم تهبط بك الطائرة إلى مطار جدة، وتبدأ الرحلة من جدة إلى مكة، وقد انضم إلى حافلة الحملة من سيشاركونك الرحلة كلها ليبدأ التعارف مع من سيجلس إلى قربك، ثم ما إن تتحرك الحافلة حتى تنطلق التلبية من جديد، ولكنها هذه المرة أخذت تخرج مع صوتك بصورة أفضل، بعد المران على إيقاعها الجماعي، والأهم لقد أصبحت تقترب لحظة بعد لحظة من مكة المكرمة، وستصل بعد حين إلى الكعبة المشرفة فما أروعها كلمات التلبية التي ستصحبك كل الطريق إنها عقيدة التوحيد والبراء من الشرك.

وكلما انتظم إيقاع التلبية ممن معك في الحافلة أصبح لها دوي يبعث فيك القوة، ويشعرك بالعزة وأنت مع الجماعة توحد الله من كل قلبك، وتتبرأ من الشرك من كل قلبك.

وتدخل مكة فتفتح الكراسة التي معك لتدعو: «اللهم إن هذا البلد بلدك، والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك، وأؤم طاعتك متبعًا لأمرك راضيًا بقدرك، مسلمًا لأمرك، أسألك مسألة المضطر إليك، المشفق من عذابك أن تتقبلني بعفوك، وأن تتجاوز عني برحمتك، وأن تدخلني جنتك».

مرة أخرى أشعر كأنني أقرأ دعاء دخول مكة للمرة الأولى، وقد قرأته مرات عدة في الأيام الأخيرة، ولكن الآن أخذ يولد في داخلي أحاسيس أخرى، وراحت كلماته تحمل معاني وأبعادًا أخرى حتى فكرت بأن المسلم الذي يرفع هذا الدعاء ويتمثله جيدًا لا بد من أن يرق حتى البكاء، وهو يطلب الرحمة، ويسأل المغفرة راجيًا الجنة مشفقًا من عذاب النار، أهذا هو المسلم الذي يرسم له الأعداء صورة الإرهابي أو صورة الفظ غليظ القلب أو الشهواني المستهتر الذي لا يبالي بشيء؟

تصل إلى المقر الذي ستبيت فيه لتستريح قليلًا وتتدبر بعض أمرك، ثم تتهيأ للعمرة متمتعًا، وسرعان ما تجد نفسك تواقًا للتحرك وفي غير الحاجة إلى الراحة، فتروح تسأل مرة بعد أخرى متى سنتحرك وندخل المسجد الحرام، وتكتحل العين برؤية الكعبة المشرفة؟ أما عندما تهرول من الحافلة لتدخل الساحة الخارجية من الحرم تفتح كراسة العمرة والحج، إن لم تكن حافظًا، مثل حالي، لتقول: «اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك» ثم تسمع عندما تقترب من باب المسجد صوتًا جماعيًا يقول: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك» إنها جماعة من الحملة التي وصلت معك، ويقرأ أحدهم أول ما نرى البيت: «اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وبرًا، اللهم أنت السلام، ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام»، ثم تلتفت حولك فتجد كل فرد راح يدعو بما يحب فتبدأ بدورك تدعو، ولم أعد أذكر كيف رحت أدعو بسري أو همسًا، رافعًا يدي، وبأي أدعية، فقد كنت وسط بحر متلاطم من الناس رجالًا ونساء، شيوخًا وشبابًا، وأحيانًا بعض الصغار، جاءوا من كل فج عميق متلهفين ضارعين داعين متعجلين لبدء الطواف.

 

مع العُمرة: يقول الله -تعالى-: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (سورة الحج: 29)، ولا بد من أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود، ولكن هيهات أن تصل إليه فستكون محظوظًا إن وجدت نفسك في آخر صف من الطائفين، فليس لك إلا أن تبدأ من الخط الذي بمحاذاته حتى آخر نقطة يمكن أن تمر بها طائفًا، فتشير بيدك اليمنى إلى الحجر الأسود مكبرًا، وتبدأ الطواف بشق النفس من كثرة الزحام، المهم عليك أن تنسى الزحام والتدافع وتنخرط في الطواف منشغلًا بالدعاء ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وإذا توقفت لأي سبب فعليك أن تعود إلى الدعاء وإلا فقدت بعضًا من غاية الطواف.

تحاول أن ترمل في الأشواط الثلاثة الأولى ماشيًا بسرعة وخطوات متقاربة، كأنك تهم بالركض فتنجح تارة، ولا تستطيع ذلك تارة بسبب كثرة الطائفين، اللهم زدهم ولا تنقصهم، وليكن الزحام والازدحام والتدافع والمشقة، ولكن الطواف يصبح أسهل في الأشواط الأربعة الباقية حين لا تكون بحاجة إلى الرمل في الطواف، وما إن تنتهي من حيث بدأت على الخط المحاذي للحجر الأسود تقرر أن تأتي معتمرًا في وقت غير وقت الحج حتى يكون بالإمكان أن تصل الحجر الأسود وتستلمه وتقبله.

جاء أوان الصلاة خلف مقام سيدنا إبراهيم بعد انتهاء الشوط السابع من الطواف، وقد رحت أفكر بعد صلاة الركعتين خلف المقام لماذا كان اختيار سورة «الكافرون» في الركعة الأولى، وكان اختيار سورة «الإخلاص» في الثانية؟ ليس من حيث التراتب وإنما من حيث كل هذا التركيز في الحج، ومنذ لحظة بداية التلبية على التوحيد والبراءة من الكفر والشرك فأحسست مع هذا التساؤل كأنني في الحج في معركة مع الكفر والشرك، كما في عهد يتجدد ويتجذر مع التوحيد، ويتخلل تجديد العهد مع التوحيد وتعميقه والبراءة من الكفر والشرك، وذلك مع الإصرار على طلب الغفران والرحمة لنفسك ولمن تحب ولكل الأمة، ففي الطواف يصحبك الدعاء «رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم»، وعندما تمر في طوافك بين الركن اليماني والحجر الأسود تقول: «ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» هذا هو الإسلام الذي لا يجعلك تنسى نفسك وأنت في خضم المعركة مع الكفر والشرك، ويجعل عبوديتك لله وتوحيدك له مدخلًا إلى الغفران والمرحمة وحسن المآب.

ما إن تَجَمعنَا مرة أخرى بعد الصلاة خلف مقام سيدنا إبراهيم حتى شعرت أن التعب أخذ يؤثر خصوصًا في بطني الرجلين، كما امتداد القدمين، وقد أخطأت لأنني لا أمشي كل يوم كما هو مفروض بالنسبة إلى رجل بعمري، وكان من المفروض أن أمشي على الأقل ساعتين وبنوع من الرمل لمدة أسبوع قبل العمرة والحج لأنني لو فعلت لذهبت إلى الحج بقيافة أفضل، ولم أتعرض لما تعرضت له من تعب أحسست به، خصوصًا في أثناء الشوط الرابع من الطواف، ولكنني كنت مصممًا على أن أجعل الطواف والسعي موالاة مهما كانت المشقة، فهي تعب عضلات، وليست إرهاقًا في التنفس أو ضربات القلب.

الشرب من ماء زمزم:

وجاء دور الشرب من ماء زمزم وغسل الوجه والرأس واليدين، ثم العودة للشرب، وأخيرًا الوضوء فاصلًا جميلًا بعد تعب الطواف، وبدء السعي فاتجهنا فورًا بعد ذلك إلى الصفا، وقد علا صوت أحد إخواننا ورددنا وراءه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (سورة البقرة: 158)، كان أمامنا أن نسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط بحيث ينتهي الشوط السابع بالمروة -يحسب الشوط الأول من الصفا إلى المروة والثاني من المروة إلى الصفا وهكذا- وقفنا على صخرة الصفا مستقبلين الكعبة المشرفة مرددين: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».

مرة أخرى أحسست بهذه الكلمات كما لم أحس بها من قبل، ومرة أخرى انتابني الشعور كأنني في معركة، ولا أدري لماذا كان هذا الشعور يلاحقني؟ ولعل السبب يعود إلى تخيلي مشهد الصحابة -رضي الله عنهم- بقيادة الرسول ﷺ حين مارسوا هذه الشعائر في أثناء الصراع الشديد مع مشركي قريش، وقد تحوطوهم ينظرون إليهم يرقبون ما يفعلون، ويصفون السمع لما كانوا يرددون، فكانت هدنة وسط حرب حامية الوطيس وكان التحدي، ولا سيما حين همسوا أن الرسول ﷺ وأصحابه -رضي الله عنهم- متعبون ضعاف لا يستطيعون الطواف، فكان أمر الرسول ﷺ بالكشف عن الذراع الأيمن والرمل في الأشواط الثلاثة من طواف العمرة، ثم سن الهرولة في السعي في بطن الوادي، وقد جعل الطواف حول الكعبة الشريفة والسعي بين الصفا والمروة موالاة بلا راحة بينهما، ثم كنت أكمل المشهد بالتأمل بهذا التكبير ثلاثًا، وبكل ذلك التأكيد على الوحدانية والقدرة الإلهية حيث لا شريك له، وله الملك والحمد، وهو الذي يحيي ويميت، والقدرة على كل شيء، ثم التذكير بوعد الله ونصره لعبده وإنزال الهزيمة بالأحزاب، ثم العودة للتأكيد على الوحدانية وإخلاص الدين لله، وأخيرًا التحدي الصاعق ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (سورة التوبة: 32).

لم أستطع أن أغيب هذا المشهد عن أحاسيسي ومشاعري وتخيلاتي، وأحسب أن ذلك جعلني أفهم ما أردد بصورة أعمق وأفضل، وأحس به إحساسًا أقوى وأعمق ما إن انتهيت من السعي بين الصفا والمروة إلا وحمدت الله على أني استطعت أن أتمم الطواف والسعي بيسر وسهولة نسبيًا، وبتعب استطعت احتماله ونسيانه وتجاوزه كان مولدًا للقوة، كان يشحن عزيمتي لمواصلة الطواف والسعي، وحتى بلا شعور بالتعب أو على الأصح بلا مبالاة بالتعب.

     لقد كان من حسن التوفيق أن الحملة التي انضممت إليها وفرت إرشادًا دقيقًا بالنسبة إلى كل خطوة في العمرة والحج، وقد أفادت من خبراتها السابقة المتكررة لتجعل اختيار الأوقات لأداء المناسك ابتداء من طواف العمرة وانتهاء بطواف الوداع، مرورًا بطواف الإفاضة ورمي الجمرات من «أفضل الأوقات»، وهي مسألة نسبية جدًا، أو هي فجوات عابرة حيث لا مفر من الازدحام الشديد، ولكن تظل هنا وهناك سويعة أو سويعات يمكن اهتبال فرصتها وهو أمر كان يسهل الأمر قدر الإمكان.

على الرغم من أن الدعاء يصحب المسلم بعد كل صلاة وفي كل المناسبات إلا أن الدعاء في الطواف والسعي أو في منى أو عرفة أو المزدلفة يخرج من قلبك ونفسك وعقلك خروجًا غير خروجه في المناسبات الأخرى، وربما اقترب منه الدعاء في ليلة القدر إنك هنا في رحلة كلها دعاء، وفي مواقع في خير ما يمكن أن يرفع منها الدعاء، وتكون في حالة نفسية هي أصدق ما تكون عليه من بين حالاتك النفسية، وأصفى ذهنًا من كل الأوقات الأخرى، وتكون علاقتك هنا بالإيمان وعقيدة التوحيد والبراءة من الكفر والشرك، أو من جهة طلب الرحمة والاستغفار والنجاة من عذاب النار، غير علاقتك بكل ذلك في حالات أخرى ومواقع أخرى.

لقد كنت أحيانًا أحس نفسي وقد غابت عني وأخذتني مع الدعاء، ولم يكن ليعيدها إليَّ إلا دفعة قوية من هنا، أو حالة حشر بين الأجساد تكاد معها تفقد ثبات القدمين، وأحيانًا كنت أجدني أبتهل إلى الله بدعاء واحد رحت أخص به نفسي وأردده في سري وأكرره وهو الرجاء في أن يسدد الله قلمي، ويزيل الغشاوة عن عيني حين أحلل الواقع العالمي وواقع الأمة العربية والإسلامية، وأحاول أن أنصح وأقترح حلولًا، أو حين استشار.

كان هذا الدعاء يعبر عن الخـوف الذي يسكنني كلما كتبت كلمة واحدة أو أبديت رأيًا؛ لأنك عندما تصبح في موقع الكتابة وإبداء الرأي، ويصبح لك من يثقون بك تغدو مسؤوليتك عظيمة؛ لأن الخطأ هنا لا تدفع ثمنه أنت، وإنما تتسبب لغيرك أن يقع فيه، ومن هنا طغا هذا الدعاء على كل دعاء آخر يخص ذاتي، أو يخص من أحب من جهة كثرة تكراره أو من جهة الإحساس الذاتي به، والحاجة إليه، وتصعيده من قبل من يكابد خوفًا من الزلل في الكتابة وإبداء الرأي أكثر مما يخاف من ابتلاء في العقل والجسد والولد والصحة والمعيشة، فهذه الأخيرة لم تكن لتشغلني إلا قليلًا أو جزئيًا؛ لأنها في عالم القضاء والقدر، وخياري فيها يكاد يكون محدودًا، وليس لي حيالها غير الدعاء والرجاء، فهي عمومًا أقرب إلى الجبر، أما الوقوع في المعصية فهو من خيارك فتحمل أنت وحدك وزرها، وهو أمر تحت السيطرة إن امتلكت الإرادة، واستعنت بالصلاة، ونهيت النفس عن الهوى، وأحسب أن تجنب الزلل، خصوصًا في المعاصي الكبيرة في مستطاع المرء وتحت السيطرة إلى حد بعيد.

إن الزلل فيما تكتب أو تبدي من رأي إن نبع من قناعة وحسن نية فلا حد عليه، ويدخل في باب الاجتهاد، ولكن الوقوع في الزلل هنا حين تحاول فتح مغاليق الواقع والإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فأمر لا يسهل تجنبه بقوة الإرادة وحسن النية، وليست مشكلته الحد والعقاب، وإنما قوة احتمال الوقوع فيه بسبب التعقيد الذي يلف الواقع، وتعدد جوانبه وأوجهه وخفاياه، ولعل هذا من أسباب الخلافيات، وتعدد المدارس، والاجتهادات، والجماعات.

يجب أن أعود الآن فورًا من هذه الأفكار التي تناولت الدعاء المتعلق بي شخصيًا، والذي أكثرت من التضرع لله أن يستجيب له، ولهذا كنت كلما أحسست أنني أكثرت من ذلك عدت وأنا أؤدي المناسك لألتحق بمن يقرءون الأدعية التي هي الأفضل في هذا الموقع أو ذاك، أو عند هذه الشعيرة أو تلك، أو عند هذه المرحلة أو تلك لأنضم إليه وأكرر من ورائه لعلي أصحح خطأ التركيز على الجانب الذي شغلني بعض الشيء، أو لعلي أوازن في أدعيتي.

جولة بين المناسك وجبل ثور وغار حراء: 

إنها خمسة أو ستة أيام حجًا، وقبلها يوم عمرة، وبعدها زيارة مسجد رسول الله ﷺ ولكن بينها وبين يوم العمرة لمن حج متمتعًا بضعة أيام قد تطول أو تقصر، وهذه الأيام كانت بالنسبة إليَّ أكثر من يومين وبضع ساعات، وهي أيام يقضيها الحاج بعد التحلل من إحرام العمرة إلى بدء أيام الحج، ولا بد من أن يقضيها زيارات للصلاة في المسجد الحرام ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، أو قد يصلي أحيانًا في أي مسجد من مساجد مكة، فأرض مكة كلها حرم، ويتخلل ذلك بعض الوقت لزيارة السوق وشراء بعض الهدايا، ويجد الحاج فسحًا من الوقت في أثناء ذلك ليسامر إخوة له في الحملة أو في المبيت، وتبدأ الصداقات الحميمة بالانعقاد والوثوق.

وقد عدت من الحج حاملًا أطيب المشاعر لأصدقاء قد لا ألتقيهم مرة ثانية، ولكن لولا بعد المسافات لتحولت إلى صداقات مديدة، وقد قيل سابقًا إن صداقة السفر أو السجن من أقوى الصداقات، ولكن صداقة الحج تفوقها جميعًا، فهي -على قصر مدة التعارف إلا أنها- تضرب جذورها في النفوس بسرعة، ولعل السبب في ذلك كونها مجردة من الغرض، ومحفوفة بالتراحم والأخوة والتواد، وبعيدة عن أي روح عدائية إن برز خلاف في أثناء حديث في السياسة أو في غيرها وبعضه خلاف كان سينتقل إلى الحدة والقطيعة في غير هذا المقام وغير هذه المناسبة، فضلًا عما يعززها من مشاركة في أداء المشاعر والأدعية وقراءة القرآن أو الاستماع لدروس دينية، ولعل أجمل اللقاءات الجماعية، وأروع المسامرات عندما يذهب الحديث إلى الربط بين المواقع التي زرناها في النهار، وسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- يوم ملئوا ذلك المكان، وراحوا منه ينعطفون بالتاريخ الإنساني إلى آخر الدهر، فإذا كنت موفقًا بالحملة التي ستنضم إليها، كما كان الحال مع شخصي الذي أخذته الدهشة، إزاء كل ما رأى فستأخذك قبل بدء أيام الحج إلى مواقع الشعائر التي يستحيل أن تصلها أو تقف عليها أو أمامها في أثناء الحج مثل جبل الرحمة في عرفة، أو التطواف في المزدلفة ومنى، أو تأخذك قريبًا من سفح جبل ثور أو سفح غار حراء، فتتأمل بتلك الطبيعة القاسية والجبال الجرداء والصخور السوداء والوادي الذي لا زرع فيه، وأنت تحت شمس لاهبة ووهج حار لافح.

فعندما تأملت بغار حراء وكيف كان رسول الله ﷺ يصعد إليه ويمكث فيه، وتأملت بجبل ثور الذي آوى إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وقد طاردهما سراة قريش وجندها يبغون قتلهما ومنعهما من الوصول إلى يثرب، فيا لها من لحظات شديدة الخطورة والحرج، ويا لها من عزائم تحتمل كل هذه الصعاب والشدائد، ويا لها من إرادات لا تقل أمام الأهوال، ويا لها من قلوب عامرة بحب الله ولا تبتغي غير مرضاته، ذاكم هو رسول الله ﷺ، وتلكم هي أسوته وتربيته للرجال.

لقد دب الخوف في فرائصي وأنا أنظر إلى جبل ثور من سفحه، وأتأمل تلك اللحظات الرهيبة حين اقتربت سيوف قريش من باب المغارة يقول الله -تعالى-: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة:40)، ويكفي أن نتوقف عند قول أبي بكر -رضي الله عنه-  لما رأى أقدام المشركين: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، وجاء الجواب في اللحظة التي تطير بها النفس شعاعًا: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ  (سورة التوبة: ٤٠)، وقد عمت عيون الكافرين وقلوبهم، وتركوا جبل ثور، بينما كان في غاره من على يده سيتغير تاريخ الإنسان، وليس تاريخ قريش ومكة فقط.

 وإنك إذ تتأمل بهذا الوادي الذي ليس بذي زرع، وربما يتحوطه من صخور سوداء وجبال قاسية صماء، وبما تهبط عليه من شمس حارقة، لا بد من أن تسأل عن الحكمة في، أو العبرة من، اختيار هذه البقعة من الأرض ليقيم عليها قواعد البيت إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ثم لتكون أرض بعث الرسالة الخاتمة حيث نزل القرآن، وهبط الوحي على محمد بن عبد الله الصادق الصدوق الأمين الموثوق ليصبح الرسول الأكرم خاتم النبيين.

ثم لتتأمل اختيارها ميدانًا لصراع مفصلي بين التوحيد والشرك بين الإيمان بالله الواحد الأحد والكفر، ولينتصر الإسلام فيها من خلال هجرة فذة لم تنته أخطارها على رسول الله ﷺ ورسالة الإسلام والصحابة الأوائل -رضي الله عنهم- بعد أن ذهب الخطر عن جبل ثور.

وإنما كانت بداية لأخطار استمرت مع مطاردة قاتلة، وظروف قاسية حتى الوصول إلى يثرب، ثم لتبني نواة الدولة الإسلامية الأولى، وتكتب الصحيفة (الدستور السياسي الأهم في التاريخ) ويؤمر بالقتال لينتهي بالفتح والنصر، ولكن بعد مسار متعرج معقد شهد الانتصار في بدر، والهزيمة العسكرية في أحد، وعرف الحصار الخانق للمدينة، ورآه يتحطم ويتبدد بعد صبر طويل على أشد الجوع وأشد الخطر، فضلًا عن عشرات الغزوات وحالات الكر والفر، وهي مرحلة تحمل دروسًا لا تحصى أهميتها وعبرها في التغيير وبناء الإنسان وإدارة الصراع، وصولًا إلى صلح الحديبية الذي شكل مفصلًا خطيرًا في أهميته في مجرى الصراع لتتهيأ شروط النصر من بعده فتأتي لحظة الزحف المظفر إلى مكة حيث جاء نصر الله والفتح، ودخل المسلمون مكة يحطمون الأصنام ليسترد البيت العتيق مكانته رمزًا للتوحيد والبراءة من الكفر والشرك، ويصبح محج المسلمين المنتصرين، ثم لتبدأ رحلة نشر الدعوة الإسلامية في العالمين، وقد غدت عقيدة «لا إله إلا الله ومحمد رسول الله» تملأ قلوب عشرات الآلآف ثم مئات الآلآف، ثم الملايين، وها هي ذي الآن تطرق أبواب آلآف الملايين، وسؤال يخطر بالبال هنا: أفلا يمكن أن نرى دلالة حين تأتي في سورة الحج الآيتان: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (سورة الحج: 39-40).؟

 لا بد من أن يكون لذلك دلالة بالنسبة إلى الحج وبعض أبعاده، كما بالنسبة إلى محتوى الآيتين عندما وضعتا في إطار سورة الحج، بل إن سورة الحج كلها بحاجة إلى تأمل وتعمق إذا ما أردنا أن نحيط في فهم الحج في الإسلام.

وقفة مع النص والوحي:

 يجب أن يأتي إلى هنا أولئك الذين يتعاملون مع القرآن باعتباره نتاج ظروف تاريخية أو يريدون التعامل ونصه باعتباره نصًا تاريخيًا، أو يفسرون الإسلام تفسيرًا يقوم على الفلسفة المادية لماركس، فيضعونه في عداد الأيديولوجيا والبناء الفوقي، وقد تشكل انعكاسًا لبناء مادي تحتي قوي إنتاج وعلاقات إنتاج أو نظام عبودي أو شبه عبودي وما شابه، ولا ندري أين كان كل ذلك في هذا الوادي غير ذي زرع؟، يجب أن يأتوا ويصعدوا إلى غار حراء الذي نزل فيه الوحي، أو أن ينظروا إليه من بعيد، ويتأملوا من حوله بالصخور السوداء والشمس التي تسقط جمرًا على الرؤوس، ثم ليقولوا لنا إن كان لبشر عادي بلا وحي، ومهما بلغت عبقريته، وألمعيته، أو ثاقب نظره أن يستخرج من هذا الواقع، من هذه الطبيعة القاسية والشمس ذات النار الموقدة، والوادي شحيح الماء الذي ما عرف الزرع، ومن قبل ألف وأربعمائة عام ونيف، وفي ظل علاقات جاهلية مثل هذا القرآن الذي ما فتئ منذ أول يوم نزل فيه وحتى هذا اليوم يصرع الشرك والكفر، ويبز كل نظريات الفكر الموضوعي في المنهج والنظر إلى الإنسان، وما يمكن أن يستنبط منه من نظريات في الاقتصاد والاجتماع والسنن.

أي يصرع أو يبز كل ما ولدته الأبنية التحتية أو الفوقية أو فوق الفوقية أو ما حسب على الفلسفة أو العلوم، مرورًا بعصر الأنوار وصولًا إلى عصر العولمة والإنترنت وثورة الاتصالات والجينات، وحتى ما شاء الله بعد ذلك، فلا تنظيرات دور كايم، ولا فيبر، ولا ماركس، ولا فرويد، ولا المدرسة الأنثروبولوجية، ولا البنيوية، ولا التفكيكية- تستطيع أن تفسر كيف تشكل الإسلام بكل ميزاته انطلاقًا من ذلك الواقع، أو مما كان سائدًا من أيديولوجية وأفكار.

فها هو ذا الفكر الغربي الذي ولده عصر الأنوار جاء هيجل وماركس ليتخطياه، وها هو ذا ماركس وهيجل ومعهما فلاسفة عصر الأنوار جاء فكر ما فوق الحداثة لينقض ويفكك، ولا يبقى غير نيتشه ويبنى عليه فلسفة غياب المعنى حتى بدا البناء كله كأنه ركام عمارة نسفت من أساساتها، فكل ما فعله العقل حين أطلق له العنان بلا حدود هو الانتهاء إلى اللا عقل، وإلا ما معنى «غياب المعنى» عن كل شيء، وهذا بدوره في طريقه في ظل العولمة وما ستحمله من نظريات إلى نسف مبادئ الحرية والديمقراطية ليهزأ بالحقيقة النسبية التي لم يعد لها مكان أمام الإعلان عن موت الإنسان وموت الأيديولوجيا وانتهاء التاريخ، فعندما يراد أن يتحول كل شيء إلى سلعة بما في ذلك الثقافة والإنسان والشعوب: كل شيء، كل شيء، لكي لا يبقى غير هيمنة الشركات متعدية الجنسية وانتفاخها حتى الانفجار بمئات البلايين، وربما التريليونات عن قريب بحراسة البنتاجون والإدارة الأمريكية، أين موقع كل هذا إذا وضع في ميزان مقابل القرآن والسنة؟ 

لو وقف إنسان وعاد بخياله وتأملاته إلى ما قبل ألف وأربعمائة عام ونيف، وأعاد رسم المشهد فإنه لا يستطيع أن يفسر الإسلام، ودين الإسلام ونهضة الإسلام إلا باعتماد الوحي أولًا وقبل كل شيء؛ لأنه لو لم يكن هنالك الوحي لما أخرج ذلك الواقع غير الجاهلية وفلسفة الغزو والقوة والموت والضياع واللا معنى، فالغيب وحده هو الذي كان بمقدوره أن ينزل على محمد بن عبد الله هذا القرآن العظيم الفريد المتفوق، ويوحى له ﷺ بمسيرة الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن اللا معنى إلى المعنى، ومن الجاهلية إلى الإسلام، ثم لينتقل الإسلام في التطبيق العملي إلى مراعاة الواقع والتاريخ دون أن يصبح تاريخيًا بالمعنى المبتذل، ودون أن يكون فوق التاريخ بالمعنى المجرد عن السنن في الكون والإنسان والمجتمعات بكلمة، إن من يتأمل بتلك الأرض وصخورها وحجارتها وجبالها وشمسها قبل أن يبدأ الحج، وقبل أن يصبح قطرة ماء تتحرك مع أمواج بحر متلاطم من الحجيج لا يستطيع إلا أن يزداد إيمانًا ووثوقًا بالله الخالق الواحد الأحد، وبنزول القرآن يحمله جبريل على محمد وبالوحي الذي رافق محمدًا، ثم لا يستطيع إلا أن يزيد براءة من كل النظريات المتهافتة التي حاولت أن تتعامل مع القرآن والسنة على غير تلك الصورة لتؤولها بما لا علاقة له بالمكان والزمان والتاريخ.

وهي تحسب أنها تقولهما وفقًا للزمان والمكان والتاريخ، فهي لم تتأمل جيدًا في المكان والزمان المعنيين، ولا بمعطيات التاريخ الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والحضاري في زمن الرسالة وولادتها وحركتها في المكان والزمان والتاريخ، وصولًا إلى مشارق الأرض ومغاربها، ثم امتدادها المستمر حية جديدة مع كل ما تلاها من أزمنة إلى عصر الاتصالات والإنترنت، وما بعده من أعصر إلى ما شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2111

110

الجمعة 01-سبتمبر-2017

فريضة الحج.. مقاصد وغايات

نشر في العدد 2111

133

الجمعة 01-سبتمبر-2017

الحج.. وحدة الهدف والغاية

نشر في العدد 43

112

الثلاثاء 12-يناير-1971

هذا الأسبوع (43)