; قصة الأكراد مع الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان قصة الأكراد مع الإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-2000

مشاهدات 392

نشر في العدد 1398

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 02-مايو-2000

■ دخلوا الإسلام في عهد عمر بن الخطاب دون مقاومة و90 % منهم ينتمون للمذهب الشافعيز

■ أحد صحابة النبي ﷺ كان كرديًا وعدد من رواة الأحاديث والفقهاء واللغويين كانوا أكرادًا.

■ جميع الثورات الكردية تفجرت بدوافع إسلامية.

■ معظم دعاة الصحوة في كردستان كانوا من الكتَّاب والشعراء الإسلاميين والإصلاحيين.

رغم الغياب العربي اللافت عن كردستان، فإن اللغة العربية حاضرة بقوة في هذا الجزء الذي يتمسك بانتماء مواطنيه إلى العراق في الوقت الذي يتم فيه التأكيد بشدة على الخصوصية الكردية، كما أن اتباع تعاليم الإسلام والتمسك بأحكامه أمر أساسي لدى الأكراد في هذه البقعة والذين عرفت بلادهم الإسلام منذ أن من الله عليهم بهذا الدين العظيم، فدخلوا فيه بأعداد كبيرة.

يشير التاريخ إلى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن يرسل ثلاثة جيوش سنة ٨ هـ لفتح بلاد الكرد، وهي في هذا الوقت «ديار بكر»، وتتبعها المدن الشهيرة حران ونصيبين وسنجار وخابور وجبال هكاري وجبال بهدينان وكذلك الموصل، وقاد الجيوش الصحابي عياض بن غانم - رضي الله عنه - وقد عامل المسلمون أهل تلك البلاد معاملة أهل الكتاب، بعد أن أرسل سعد بن أبي وقاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يسأله في معاملة هؤلاء الكرد الذين كانوا يعتنقون «الزرادشتية»، فأجابه الخليفة «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».

وقبل قيام عياض بن غانم بفتح معظم بلاد الكرد من جهة الجزيرة، فإن القعقاع بن عمرو - رضي الله عنه - كان قد فتح بلدة «حلوان» الواقعة في جنوب كردستان قبل ذلك سنة ١٦ هـ. 

ومع ذلك، فإن هناك دلائل على اعتناق الأكراد للإسلام قبل العام ١٦هـ فقد كان من بين أصحاب الرسول ﷺ صحابي من أصل كردي اسمه «جابان»، فقد روى ابن منده من طريق أبي سعيد مولى هاشم عن أبي خلدة سمعت ميمون بن جابان الكردي عن أبيه، وأنه سمع النبي محمد ﷺ غير مرة حتى بلغ عشرًا. وذكر الحديث، وقد أخرج نحوه الطبراني في المعجم الصغير عن ميمون الكردي عن أبيه أيضًا (ابن حجر العسقلاني 773هـ/857هـ) الإصابة في تمييز الصحابة، مج، مج 1 ص ٥٧٩.

وتشير مصادر التراجم إلى بعض رواة الحديث من الأكراد ومنهم: «أبو حفص عمر بن إبراهيم بن خالد بن عبد الرحمن الكردي و«أبو حسن علي بن عبيد الله الكردي وجابر بن كردي الواسطي، وأبو جعفر، عمر بن إبراهيم وعمر بن عيسى العطار النهرواني، وميمون أبو نصير الكردي، وأبو أحمد محمد بن أحمد الكردي، وجاكير محمد بن دشم الكردي العراقي (محمدي أمين زكي تاريخ الإمارات الكردية. ترجمة محمد علي عوني ص (۲۸).

ومعظم أفراد الشعب الكردي من أهل السنة والجماعة على المذهب الشافعي، ونسبة هؤلاء تشكل 90 % من عدد السكان. وقد شارك هذا الشعب في كثير من أحداث التاريخ المهمة، ومن أهمها نصر العباسيين في إقامة خلافتهم بقيادة أبي مسلم الخراساني، وإعادة الخلافة في مصر إلى العباسيين على يد صلاح الدين الأيوبي، وكان للأكراد حكوماتهم المستقلة في ظل الخلافة العباسية، ومن بعدها. فكانت لهم الحكومات الشدادية (٣٤٠هـ - ٤٦٥هـ) والدوستكية في ديار بكر، وأمد وميا فارقين (٣٥٠ - ٤٧٦هـ). والحكومات الأيوبية في مصر والشام والجزيرة العربية (٥٦٧ - ٩٥٠هـ)، والحكومة الأردلانية بالران (٦١٧ - ١٢٨٤هـ). 

وقدم علماء الأكراد مساهمات مهمة في مختلف صنوف المعرفة وشاركوا في بناء الحضارة الإسلامية، ونبغ من بين هؤلاء علماء أفذاذ كانوا نجومًا لامعة في سماء دنيا الإسلام والمعرفة من مفسرين ومحدثين وفقهاء ولغويين ومؤرخين، فمن المفسرين محمد بن محمد بن مصطفى أبو سعود العمادي (۸۹۸ - ۹۸۲هـ) مؤلف التفسير المعروف «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» 9 أجزاء في أربع مجلدات، وعز الدين أبو محمد عبد الرزاق الرسعني (٥٨٩ - ٦٦٠ هـ)، وهو يعد من أبرز المفسرين وله رموز الكنوز «تفسير في ٨ مجلدات» ومطالع أنوار التنزيل، بالإضافة إلى مؤلفات أخرى.

ومن المحدثين ابن الصلاح (الحافظ أبو عمرو الكردي ٥٧٧ - ٦٤٣هـ)، وهو صاحب المقدمة المشهورة في الحديث، وله عشر مؤلفات في الحديث والفقه، وكذلك أبو السعادات محمد بن الأثير الجزري ومن مؤلفاته: جمع الأصول في أحاديث الرسول، والنهاية في غريب الحديث، وكتاب الشافعي في شرح مسند الإمام الشافعي.

ومن الفقهاء سيف الدين الآمدي (٥٥١) - (٦٣١هـ) فقيه أصولي متكلم له نحو عشرين مصنفًا في شتى الاختصاصات، وإبراهيم بن حسن الشهرزوري الكوراني (١٠٢٥ - ١١٠١هـ) مجتهد من فقهاء الشافعية وعالم بالحديث ومؤلفاته تربو على ثمانين كتابًا.

ومن اللغويين الملا جامي (١١٤١م) وهو عالم لغوي وأحد أئمة النحو، له كتب عديدة من بينها شرح الكافية لابن الحاجب، وكذلك ابن الحاجب صاحب الكافية في النحو والشافية في الصرف. ومن مشاهير الأكراد ابن خلكان وأبناء الأثير الثلاثة والحافظ العراقي وأبي الفداء الأيوبي.

 ومن الأعلام المشهورين في العصر الحديث الذين ينتمون إلى الأكراد الشيخ محمد عبده وعباس محمود العقاد وأمير الشعراء أحمد شوقي والملا رمضان البوطي في الشام والقارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.

عامل جذب

وفي الوقت الذي تشهد فيه كردستان تناميًا للتيار الإسلامي الذي يمثل عامل توازن للقوى داخل المنطقة الكردية، فإن المؤشرات تؤكد أن الأحزاب والجماعات الإسلامية سوف تجتذب المزيد من المؤيدين خلال السنوات القادمة في ضوء استمرار الخلافات بين الأحزاب الأخرى التي اكتوى الأهالي بنيران صراعاتها وحروبها الداخلية.

وتيار الإسلام لم يكن بعيدًا في أي من الأيام عن قضية الشعب الكردي، فحتى معظم دعاة الصحوة القومية من بين الأكراد كانوا من بين الكتاب والشعراء الإسلاميين والإصلاحيين وقد دعا هؤلاء الشعراء في منتصف القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى إقامة كيان إسلامي كردي يحفظ للأكراد هويتهم القومية، في الوقت الذي كان فيه معظم قادة الحركة القومية الكردية في القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين من شيوخ الطرق الصوفية، وتشتهر عائلتا الطالبانيين والبرزانيين كعائلتين من عائلات شيوخ الصوفية. فالملا مصطفى البرزاني وابنه الزعيم الحالي مسعود البرزاني يستمدان نفوذهما من المكانة الدينية لعائلتهما التي ترتبط بالنقشبندية، فيما يعود نفوذ جلال الطالباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني إلى انتماء عائلته للطريقة القادرية وكان أهم زعيم قومي كردي في العشرينيات هو الشيخ محمد الحفيد الذي كان يقاوم الإنجليز وأعلن ثورته ضدهم في ۱۹۲۰م، ثم عين نفسه ملكًا على كردستان متحديًا النفوذ البريطاني كان رئيسًا في ذلك الوقت لعائلة الشيوخ القادريين ذات النفوذ الكبير، وكان أول تمرد كردي ذي طابع قومي قد حدث في «هكاري» عام ۱۸۸۰م، وقاده أيضًا شيخ نقشبندي هو عبيد الله النهري، وفي منتصف القرن العشرين كان قادة الحركة الكردية من الشيوخ. 

ومع أن الثورات الكردية المتعاقبة رفعت شعار الديمقراطية سعيًا إلى كسب تعاطف دولي بعد أن تخلى عنهم العالم الإسلامي وفقًا لما يردده بعض الكتاب الأكراد، فإن الثورات الكردية كانت في واقع الأمر ثورات إسلامية، فجمهورية «مهاباد»، التي تأسست في کردستان الشرقية الواقعة في إيران كان قائدها قاضي محمد وهو عالم ورع وتقي أما الملا مصطفى البرزاني فكان يردد عبارته الشهيرة «أفضل أن أكون جنديًا في دولة إسلامية، على أن أكون رئيسًا في دولة علمانية»، والبرزاني هو الذي قاد اعتبارًا من ١٩٦١ م ثلاث ثورات حتى عام ١٩٧٥ م حيث انطفأت بعد اتفاقية الجزائر التي وقعها صدام حسين مع شاه إيران محمد رضا بهلوي والتي تخلى صدام بموجبها عن شط العرب مقابل وقف دعم إيران لأكراد العراق.

شعب دون کیان

وتصل مساحة كردستان نحو ٥٠٠ ألف كيلو متر مربع، يعيش عليها نحو ٣٠ مليون كردي موزعين بين إيران والعراق وسورية وتركيا وأرمينيا وأذربيجان، وفيما لا تعترف أي من تلك الدول ولا تسمح بإنشاء كيان كردي فإن العراق وحده قرر منح الحكم الذاتي لهم. لكنه عمليًا وقف ضد تنفيذ ذلك، بل وقام بأشد الحملات العسكرية دموية ضد الأكراد، فقبل إلقاء الطائرات مواد كيماوية على مدينة حلبجة في ١٦ مارس عام ١٩٨٨م، الأمر الذي نتج عنه سقوط أكثر من خمسة آلاف قتيل وجرح عشرات الألوف وتهديد الأجيال الجديدة، فإنه قام أيضًا بحملة إبادة وتطهير بشعة، قامت قواته خلالها بنسف ٤٥٠٠ قرية تمامًا واختطاف ما يزيد على ۱۸۲ ألف كردي لا يعرف مصيرهم حتى الآن، وهذه الحملة سيئة الصيت التي أطلق عليها «الأنفال، ظلمًا، مثلت واحدة من أكثر الجرائم بشاعة في التاريخ المعاصر، وظلت إلى جانب جرائم صدام الشديدة البشاعة ومنها جريمة حلبجة وجريمة غزو الكويت دليلًا على وحشية هذا النظام الدكتاتوري ونواياه السيئة.

وفي الوقت الذي يعد فيه الشعب الكردي أكبر شعوب العالم التي لا تمتلك حق السيادة على أرضها، وحق إدارة بلادها بنفسها، فإن بلاده عامرة بالثروات الطبيعية، وإلى جانب النفط الذي تمتلك منه كردستان كميات كبيرة وبخاصة في كركوك «شمال العراق»، وسعرت «في تركيا»، وشاه آباد «في إيران»، والرميلات «في سورية»، فإن هذه المنطقة معروفة بجبالها الشامخة والشهيرة جبال زاغروس وآرارات وسهولها الخصبة التي تشقها الأنهار، فهناك ثلاثة أنهار كبيرة تنبع من كردستان هي الفرات ودجلة وأراس الذي يصب في بحر قزوين، إلى جانب أنهار فرعية كثيرة من أهمها نهر قره صو ونهر مراد، وهما الرافدان الرئيسان للفرات والرافد الثالث المهم هو نهر الخابور الذي ينبع من مدينة رأس العين في جنوب کردستان. ومن روافد دجلة الزاب الكبير والزاب الصغير.

إلى جانب ذلك فإن كردستان لديها ثروة زراعية هي الأهم، نظرًا لاعتماد السكان عليها. وجبال تلك المنطقة مكسوة بالأشجار التي تجود بمختلف أنواع الثمار، فيما تقدم سهولها التي تشقها الأنهار وترويها مياه الأمطار أيضًا أجود محاصيل الحبوب والقطن والخضراوات وبالإضافة إلى الزراعة فإن الثروة الحيوانية تمثل موردًا مهمًا للغاية، وتنتشر تربية الماشية في كل مكان هناك.

ويتحدث الشعب الكردي بلغته «الكردية»، التي تنتمي إلى فصيلة اللغات الهندو أوروبية وأقرب اللغات في المنطقة هي اللغة الفارسية والبشتو والأوردية.

التعليم الجامعي

وتنتشر المساجد في كردستان، وتعمر بالمصلين في كل أوقات الصلاة، فيما ازداد في الفترة الأخيرة عدد المدارس الدينية وخاصة المعاهد الدينية.

وفي التعليم الجامعي، يوجد قسم العلوم الشريعة من بين أقسام كلية الآداب في جامعة صلاح الدين الموجودة في أربيل، كما يوجد قسم العلوم الشريعة في كلية العلوم الإنسانية بجامعة السليمانية، أما في جامعة دهوك التي أنشئت قبل سنوات قليلة والتي جاءت لتشغل الأماكن نفسها التي كانت قوات النظام العراقي تستخدمها كمقار لقوات الاستخبارات والأمن وأماكن التعذيب، فإنه رؤي إنشاء كلية تابعة للجامعة حملت اسم كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، واقتسمت المبنى نفسه مع المعهد الثانوي الديني.

ويقول عميد الكلية د. حميد عادل يزدين الباقي، إن هذه الكلية مثلت حلمًا تحقق للمنطقة الكردية التي كانت محرومة من الدراسة الجامعية في الشريعة، وقد كان الطلاب الأكراد في السابق، يتجهون إلى جامعتي الموصل وبغداد لدراسة علوم الشريعة. 

ويضيف د. الباقي: إنه لأجل ذلك فإن تأسيس الكلية جاء عقب عودة الشعب الكردي من الهجرة المليونية التي أعقبت قيام قوات صدام بقمع انتفاضة هذا الشعب عام ١٩٩١م عقب هزيمته المدوية في حرب تحرير الكويت وتم تأسيس الكلية قبل تأسيس البرلمان وتشكيل أول حكومة، وحتى قبل إنشاء جامعة دهوك ذاتها.

ويقول د. الباقي إن الكلية تتألف حاليًا من قسمين الأول لعلوم الشريعة، والثاني للدراسات الإسلامية، كما أن لديها فرعًا للبنات تسعى الكلية إلى تحويله إلى أحد أقسامها خلال العام الحالي، مشيرًا إلى وجود وحدة للدراسات العليا، وقد قامت الكلية بتخريج أربع دفعات حتى الآن.

وتقوم الكلية بتنفيذ مشروع لإفطار الصائم سنويًا في شهر رمضان، يتم من خلاله توزيع نحو ١٥٠٠ وجبة إفطار على ٤٠ قسمًا داخل الجامعة لإفطار الطلبة إلى جانب المساجد والأحياء الفقيرة.

تلك محاولة لرصد الحالة الإسلامية في کردستان، التي تضم إلى جانب الغالبية العظمى من سكانها المسلمين بعض اتباع طرق وملل بعيدة عن الإسلام كالأبزدية والكاكانية والشبك إضافة إلى اتباع الديانة النصرانية من السريان والكلدان والآشوريين.

وإذا كانت الأحزاب الإسلامية تسعى لإثبات وجودها والحفاظ على كلمة الله في ذلك الإقليم الذي أنهكته الصراعات سواء الخارجي والإقليمي منها، أو المناوشات التي تحدث من حين وآخر بين الأحزاب المتنافسة، فإن الملاحظ بشدة لأي مراقب للأوضاع، أن الجماعات الإسلامية تتنامى بسرعة وتكتسب مع مطلع كل يوم أنصارًا جددًا، مما يعني أن المشروع الإسلامي إن عاجلًا أو أجلًا، سيكون له الغلبة .. وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

الرابط المختصر :