العنوان لقاءات المجتمع مع وزير الأوقاف المصري... الدكتور عبد الحليم محمود
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1973
مشاهدات 60
نشر في العدد 141
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 13-مارس-1973
دكتور عبد الحليم محمود يعرفه... في العالم الإسلامي كله.. قبل أن يكون وزيرًا للأوقاف... قاعات الدرس، وإلقاء... وفي كتبه ومؤلفاته التي ... فيها عن الإسلام ويوضح... وأباطيل خصومه.
دكتور عبد الحليم محمود نقابله بصفته رئيسا لوفد جمهورية مصر العربية إلى مؤتمر وزراء الأوقاف المنعقد في الكويت.
.. مشاغله الكثيرة وأعماله في... مؤتمر فقد أتاح لنا فرصة مقابلته... معه هذا الحديث الطيب.
... الدور الذي يمكن أن تقوم به... الأوقاف في العالم العربي كما ... خلال عملكم على رأس وزارة الأوقاف في جمهورية مصر العربية؟
... وظيفة وزارات الأوقاف في أي ... في أمرين:
الأول: ويتمثل في أنها... الذي تجتمع فيه الأموال التي... الخيرون من المسلمين للإنفاق ... أبواب الخير العامة ...
الثاني: حراسة هذه.. واستثمارها وتوجيهها حيث ...، تطبيقا للقاعدة ... شرط الواقف كنص الشارع... فهي أمينة على هذه الأموال ... المختلفة وعلى توجيهها فيما ... الواقفين.
... إذ ننظر إلى مصارف الوقف ... على نحو ما لمسنا من تعدد... الجهات التي ينفق فيها الوقف... أبوابا شتى، فمنها ما هو.. على فقراء المسلمين بصفة عامة، علاجهم، أو تعليمهم، أو مساعدتهم، أو كسوتهم.. إلخ.
ومنها ما هو موقوف على إقامة الشعائر الدينية ونشر تعاليم هذا الدين وإقامة معاهد وغير ذلك من كل ما من شأنه الحفاظ على الإسلام بقرآنه وسنته ولغته والتمكين لعقيدته، كما هو موجود في الأزهر الشريف ومعاهده وجامعته وفي جامعة الزيتونة والقيروان وغيرهما ونظرة إلى مصارف هذا الوقف خصوصا ما هو بر عام لا يختص ببلد أو جماعة يتبين منها أنه يمكن حين تدعو الحاجة إلى توجيهه حيث الضرورة الملحة في أي بلد إسلامي يمكن أن يسد فيه عجزا من الجانب التعليمي أو الصحي أو الاجتماعي فإن ذلك من غير شك يكون بابا من أبواب الخير الذي يسدى إلى فئة من المسلمين المحتاجين في أي مكان من الأرض.. كأفريقيا وغيرها من بلاد الإسلام التي تحتاج إلى عون :
كما يمكن حين تكون الحاجة ماسة إلى إقامة مسجد أو معهد ديني أو مكتب لتحفيظ القرآن الكريم توظيف مثل هذا المال في أداء هذا الغرض العظيم وهناك الدور الكبير الذي يمكن القيام به وهو تزويد الجهات المحتاجة بالدعاة من العلماء وهو أمر له خطورته في هذا الوقت الذي تتجمع فيه كل القوى المعادية للإسلام ضده وتحاول أن تحسر مده الذي يجب أن ينطلق دون عائق أو مانع.
وإذا نظرنا إلى أساليب أعداء هذا الدين وهم يجمعون مع المدرسة المستوصف والمبرة والمأوى ودار العيادة لرأينا أن من واجب المسلمين في هذا الظرف وبالأخص منهم من قلدهم الله أمانة الحفاظ على مواريث هذا الدين.
بما خولهم من سلطان كانوا به رعاة أموال المسلمين والأوقاف التي سخت بها نفوسهم - لرأينا أن من حق الإسلام عليهم أن يوظفوا جزءا من أموال هذه الأوقاف يتجمع في صندوق يخصص لهذه الأغراض ويمكن منه ربط هذا العالم الإسلامي بعضه ببعض وحماية وإنقاذ المسلمين المهددين في عقيدتهم تحت تأثير ظروفهم الخاصة أو العامة، وبذلك يحققون مبدأ الأخوة الإسلامية التي لا تعرف إلا الإسلام نسبًا وصهرًا والتي توحي بالوحدة تحت ظلال هذا الدين الذي أعلن أن أمة الإسلام أمة واحدة.. ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)
استطاع الاستعمار أن يضع الحواجز بين شباب المسلمين ودينهم فما السبل التي ترونها لهدم هذه الحواجز، وما مسئولية وزارات الأوقاف في هذا الشأن؟
من هذا المنطلق نرى أن الاستعمار لم يضع الحواجز بين الشباب ودينهم فحسب وإنما عمد أولا إلى تمزيق هذه الأمة واصطنع لها حدودًا وألوانًا مختلفة يبغي بها قطع العلائق المادية بينها وبين بعضها.
وحين رأى أن هذه الأساليب لم يستطع بها تحقيق غرضه فقد عمد في كل قطر إلى أسلوب خبيث محاولًا الابتعاد به عن هذا الدين سواء في لغته أو قرآنه أو التشكيك في بعض تعاليمه بوسائله المفتراة وفي عصرنا الذي نعيشه يحاول جادًا وهو يعلم أن الأمة بشبابها وأن الشباب هم رجال الغد وحملة أمانة المستقبل.
أن يصنعهم على عين منه، من ثم رأيناه يعمد إلى أقوى مقومات الرجال، وهي الأخلاق بقيمها ومحاسنها، فيوهن منها في نفوسهم، عن طريق الزاد الفكري المسموم، الذي يقدم في الكلمة المكتوبة أو الكلمة المسموعة، أو الصورة المعروضة، أو الفيلم المستورد أو التمثيلية الخليعة.. إلى غير ذلك مما لا يخفى، وقديمًا قال الشاعر:
فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا..
وحين استطاع أن ينفذ بهذا السهم، في قلب هذه الأمة من شبابها، عندئذ رأى أن يدعم هذا الجانب فيه، بمحاولة التوهين من الدين، وقيمه ومثله ودعاته، والانسلاخ من تقاليده الإسلامية العريقة.. وهكذا كما نرى والسبيل الوحيد للخلاص من ذلك، هو دور وزارات الأوقاف، المتمثل في اختيار الدعاة الذين يستطيعون أداء رسالتهم، ودحض الشبه التي تلقى بين يدي شباب هذه الأمة، مع القراءة الدائمة لأعداء هذا الدين، حتى يعلموا ماذا يدبرون، وثم يستطيعون إبراز حقيقة هذا الدين ناصعةً.. تكشف زيف أعدائه، وتحصن أبناءنا من الوقوع تحت تأثيرهم.
● وأيضًا: ما بال الكلمة المكتوبة في واد، وما يدبر الإسلام في واد آخر؟
- إن وزارات الأوقاف، ولعل المؤتمر الذي عُقد في الكويت أخيرًا، قد استهدف هذا الجانب، حينما جعل ضمن توصياته وجوب محاربة التيارات المختلفة، بالكلمة المكتوبة الواضحة في رسائل سهلة، لا تعلو على مستوى القارئ، وتوضح حقيقة الإسلام وعقيدته وسمو تعاليمه، مقارنة في ذلك بينه وبين ما يُعرض من سموم قاتلة، يُراد بها القضاء على هذه الأمة.
وأيضًا: لو أن هذه الوزارات، استطاعت أن تنسق جهود المؤسسات الإسلامية، المنتشرة في طول العالم الإسلامي وعرضه، لأمكنها من ناحية سد العجز الموجود في المكتبة الإسلامية، والخاص بحماية هذا الجيل والأجيال القادمة، التي هي أمانة المسؤولين، عن أمر هذه الأمة خصوصًا منهم من لهم ولاية دينية، من خلالها يستطيعون أن يفعلوا شيئًا، ونحن نرجو الله، وقد كانت توصيات وقرارات هذا المؤتمر صريحة، في وجوب رعاية هذه الجوانب، بين شباب الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي في كل مكان، أن يوفّق قادة المسلمين ورؤساءهم، إلى التعاون في تطبيقها، حتى يجنبوا أمتهم من يراد بها من شر.
● في إفريقيا مجال رحب للعمل الإسلامي، فماذا يمكن لوزارات الأوقاف مجتمعة أن تصنع في هذا المجال؟
● كان من بين مقررات المؤتمر، ضرورة دراسة واقع المسلمين في إفريقيا وفي أستراليا وفي أوروبا،- أي في الدول التي يوجد بها مسلمون، كبلجيكا مثلًا- وفي غيرها كالفلبين مثلًا، والتعاون في إطار ما استطاعت هذه الوزارات أن ترصده، لمساعدة هؤلاء كل حسب احتياجاته، في الصندوق المقرر إنشاؤه.. التعاون على تبصيرهم بدينهم، وربطهم بتعاليمه، سواء ببناء المركز الإسلامي، أو المسجد أو المدرسة، أو إرسال الداعية أو المحفظ للقرآن... وهكذا.. ونرجو لهذا الصندوق النجاح، ومن الدول الإسلامية التي لم تشترك في هذا المؤتمر، أن تسهم بدورها في دعمه، حتى يؤدي الغرض منه.
● ما رأيكم في أهمية التنسيق والتعاون بين وزارة الأوقاف ووزارة الإعلام؟
● وإذا كان ذلك هو واجب وزارات الأوقاف على الصعيد العام، فإن واجبها على الصعيد المحلي، أن تصنع الأجيال الناشئة على الإيمان والإسلام، وتحصن المسلمين ضد التيارات والأمراض الاجتماعية والخلقية وغيرها، وأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا إذا تلاقت كل أجهزة التوعية على هدف واحد.
وهذه الأجهزة تتمثل في جهات متعددة، فمنها الدعوة إلى الله، بدعاتها في المسجد وخارجه، والعلماء والكلمة التي يوجهونها، يحقون بها الحق ويبطلون بها الباطل، والكتاب الذي يقدم للشباب أو للكبار أو للصغار ذكورًا وإناثًا، كل هذه تعمل في حقل واحد هو الإنسان.
فإذا كانت وهي بمثابة الدواء، من أنواع متعددة، يقدم لمريض ليبرأ، أو ضعيف ليقوى، بعضه يأتي بالغرض، والبعض الآخر تزداد به العلة.. فمتى يبرأ المريض أو يقوى الضعيف.. إن أمر الأمة بشبابها وكبارها، وصغارها ورجالها ونسائها، بين يدي ذلك، كما قال القائل:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه
إذا كنت تبني وغيرك يهدم
إن أجهزة الإعلام والصحافة، والأقلام التي تكتب، كلها مسئولة أمام الله أولًا، عما تقدم لهذه الأمة.
ثم بعد ذلك، تأتي مسئولية كل من كانت له ولاية على هذه المرافق، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع».
وعلى ذلك، فإن جميع ما يوجه عن طريق هذه المرافق، يمكن لإصلاحه إشراك وزارات الأوقاف، وهي جهات مسئوليتها دينية، بالمتخصصين فيها مع المسؤولين عن هذه المرافق، ووضع خطة تكفل سلامة الزاد الذي يقدم، وضمان الخير من ورائه، وتوجيه الأمة بكل فئاتها التوجيه الإسلامي الطاهر.
● وماذا عن الخلط الكثير، والدس والتشويش الموجود في التراث الإسلامي؟ وكيف لنا أن ننقيه ونصفيه، ليقرأه الشباب ونحن مطمئنون؟
● والمكتبة الإسلامية وفيها الكثير من الكتب، التي تتحدث عن الإسلام وعلومه، بحاجة إلى تنقيتها، وأعتقد أن المؤسسات الإسلامية التي تشرف عليها وزارات الأوقاف، من أول واجباتها هذا العمل.. ولها لجانها.. وفي هذا أيضًا كانت توصية المؤتمر، الذي طالب بضرورة تخليص التراث الإسلامي، من جميع ما شابه عبر تاريخه الطويل، حتى لا نترك ثغرة، ينفذ منها حاقد أو جاحد إلى عقول أبنائنا، فيمسخ أفكارهم ويشوش عليهم في دينهم.
● من الملاحظ أن فريضة الجهاد غير نافذة.. مع أن أرض المسلمين محتلة والعدو يطارد المسلمين في كل مكان... فما رأيكم؟
- أما فريضة الجهاد التي وردت في السؤال.. فإن حكم الإسلام أنه متى احتلت أرض للمسلمين، يصبح الجهاد فرض عين على كل قادر عليه، والمسلمون اليوم مستنفرون لأداء هذا الواجب، كلٌّ بحسب إمكاناته، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم وألسنتكم» ونسأل الله لهذه الأمة أن يجمع الله كلمتها، ويلهمها رشدها حتى تستعيد مقدساتها، وتمسح العار الذي لحقها من المستعمر أرضها، كما نسأله أن يوفقنا لما يرضيه، حتى نكون أهلًا لنصره، إنه سميع مجيب.
● وماذا عن تنمية أموال الأوقاف، عن طريق الاستثمار في بنوك غير ربوية؟
- واستثمار أموال الأوقاف كما ورد في الاستفسار، أمر مطلوب، إلا أنه حين تستثمر هذه الأموال، لا بد وأن تستثمر طبقًا لما تمليه أحكام الشريعة الإسلامية، أي من أبواب لا تخالف تعاليم هذا الدين، في التجارة أو الصناعة أو غيرهما من أجل الله عز وجل.. وبخصوص البنوك، فإنا نرجو للمسلمين أن يوفقوا إلى إنشاء البنك الإسلامي، الذي هو أمل هذه الأمة والمخلصين لديهم فيها، حتى لا يقعوا تحت طائلة ما يخالف تعاليم الإسلام.
● ألا ترون الضرورة ملحة إلى إحياء دور المسجد، ليعود كما كان في صدر الإسلام؟ وما الذي يمكن لوزارات الأوقاف أن تصنعه في هذا الأمر؟
- لقد كان المسجد في حياة الأمة الإسلامية كل شيء، بما يؤدي من مسألة هي روح حياة المسلمين!
ثم أتى عليه وقت، احتجبت فيه دعوته عن واقع هذه الأمة، وأصبحت مهمته إقامة الصلوات، وأداء شعيرة الجمعة والعيون، وكانت هذه لعبة المستعمر حين عزل الدين عن الحياة.
واليوم وقد قيض الله لهذه الأمة، من أعاد النظر في أمر المسجد ورسالته، فقد أمكن بذلك توجيه رسالته على النحو الآتي:
أولًا: المسجد بداعية وإمام: وقد اختير الدعاة من الأئمة العلماء.
ثانيًا: الحصة أو الدرس اليومي، وقد أصبحا هما العلاج، لجميع ما يستمد من مشاكل البيئة وأمراض المجتمع، أي أنهما دائمًا من وحي الواقع الاجتماعي أو الديني، الذي يعيش فيه الدعاة على الصعيد العام، أو الصعيد الخاص بالبيئة، وتم تطويرهما فعلًا بما يتناسب، وما تمليه طبيعة المجتمع.
ثالثًا: خرج هذا الإمام العالم إلى المجتمع يصلح بين الناس، ويسهم في إقامة الجمعيات الخيرية ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم، والقيام بدور التوعية بين رواد الجمعيات الإسلامية وما ماثلها، أي أنه استطاع بدينه أن يشترك في المجتمع بكل ما يجري فيه من شؤون دنيوية أو دينية.
رابعًا: وقد ألحق بالمسجد حلقات، لتحفيظ القرآن الكريم، تقوم بتحفيظ الكبار والصغار، تحت إشراف الإمام.
خامسًا: ومع هذا فقد كانت فيه المكتبة التي تسد حاجة الإمام، كما يجد من يرغب من رواد المسجد فيها، ما يشغلون به أنفسهم وهم بالمسجد.
سادسًا: وفي بعض المساجد، أمكن إلحاق مبنى يلتقي فيه الناس في مناسباتهم المختلفة، دينية أو دنيوية، كعقود الزواج أو ما ماثلها من التجمعات، التي ليس فيها ما يتنافى وتعاليم الإسلام.
ولقد كان ذلك دور الأوقاف في مصر الآن، بالنسبة للمسجد، وهي تعمل على المزيد من العناية بالمسجد، وتوفير الكفاءات والإمكانات التي تستطيع معها القيام برسالة.
وربطًا للبيئة بالمسجد، فقد عمدت وزارة الأوقاف بمصر، إلى إنشـاء مجالس إدارات للمساجد الكبرى، ومنحتهم الصلاحيات التي بها يستطيعون عون المحتاج، وإغاثة الملهوف، وإقامة المساجد ومعاهد التحفيظ للقرآن، ومساعدة الإمام على أداء واجبه في الحي، ورأت في اختيارهم، أن يمثلوا العناصر الخيرة من بيئة المسجد، حتى يمكن عن طريقهم أن يكونوا روافد صالحة، تمد المجتمع بالخير، وتعمل لإصلاحه في أنحائه المختلفة.
والله نسأل أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.
الرابط المختصر :