; «أبيي» الخطر الأكبر على إستقرار السودان | مجلة المجتمع

العنوان «أبيي» الخطر الأكبر على إستقرار السودان

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008

مشاهدات 58

نشر في العدد 1805

نشر في الصفحة 22

السبت 07-يونيو-2008

السودان 

الخرطوم: 

جرت أحداث خطيرة مؤخراً في منطقة أبيي جنوب ولاية كردفان، حيث اشتبكت القوات المسلحة السودانية لأول مرة مع مليشيات الجيش الشعبي التابعة للحركة الشعبية وتبادل طرفا الحكم في حكومة الوحدة الوطنية الاتهامات ، كل يدعي أن الآخر خرق اتفاقية السلام.

قضية «أبيي» الواقعة في ولاية كردفان تشكل الخطر الأكبر والدائم على السودان بل هي إن لم تحل بصورة جذرية ترضي كل الأطراف، تهدد بانهيار اتفاقية «نيفاشا» برمتها، وتبدد أحلام السلام وتقود إلى عودة الحرب الشاملة مرة أخرى بين الجنوب والشمال، ربما بأشرس مما كانت عليه قبلًا.

صراعات مألوفة

منطقة أبيي تسكنها قبائل المسيرية العربية منذ قرون، وجاءت إليهم قبيلة دينكا نقوك من ولاية بحر الغزال بجنوب السودان في أواخر القرن قبل الماضي، وتعايشا معاً دون صراعات دموية كتلك التي تشهدها المنطقة الآن لم تكن هناك مهددات أمنية فالصراعات التي كانت تدور بين القاطنين في المنطقة صراعات مألوفة وطبيعية تحدث دائماً بين الرعاة والمزارعين، وتلك مشكلات تحل بواسطة زعماء وحكماء القبائل بالتراضي.

الجديد في الأمر أن اتفاقية السلام الموقعة بين الحزب الحاكم في السودان المؤتمر الوطني، ومتمردي الجنوب في مدينة «نيفاشا» بكينيا، أدخلت المنطقة في خلافات لا يد للقبيلتين فيها، وأول خطأ ارتكب هو ضم غرب كردفان إلى ولاية جنوب كردفان بعد إلغاء الولاية، مما عقد الأوضاع حيث تحول الصراع القبلي المقدور عليه إلى قضية حدود بين دولتين، إن تم فصل الجنوب عن الشمال، أو بين ولايتين إحداها جنوبية والأخرى شمالية، والحل في مثل هذه القضايا الحدودية حل سياسي دون الزج بالقبائل في أتون حرب مدمرة.

دسائس أمريكية

«أبيي» بوضعها الحالي تقع شمال حدود ١٩٥٦م، وهي الحدود التي نال السودان استقلاله على أساسها واعترفت كل دول العالم بتلك الحدود، ولكن أثناء المفاوضات طالب قائد التمرد الراحل «جون قرنق» بوضع خاص للمنطقة نظراً لوجود قبيلة جنوبية هي «دينكا نقوك» فيها، فاستجاب المفاوض الشمالي فتضمنت الاتفاقية بروتوكولًا خاصًا بـ«أبيي» جاء فيه أن المنطقة المتنازع حولها منطقة أبيي هي منطقة عموديات دينكا نقوك التسع التي تم ضمها إلى جنوب كردفان عام ١٩٠٥م أي في بداية حكم الاستعمار الإنجليزي.

بعد التوقيع على هذا النص الواضح بين طرفي التفاوض وهو إطار قانوني صحيح إلا أن الانحراف الخطير جاء من عمل الخبراء برئاسة أمريكي لا يكن للسودان الشمالي أي ود، حيث ساقوا مفوضية الحدود بكامل عضويتها ١٥ عضواً ، ثمانية من الشمال وسبعة من الجنوب، وراء الحقائق التاريخية لما بعد ١٩٠٥م، وما كان ذلك مطلوباً بنص الاتفاقية، ولكن الخبراء قصدهم من ذلك كان سيئًا عندما أشاروا في نص لائحة عمل المفوضية في الفقرة «٨» إلى «أن تفويض المفوضية ينحصر في تحديد وترسيم حدود عموديات دينكا نقوك التسع إلا أنهم ذهبوا إلى القول إنه لا مانع للاستماع لآراء الجمهور فيما عدا ذلك».

تبين فيما بعد للمؤتمر الوطني وأهل الشمال أن لجنة الخبراء لم تكن صادقة في نواياها وتحايلت على ممثلي الطرف الحكومي الذين كان عليهم الرفض البات في الخوض في متاهات تاريخ المنطقة، والبحث في أضابير التغيير الديمغرافي، فهذا التاريخ الطويل من ١٩٠٥م إلى ٢٠٠٥م. يمثل قرنًا كاملًا يصعب على المعنيين بالأمر البحث في منطقة نائية يلفها الجهل.

حسن نية الحكومة خطأ فادح

المفوضية الخاصة بـ «أبيي» كان عليها الالتزام التام بالتفويض المنصوص عليه في البروتوكول وهو تحديد الأرض التي تم تعديلها من ۱۹۰۱ إلى ١٩٠٥م والوثائق والكتابات والتقارير موجودة حول الإجراءات التي تمت في تلك الفترة وهي الفترة التي ضمت ولاية «بحر الغزال» إلى السودان.

الخطأ الفادح الذي وقع فيه الطرف الحكومي هو أنه تعامل بحسن نية مع الأمر، وحول الخبراء الأجانب لاتخاذ القرار نيابة عنه، وبالرغم من أن الخبراء في مقدمة قرارهم قد أثبتوا كتابة أنهم لم يعثروا على الحدود الخاصة بالتغيير الذي تم عام ١٩٠٥م إلا أنهم وبدلًا من التخلي عن مهمتهم بعد فشلهم فيما كلفوا به أو الرجوع إلى من فوضهم من الحكومة والحركة الشعبية، إلا أنهم كتبوا تقريرهم المجحف في حق الشمال وقبيلة «المسيرية» واعتبروه نهائيًا وملزمًا مما يدل على أن هؤلاء لم يكونوا محايدين بدليل أنهم قصدوا قصداً أن يجعلوا جميع مناطق البترول في المنطقة تابعة للجنوب، مما أدى إلى رفض القرار من الجانب الحكومي وقبائل «المسيرية» العربية، لأن القضية أصبحت واضحة، فهي في المقام الأول قضية مصالح فالحركة الشعبية وحلفاؤها الغربيون يرون أن ضم هذه المنطقة إلى حدود الجنوب يعني مزيدًا من البترول لهم.

والمؤتمر الوطني الشريك الأكبر في الحكم يدرك أن ضم أي شبر من هذه المنطقة إلى حدود الجنوب يعني خفضاً في البترول للشمال، وتفريطًا في حدود عام ١٩٥٦م بين الجنوب والشمال.

إذن الخلاف واضح، وقد تبين أن الولايات المتحدة والدول الغربية من وراء لجنة الخبراء أرادت تأزيم الموقف، لا سيما وأن بروتوكول «أبيي» هو مقترح القس السيناتور دان فورث، الذي كان مبعوثًا أمريكيًا للسودان قبل أعوام، وهندس اتفاقية جبال النوبة لصالح الحركة الشعبية، رغم أن جبال النوبة تقع شمال حدود ١٩٥٦م في ولاية كردفان معروف أن أمريكا والغرب هم أصحاب نظرية الفوضى البناءة فهم يعملون في الخفاء على إيجاد الأزمات في العالم الإسلامي بالذات ويتدخلون، لا لحلها بالعدل وإنما لإدارتها لأطول فترة ممكنة لكي يستفيدوا من الصراعات ويجنوا ثمارها.

أجندة أمريكية

لأمريكا كما هو معروف أجندة خاصة في السودان سواء في الجنوب أو في الغرب، وهي تستخدم منظمة مجموعة الأزمات الدولية لتحقيق هذه الأجندة هذه المنظمة درجت في تقديم الدراسات والتقارير حول السودان للحكومات الغربية مما يجعلها ذراعاً أساسياً لتلك الحكومات خاصة أمريكا التي تتلقى المشورة والنصح من هذه المجموعة.

في إحدى تقارير هذه المجموعة نبوءة بمناطق نزاع جديدة في كردفان الشمالية وتنبأت بفشل اتفاقية الشرق، وفي تقرير آخر انحازت انحيازًا كليًا للحركة الشعبية، وطالبت الحركة بحسم موضوع «أبيي والبترول في هذه المنطقة بصورة أكثر حدة وكان هذا التقرير المشبوه يطالب الحركة بعمل شيء وقد كان فانسحاب وزراء الحركة من الحكومة في أكتوبر كان استجابة لهذا المطلب وتعيين الحركة الشعبية أحد قادتها البارزين المتشددين لإدارة «أبيي» خلاقًا لنصوص الاتفاقية إدارة منفصلة كذلك استجابة لطلب التقرير، مما قاد إلى الأحداث المؤسفة المتتالية إلى أن وصل الأمر إلى حد الصدام المسلح بين جيش السودان وجيش الحركة الشعبية التي تعدت حدود عام ١٩٥٦م شمالاً. وقاتلت قبائل المسيرية العزل لترحيلهم قسراً بما يشبه التطهير العرقي خارج منطقة أبيي».

قضية أبيي: عقدها تقرير الخبراء المجحف الذي تتمسك به الحركة الشعبية ويرفضها المؤتمر الوطني والمسيرية، وما لم يعترف طرفا الشراكة بعدم موضوعية التقرير، ومن ثم تكوين لجنة أخرى من قدامي الإداريين السودانيين والبريطانيين للفصل في الأمر، والأجدى هو الاستفتاء على أمر الجنوب قبل حل مشكلة أبيي، لأنه إذا تمت الوحدة بين الشمال والجنوب، فإن المشكلة ستكون حول حدود إدارية داخل البلد الواحد أما إذا اختار الجنوبيون الانفصال فستكون حدودًا دولية تعالج بواسطة القانون الدولي الذي يعالج الإشكالات الحدودية بين الدول.

 

الهدف تفكيك النظام

لقد قبلت الحكومة في المفاوضات بحسن نية بخمسة خبراء أجانب جميعهم مؤيدون للحركة الشعبية، ويزورون جوبا باستمرار ويرأس الخبراء أمريكي معاد للسودان أصلاً فكيف وثق المفاوض الحكومي في هؤلاء منظمة مجموعة الأزمات المذكورة آنفاً لها هدف وتدعمها ۲۲ دولة غربية، و۲۱ مؤسسة وقد قدمت هذه المجموعة طلباً للولايات المتحدة بتقديم الدعم المادي والفني لجيش الحركة الشعبية لإعادة تنظيمها.

ليس هناك أمل في تغيير مواقف مجموعة الأزمات تجاه السودان: لأنها مرهونة بالتمويل المشروط وما هي إلا أداة في يد أمريكا وحلفائها الغربيين وترى هذه المجموعة أن مقاليد الحكم في السودان ظلت للوسط النيلي أي للعرب المسلمين وهدفهم من هذه الدراسات المتتالية تفكيك النظام سلمًا أو بالصراعات القبلية من أجل إعادة تشكيل السودان على النمط الذي يريدونه وهو السودان الجديد الأفريقاني بعيدًا عن العروبة والإسلام.

الرابط المختصر :