; العلم النافع | مجلة المجتمع

العنوان العلم النافع

الكاتب عبدالرحمن عبدالله آل فريان

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1986

مشاهدات 74

نشر في العدد 777

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 29-يوليو-1986

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا والشيطان آمين.

أيها القارئ الكريم: إن من دواعي الفرح والسرور للمسلم أن يتحصل على علم شرعي يضيء له الطريق حتى يسلك السبيل الموصل إلى الله ويسير عليه بعلم وبصيرة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: 57-٥٨). فالفرح بالعلم النافع والعمل الصالح ممدوح والفرح بالمال وجمعه والدنيا كلها مذموم كما قال تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (القصص:79).

والعلم النافع هو الذي أرسل الله به رسوله كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «التوبة: ۳۳». وفي الآية الثانية ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (التوبة:32). وفي الآية الثالثة ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ (الصف:٩) ذكر العلماء في تفسير الآية أن المراد بالهدى العلم النافع ودين الحق العمل الصالح، وهذا العلم على قسمين: قسم واجب تعلمه وفريضة على كل مسلم ومسلمة، ولا يعذر أحد بجهله وهو معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمدًا- صلى الله عليه وسلم، والمراد بمعرفة دينه الذي هو فرض عليه كصلاته وزكاته وصيامه وحجه وعمرته وبره بوالديه ونحو ذلك. وأما القسم الثاني فهو فرض على الكفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، كالعلم ببقية أحكام الشريعة التي ليست فرضًا على كل أحد. كالعلم بالحدود والمواريث والمعاملات ونحو ذلك. هذا العلم أفضل من أنواع العبادات كالصلاة النافلة والصيام والحج والعمرة وأنواع التطوع وأشباه ذلك.

وهذان القسمان من العلوم هما العلم النافع الذي ورد الثناء عليه في الكتاب والسنة، ومدح أهله وتزكيتهم في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ولا يوازن بينه وبين العلوم الأخرى ولا يقارن بينهما وقد حصلت التزكية من الله لأهله من فوق سبع سمواته حيث استشهدهم على أعظم شهادة في الوجود، على أفضل مشهود به وهو توحيد الله- عز وجل- وشهادة الحق التي لأجلها خلق الله الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (الذاريات:56-58).

وفي الشهادة المذكورة بدأ بنفسه- سبحانه- وثني بملائكته المقربين عنده وثلث بأهل العلم الشرعي من جنه وإنسه، فقال- جل وعلا : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آل عمران:18) وكرر كلمة التوحيد للتعظيم والتأكيد. وفضل أهل العلم على غيرهم من الناس فذكر أنهم أهل خشية الله وعبادته حيث إن من كان بالله أعرف كان منه أخوف فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ (فاطر:28).

ويظهر من ذلك أن من كان بالله أجهل كان بالعمل بطاعته وخشيته أكسل، وقد أبعد المقارنة والموازنة بينهم وبين غيرهم فقال لنبيه الكريم محمد- صلوات الله وسلامه عليه، في محكم التنزيل ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر:9) يعني أهل التذكر هم أهل العقول وحث- سبحانه وتعالى- على طلب الاستزادة من هذا العلم والتوسع فيه، فقال لنبيه الكريم ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طه:114). وقد شهد الرسول الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- لحملة العلم الموروث عن نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- بالاعتدال والجهاد فقال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله فينفون عنه انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين». وقال: «إن العلماء ورثة الأنبياء. وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم النافع، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» وروى عنه أنه قال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع». وروى عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الحوت في جوف الماء، والطير في جو السماء لتستغفر لطالب العلم ومعلم الناس الخير». وبين خطر فقدان العلم والعلماء على المجتمع الإنساني فقال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ولا شك أن حفاظ العلم هم أتباع الرسول على الحقيقة وورثته الوراثة الشرعية وهم القائمون بالدعوة إلى سبيل الله»، كما قال لنبيه الكريم ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف:108). وقد زخرت كتب التفسير والحديث والسير بمدح أهل العلم والثناء عليهم وتعطرت المجالس بذكرهم وتنعمت النفوس بمصاحبتهم، كما قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسلك إما أن يحذيك أو يبيعك أو تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحًا خبيثة».

ومن فضل العلم الشرعي أن الله يرفع أهله على غيرهم حيث يقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (المجادلة:11). وقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (يوسف:76). ومن بركة العلم أنه كلما أنفق منه زاد لا ينقص بالإنفاق بخلاف المال فإنه ينقص بالإنفاق ومن بركته أنه يبقى نفعه لصاحبه بعد موته، ويؤنسه في قبره. قال- صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»، وقال العلامة ابن القيم- رحمه الله- في مدح العلماء في قصيدته الميمية التي منها قوله:

أولئك أتباع النبي وحزبه *** ولولا همو ما كان في الأرض مسلم
ولولا همو كانت تميد بأهلها *** ولكن رواسيها وأوتادها همو
ولولا همو كانت ظلامًا بأهلها *** ولكن همو فيها بدور وأنجم

وقال بعض العلماء في نصيحته لعموم المسلمين، كن عالمًا أو مستعلمًا أو مجالسًا أو محبًّا ولا تكن الخامس فتهلك.

وقال الشيخ حافظ بن حمد الحكمي في مدح أهل العلم والحديث ورواته:

أرو الحديث ولازم أهله فهم الناجون *** نصًّا صريحًا للرسول نمى

هم العدول لحمل العلم كيف؟ وهم *** أولو المكارم والأخلاق الشيم

كفاهموا شرفًا أن أصبحوا خلفًا *** لسيد الحنفا في دينه القيم

يحيون سنته من بعده فلهم *** أولی به من جميع الخلق كلهمو

يروون عنه أحاديث الشريعة لا *** يألون حفظًا لها بالصدر والقلم

ينفون عنها انتحال المبطلين وتحريف *** الغلاة وتأويل الغوى اللثم

أدوا مقالته نصحًا لأمته *** صانوا روايتها عن كل متهم

لم يلههم قط من مال ولا خول *** ولا ابتياع ولا حرث ولا نعم

إلى أخر كلامه رحمه الله في مدح أهل العلم والحديث.

وأما القسم الثالث من أقسام العلوم فهو العلم المباح من علوم الدنيا كالرياضيات، وعلوم الآلة والصناعة من مساكن ومراكب ومفارش وملابس ونحو ذلك.

وأما القسم الرابع من أقسام العلوم فهو العلم المحرم الذي لا يجوز للمسلم تعلمه ولا تعليمه مثل علم السحر والكهانة وصناعة الخمر. كما قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (البقرة:101) إلى أن قال : ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ (البقرة:١٠١) عافانا الله وإياكم من كل شر ووفقنا لكل خير كما نسأله- سبحانه- أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح؛ إنه على كل شيء قدير.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

 

الرابط المختصر :