العنوان إلكترونات وإشعاعات في أطباق أكلنا
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1989
مشاهدات 95
نشر في العدد 937
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 17-أكتوبر-1989
الربح يأتي في المرتبة الأولى من الاعتبارات بالنسبة لصناع الأغذية.
المواد الحافظة للأغذية والألوان الاصطناعية ضارة مئة بالمئة. طبيب وعالم فرنسي يقول: كل المعلبات تسبب الصداع.
الجمعية الوطنية للمستهلكين البريطانيين تنادي بإيقاف استعمال أفران «الميكروويف».
طريقة جديدة تضاف إلى طرق حفظ الأغذية: الشعشعة، أو تسليط الأشعة، ولكن من يضمن صحتها للمستهلك؟
رغم ما تستعين به الصناعات الغذائية من دعاية براقة لتظهر لنا المواد الغذائية وكأنها تأتينا من الحقول والمزارع مباشرة، فإنه لم يعد خافيًا على أحد أن معظم المواد الغذائية - حتى تلك التي تبدو لنا طبيعية - لا تصل إلى مطابخنا وصحوننا إلا بعد أن تمر على المختبرات، وتقيم مدة في مصانع الأغذية.
ومن هنا ظهرت بعض التخوفات، وبدأ البعض يمط شفتيه معبرًا عن امتعاضه وعدم تقبله بصدر رحب لتلك المواد الغذائية الاستهلاكية التي عُوملت معاملة ما في المختبرات والمصانع الغذائية، وليس ذلك بسبب تقصير المؤسسات والسلطات الصحية في مراقبة المواد الغذائية والتثبت من صحتها وسلامتها، ولكن لأن الأخطاء والتجاوزات ممكنة الحدوث رغم صرامة الرقابة وشدة الحرص على تطبيق الشروط الصحية في المصانع الغذائية، ومن ناحية أخرى بسبب ما يُعتقد من أن الآثار السلبية لمعاملة المواد الغذائية بالمحاليل والأدوية أو الإشعاعات لا تظهر بسرعة، وإنما تأخذ زمنًا طويلًا للظهور، وعندئذ لا يمكن أن تُجرم أحدًا، أو تُلقي باللائمة على أحد وتحمله أية مسؤولية. وفي البلاد الأوروبية صار هذا الموضوع هاجس المستهلكين وجمعياتهم لاتساع دائرة المواد الغذائية المصنعة، أو شبه المصنعة، أو المعاملة بالأدوية أو بالأشعة، ولظهور وسائل طبخ حديثة غمرت الأسواق وفي مقدمتها: أفران الموجات المتناهية القصر MICRO WAVES التي قلبت مفاهيم الطبخ دون أن تسلم هي الأخرى من الانتقادات والمآخذ عليها، وقد عكس ذلك عناوين بعض المقالات في مجلات غربية، مثل: «التغذية الذرية» «ماذا؟ إلكترونات مسرعة وإشعاعات جاما في صحتي؟» «أيونات في شربتي» «البكتيريا على الموجات فما الحكاية بالضبط؟ وأين مصلحة المستهلك من هذه التطورات في ميدان الصناعات الغذائية؟»
تغذية ذرية:
منذ عام 1986 أصبح من المسموح به في فرنسا معاملة بعض المواد الغذائية بمادة مشعة، وتسمى هذه العملية بالشعشعة؛ أي تسليط نوع من الأشعة على المادة الغذائية لحفظها مدة أطول من المعتاد، وبالتالي الزيادة في إمكانية نقلها وتسويقها إلى أماكن بعيدة. والحقيقة أن المنتجين يلجؤون إلى هذه الطريقة منذ أمد بعيد وقبل تقنينها عام 1989.
وإذا كان هذا التقنين أو الترخيص لا ينسحب اليوم إلا على عدد محدود من المواد الغذائية، فإن هذا العدد أخذ في الازدياد سنة بعد أخرى، والمنتجون ينتزعون من السلطات كل فترة وأخرى تراخيص جديدة، وهكذا تبقى القائمة مفتوحة لإضافات جديدة. وعلى سبيل المثال يسمح اليوم في فرنسا بشعشعة الفلفل الأسود، والتوابل، والثوم، والبصل، وعدد من الخضار، والفواكه الطازجة وغير الطازجة، واللحوم البيضاء، والروبيان، وأفخاذ الضفادع.
وآخر ما سُمح بشعشعته الفراولة، ويقول المختصون في الميدان إن الفراولة المشعشعة يمكن إطالة مدة حفظها اثني عشر يومًا مع المحافظة على طعمها ومعظم فيتاميناتها. ولكن أباطرة الصناعات الغذائية لا يحبذون عبارة الشعشعة (IRRADIATION) (تسليط الأشعة على مادة ما)؛ لأنها تخيف المستهلك، فعملوا جهدهم إلى إبدالها بكلمة التأين (IONISATION) ولكن حتى هذه العبارة التي تحتوي على كلمة أيون (ION) سرعان ما تذكر المستهلك بعالم الذريات المنظور إليه بريبة. ومن هنا طلعوا علينا بمصطلح آخر لا ينطبق تمامًا على العملية المقصودة، وهو الحفظ الصحي (HYGIENISATION). تتمثل شعشعة مادة غذائية أو تأيينها أو حفظها الصحي، كما يحلو لأباطرة الصناعة الغذائية تسميتها، في ضربها بوابل من الإلكترونات وسط مُسرّع، أو بتسليط أشعة جاما عليها، وفي كلتا الحالتين لا تمس المعاملة سوى الإلكترونات السطحية للذرات، وهذه المعاملة تقتل الطفيليات، وتقضي على البكتيريا والفيروسات والخميرات، ولكنها تذهب ببعض الفيتامينات، وتقتل في المادة خاصية تكاثرها فحبة البطاطس أو البصل المعاملة بالأشعة (أشعة جاما) لا تنبت، والحيوان الذي تسلط عليه هذه الأشعة يفقد خاصية الإخصاب ويصبح عقيمًا. يقول المؤيدون للتغذية الذرية: إن الشعشعة هي وسيلة أخرى تضاف إلى وسائل حفظ الغذاء المعروفة: التبريد، والتثليج، والتعليب، وأنها توفر إمكانية أخرى للحد من تبديد المواد الغذائية، لا سيما في دول العالم الثالث التي تشكو ندرة المواد الغذائية. ورغم تحفظ بعض الجهات على هذه التغذية، فإن المنشآت التي تُعامل الأغذية بالأشعة في ازدياد، وتُعد الآن (135) منشأة في (42) بلدًا، وإن كانت معظم هذه المنشآت مخصصة أصلًا لشعشعة الأدوية والأدوات الطبية والفضائية، وقد وصلت كميات الأغذية المعاملة بالأشعة إلى (35) ألف طن في العالم، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الكمية في السنوات القليلة القادمة، وعندئذ ستغزو بحق الإلكترونات والإشعاعات أطباق أكلنا إن لم تكن قد غزتها بعد. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما هو موقفنا من هذا الغزو كعموم المستهلكين الذين ليس لهم ثقافة غذائية واسعة؟ إنه لا يمكننا أن نتخذ موقفًا دون أن نعرف وأن نعرف الحقيقة بكل جوانبها. وفي انتظار تجلي هذه الحقيقة، فإنه من أبسط حقوقنا أن نعرف نوعية الغذاء المتقدم لنا، أو المطروح في أسواقنا: هل هو طبيعي، أم معالج بالإشعاع؟ فلا أحد يجبرنا على أن نأكل أطعمة مُشعشعة أو متأينة، ومن البديهي أن كل المستهلكين يطالبون بكتابة المواصفات الحقيقية لأية مادة غذائية على غلافها حتى يترك الخيار التام للمستهلك، ولكن متى منعت كتابة المواصفات صناع الأغذية وتجارها من الغش والتحايل؟
المعلبات ضارة؟
تعليب المواد الغذائية وتصنيعها ليس بالأمر الجديد، لكنه أخذ أبعادًا كبيرة، وانتشر انتشارًا مذهلًا بسبب التطورات الاجتماعية، وأخذ الحياة نسقًا سريعًا، والثورة النسائية المتمثلة في خروج المرأة للعمل فربات البيوت لم يعد لهن الوقت للطبخ في البيت، وصار يزعجهن اقتناء المواد الطازجة يوميًا من الأسواق، وبذلك وجد أباطرة الصناعة الغذائية فرصتهم الذهبية لإغراق الأسواق بالمعلبات والأطعمة الجاهزة، أو شبه الجاهزة، تساعدهم في ذلك دعاية تضرب على أوتار المعدة، وتعرف كيف تُسيل لعاب المستهلكين لمأكولات ليست صحية، وكثيرًا ما تكون ضارة. والصراع لم ينته بين الأطباء والعلماء المحذرين من المأكولات المصنعة أو المعلبة، والتي أضيفت إليها مواد حافظة ونكهات وألوان اصطناعية، وصناع هذه المواد، لكن وتيرة الحياة العصرية وظروفها ترمي بثقلها إلى جانب أولئك الصناع رغم كل التحذيرات.
إن أباطرة الصناعات الغذائية الذين يأتي الربح عندهم في المرتبة الأولى قبل أي اعتبار آخر طالما دافعوا عن صناعاتهم، وحاولوا إقناعنا بأنها لفائدة العائلة والبشرية عمومًا، إنهم يقولون لولا طرق حفظ الأطعمة المعمول بها لكانت المجاعات، وأن هذه الطرق ضرورة من ضرورات الحياة اليوم؛ إذ هي تحمي المنتجات الزراعية من الفساد، تلك المنتجات التي لا بد من تعبئتها ونقلها وتخزينها وتداولها قبل أن تصل إلى المستهلك وتدخل مطبخه. وإذا كانت هذه إيجابيات التصنيع الغذائي، وحفظه بالتعليب أو التثليج، فإن سلبياته المتمثلة في أضراره الصحية أصبحت مؤكدة، ولا سبيل إلى إنكارها، وقد ثبت - بما لا يدع أي مجال للشك - أن الألوان ضارة بنسبة (100%) وأنها والمواد الحافظة تسبب السرطان. وقد جاء في تقرير طبي لأكبر جامعات باريس بناءً على بحث أجراه العالم الفرنسي الدكتور براد ألبيه ما يلي: «إن كل المعلبات تسبب الصداع الذي هو أحد أسباب أمراض الحساسية، فقد ثبت أن الصداع يأتي بسبب بعض المواد الحافظة التي تدخل في الطعام المحفوظ والمعلب، وأن هنالك نسبة من المواد الغذائية المحفوظة والمعلبة تتخمر بها بعض المواد، وهذا يؤدي إلى رفع نسبة مادة السيراتوكين في الدم؛ مما يؤدي إلى تمدد الأوعية الدموية وبالتالي إلى الصداع».
وفي بحث طبي آخر يقول الدكتور الفرنسي براد ألبيه أن المواد المحفوظة من أكثر الأطعمة التي تؤدي إلى متاعب القولون والجهاز الهضمي؛ لأنها ترفع نسبة التخمر الذي يرفع نسبة الغازات، وبالتالي يؤدي إلى انتفاخ ومتاعب في القولون. وقد ثبت أن بعض المواد الحافظة مثل حامض البنزويك تُكسب المواد الغذائية عند إضافتها إليها طعمًا لذيذًا، ولكنها تُخبئ وراء الطعم اللذيذ ضررًا بالغًا فيما لو زادت نسبتها عن (250) جزءًا من المليون، ومع ذلك لا يتورع بعض صناع الأغذية عن رفع النسبة حتى (702) جزءًا من المليون.
إذا كان أباطرة الصناعات الغذائية قد نجحوا في معركة الدعاية لأغذيتهم المحفوظة ولاستهلاكها وإظهار مزاياها، مع طمس سلبياتها؛ فلا شك أنهم اليوم سعداء بظهور الطريقة الجديدة للحفظ والتعقيم، وهي طريقة تسليط الأشعة الذرية على المواد الغذائية، ولا شك أنهم بدأوا يعملون جهدهم لإبراز محاسنها ومزاياها، ولكن من الذي يضمن للمستهلك خلو هذه الطريقة من المخاطر وصحتها، لا سيما إذا علمنا مدى اتساع مجال التلاعب والتحايل بعد الحصول على التراخيص القانونية التي قد تحصل هي بدورها عن طريق ضغوطات رأس المال وحتى الرشاوي.
«الميكروويف»:
معاملة الأغذية بالأشعة والإلكترونات لم تقتصر على ما قبل الطبخ، بل دخلت مجال الطبخ ذاته من خلال أفران الذبذبات المتناهية القصر MICROWAVE التي ظهرت منذ سنوات قصيرة، ولكنها شهدت رواجًا كبيرًا لدى ربات البيوت، وهذه الأفران - كما تدل عليه تسميتها - لا تطبخ الأطعمة بواسطة النار أو الاحتراق، بل تطبخها بواسطة ذبذبات قصيرة مسلطة عليها، وهذه الذبذبات تؤثر في المواد الغذائية دون سواها. لقد ظلت هذه الأفران تُباع حتى هذه الصائفة دون ضجيج حولها، ولكنها أصبحت موضوع ضجة كبيرة في بريطانيا في الشهر الماضي، وتجاوزت هذه الضجة حدود بريطانيا، أما السبب فهو ظهور تقرير عن أفران الميكروويف جاء فيه أن هذه الأفران يمكن أن تكون مصدر تسممات غذائية، ويستنتج التقرير المذكور بعد فحص (120) فرنًا من هذه الأفران أن الطبخ بواسطة الذبذبات المتناهية القصر لا يقضي قضاءً تامًا على بعض البكتيريا، مثل: الليستريا، والسالمونيلا الضارتين واللتين سببتا العديد من الوفيات في بريطانيا مؤخرًا؛ ذلك أن هذه البكتيريا الضارة تقاوم حتى درجة حرارة (70) مئوية، ويوضح التقرير البريطاني أن صناع الأطباق المطبوخة لا يضعون في الاعتبار نقاط قوة أفران الميكروويف، ولا يذكرون سوى المدة الزمنية للطبخ دون تحديد درجة الحرارة التي يجب أن تبلغها المواد المطبوخة، وتأخذ وزارة الزراعة البريطانية على عاتقها هذه القضية، وتأمر بإجراء تحقيق حول أفران الميكروويف الوطنية للمستهلكين ومخاطر استعمال تلك الأفران، بل تنصح حتى بعدم تسخين الأطباق الجاهزة أو تطرية المثلجات داخلها، وتنشب الحرب بين جمعيات المستهلكين ورابطة صانعي أفران الميكروويف؛ فترد مولينكس MOULINEX كبرى الشركات الأوروبية المتزعمة لهذه الصناعة قائلة: «مهما كان الأمر لم تكن أبدًا مهمة الميكروويف القضاء على أي أثر للسالمونيلا في مادة غذائية ما، ثم تنصح باتباع طرق الاستعمال بكل دقة.
إن حجم هذه القضية يُقدر بحجم المبيعات والأرباح بالنسبة للشركات الصانعة لأفران الميكروويف، ولا شك أن هذه الشركات ستحارب بكل قوة لكسب معركة الميكروويف، ويبقى المستهلك يردد في حيرة من أمره، أهي خطيرة، أم لا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل