; إرتريا بين آمال الاستقلال ومخاوف الكونفدرالية | مجلة المجتمع

العنوان إرتريا بين آمال الاستقلال ومخاوف الكونفدرالية

الكاتب د. بلال محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993

مشاهدات 78

نشر في العدد 1049

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-مايو-1993

في تظاهرة فريدة من نوعها أقبلت جموع الإريتريين الفقيرة في المهجر والموطن خلال الأيام الثلاثة التي خصصت للاستفتاء إلى صناديق الإدلاء، وأجمعت كل الأصوات، ما عدا قلة ناشزة، على الاستقلال التام ورفض أي ارتباط بإثيوبيا، ومن ثم لفظت بطاقة «لا» إلى صندوق النفايات المخصص لها. وقال مراقبو هيئة الأمم المتحدة: إن الاستفتاء تم بشكل قانوني خالٍ من أي ضغوط مؤثرة.

هذا وقد أجرت الجبهة الشعبية الاستفتاء بالرغم من أصوات الإنكار والإباء التي أرسلت من المنظمات الإريترية المقاتلة، وعلى رأسها حركة الجهاد الإسلامي الإريتري، التي رأت فيه سلوكًا سياسيًّا خطيرًا ومؤامرة جديدة تستهدف وجود الكيان الإريتري المستقل.

والآن، قبل فرز الأصوات وإعلان ما أسفر عنه الاستفتاء، تناقلت وكالات الأنباء والصحف السيارة تصريح الأمين العام للجبهة الشعبية ورئيس الحكومة الإريترية المؤقتة إسياس أفورقي، والذي قال فيه: «إن حكومته تسعى مع الحكومة الانتقالية في أديس أبابا إلى اندماج تتوحد فيه السياسة الاقتصادية والتجارية والنظام المالي بين البلدين». وأكد أن الكونفدرالية مع إثيوبيا إحدى الصيغ المطروحة للاندماج مع هذا البلد. وقال: «لماذا نستبعد الكونفدرالية إذا كانت لمصلحة البلدين ونُفذت استنادًا إلى رغبة شعبيهما من خلال المؤسسات الديمقراطية؟».

الحياة 25/4/1992م

ماذا يعني هذا التصريح؟

وقد كدَّر هذا التصريح صفو المناخ السياسي الحر الذي جاهد الشعب الإريتري لتحقيقه طيلة ثلاثين عامًا، ونسف كل الأحلام، ووضع الكيان الإريتري للمرة الثانية في المأزق الذي وقع فيه عام 52م. وخوفًا من هذا الفخ كثيرًا ما كان يتساءل الإريتريون: إذا كانت «نعم» تعني الاستقلال، فماذا تعني «لا» يا ترى؟ وكانت الردود تأتيهم حتى من مفوضية الاستفتاء الإريترية ورئيس حكومتها غامضة وباهتة فيما تعنيه «لا»، بيد أن تصريح إسياس هذا وضع النقاط على الحروف، حيث ضيَّق مفعول «لا»، فأنقذ منها «الكونفدرالية» وصيغًا أخرى لا يعلمها إلا هو وحليفه ملس زيناوي والإدارة الأمريكية والإسرائيلية.

أما المستفتى الإريتري فإن «لا» لا تعني عنده إلا رفض أي شكل من أشكال الارتباط الكونفدرالي أو الفدرالي أو الذاتي أو الاندماج القسري مع إثيوبيا، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

إن هذا التصريح لا يعني سوى تكرار ما حدث في الخمسينيات: استفتاء، فارتباط فيدرالي بإثيوبيا، ثم إعلان للدمج وإلغاء الكيان الإريتري، ولكن هذه المرة تحت سيادة الناطقين بالتجرينية بقيادة ملس زيناوي في أديس أبابا وإسياس أفورقي في أسمرا، ليشكل الطرفان معًا معالم دولة «تجراي ترنيا» تسيطر على منافذ البحر الأحمر، وتحتمي بالصليبية والصهيونية، وتؤدي الدور المرسوم لها سلفًا. وإن كل ما جرى من ضجيج الاستفتاء لا معنى له سوى إلهاء الشعب الإريتري وتخديره بالرقص والغناء، فإن المخطط السري يشق طريقه ويظهر ملامحه في صمت وتؤدة.

وليس غريبًا أن تتوحد السياسات الاقتصادية المالية بين إريتريا وإثيوبيا في ظل سياسة ملس زيناوي وإسياس الكونفدرالية، فإن سلفهما هيلي سلاسي بدأ التهامه لإرتريا بالسير على هذا الطريق ذاته.

والملاحظ في تصريح إسياس هذا استعماله عبارة الدمج التي جاهد الشعب الإريتري لطمسها من قاموسه السياسي، وكان بإمكانه استخدام عبارة التكامل أو غيرها من العبارات الأخف وطأة، ولكن أبت عبارة الدمج إلا أن تقرع آذان هذا الشعب وتلاحقه للمرة الثانية، منطلقة هذه المرة من بين فكي إسياس أفورقي.

ويعيب إسياس استبعاد الكونفدرالية التي يرى فيها هو وقرينه مصلحة البلاد والعباد، ويستفهم استفهامًا إنكاريًّا بقوله: «لماذا نستبعد الكونفدرالية إذا كانت لمصلحة البلدين، ونُفذت استنادًا إلى رغبة شعبيهما من خلال المؤسسات الديمقراطية؟». ويرى إسياس هذا السلوك نضوجًا سياسيًّا، كما وصف لنا علاقته من قبل مع الصهيونية بالوصف ذاته.

وبالمقابل، كل من لم يرضخ لسياساته فإنه يعاني من قصور سياسي وانسياق عاطفي وتسطيح فكري. إذن إذا كان قبول الكونفدرالية سمة النضوج السياسي، فلماذا هذا التصويت للاستقلال التام؟ وماذا يعني هذا السؤال الذي علا بطاقة الاستفتاء: هل تريد أن تكون إريتريا دولة ذات سيادة مستقلة؟ فما نوع هذه السيادة؟ ولماذا كان تضليل الجماهير الإريترية حين تسأل عن مبررات إرجاء الاستقلال ودواعي إجراء الاستفتاء بانتزاع الشرعية الدولية بأسلوب يؤمن به المجتمع الدولي؟ وإذا كان الجميع أدلى بـ«نعم» للاستقلال والسيادة الإريترية فأين المؤسسات الديمقراطية؟ وأين الرغبة الشعبية التي أمل منها إسياس تنفيذ الكونفدرالية وإقرارها؟ أم أنها عين السياسة الإمبراطورية التي زُوِّرت بها رغبة الشعب الإريتري؟

إن إسياس، بتوجهه هذا، يقتفي لا محالة أثر سياسة الإمبراطور الإثيوبي، ويخون بتوجيه أمريكي وصهيوني، ولمجرد تحقيق أطماعه الطائفية والقومية، قضية شعب مسلم ناضل وجاهد ثلاثين عامًا. وقد استغل العامين الماضيين لتعميق جذور هذه الخيانة في محاولة منه لإخراجها في زي وطني مقبول يخفي حقيقة توجهه الصليبي؛ حيث قال: «كنا في العامين الماضيين نضع اللبنات الأساسية لمثل هذا النوع من العلاقات، وحاليًا ثمة نيات جيدة لدى الجانبين، ونحتاج إلى إيجاد صيغة لدمج اقتصاد البلدين، ويمكن أن يتطور ذلك إلى مزيد من الاندماج في مجالات أخرى، ونعتقد بأن ذلك سيكون له تأثير في المنطقة كلها».

وهذا يؤكد لنا أن تأخير الاستقلال لم يكن لإضفاء الشرعية على الكيان الإريتري المحرر فعلًا كما كان يردد، وإنما لرسم سياسات أخرى أكد إسياس جانبًا منها في تصريحه هذا.

ولا شك أن تمتين العلاقات مع الكيان الصهيوني من أوليات وضروريات هذه اللبنات الأساسية التي وضعها إسياس وحليفه ملس زيناوي خلال العامين الماضيين، وطبقًا لهذا التصريح فإن نطاق الاندماج سيظل يتوسع ليشمل مجالات أخرى كالمجال العسكري والثقافي والأمني، إلى أن تفنى إريتريا في ذات إثيوبيا وتقوم دولة «تجراي تجرنيا»، ويكون من النضوج السياسي وقتئذ التسليم بها.

ولكن لماذا هذا التوقيت بالذات دون غيره؟

من وجهة نظرنا لم تكن السنتان الماضيتان إلا حلقة من مسلسل الاتفاقية المبرمة في لندن بين «إسياس وملس وكوهين»، والموضوعة وفقًا لرغبة الصهيونية وحليفتها الصليبية العالمية، التي ترمي إلى حرمان المسلمين من أي هيمنة سياسية على مناطق النفوذ الاستراتيجية. فبعد زوال ملك الأمهرا واشتداد بأس التجراي في إثيوبيا وإريتريا، مع انتفاض العملاق الأورومي ذي الأغلبية المسلمة، قلبت الإدارتان الصليبية والصهيونية معًا أوراق المنطقة، وتوصلتا إلى أن الهيمنة الأورومية على إثيوبيا لا تعني إلا تمكين الجانب المسلم، وتحاشيًا لمثل هذا المآل قررنا إشعال الحرب الأهلية القبلية في الصومال، والتنسيق مع أطراف التجراي في إثيوبيا والتجرينية في إريتريا للانقضاض على عرش الحكم في أديس أبابا وأسمرا بعد إسقاط نظام منجستو، لبدء المشوار البطيء نحو الهدف الأعلى والمتمثل في بناء دولة «تجراي تجرنيا»، قد لا يحمل هذا الاسم، ولكن بالتأكيد لا يحيد عن مراميه ومضامينه؛ ذلك لأن كلًّا من إسياس أفورقي وملس زيناوي ضعيف بمفرده، قوي بحليفه.


اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :