العنوان مصر بعد النصر
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1948
نشر في الصفحة 46
السبت 16-أبريل-2011
- وسائل الإعلام قبل الثورة كانت توجه الحملات المغرضة ضد العمل الإسلامي بطريقة موسمية متقطعة.. أما الآن فلا تخلو وسيلة من هجوم ظالم على الإسلاميين.
- الإعلام يصور مصر فريسة انقض عليها الإسلاميون وأنها على أبواب فتنة ستأكل الأخضر واليابس.
- بعض أعمال وأقوال الإسلاميين ينقصها الحكمة والصبر وكانت مؤججة لوسائل الإعلام التي ضخمتها وصورتها على أنها مهلكة للبلاد والعباد.
- من المبشرات: قيام «الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح».. ومن أهم مهامها الحفاظ على مصر إسلامية بعيدة عن فساد الفاسدين ومخططات الأعداء والمتربصين.
- خلع كثير من رموز الظلم في العهد البائد وعزلهم من مناصبهم.. إضافة إلى أن القوانين التي صدرت إلى الآن تبشر بالخير.
زرت مصر لأول مرة بعد الثورة المباركة، فرأيتها تموج بالحرية موجًا، وشبهت حال أهلها كعصفور كان في قفص مدة طويلة ففتح له باب القفص لكن فتح ليلًا، فلم يصبر العصفور حتى الصباح ولم يتبين معالم طريق خروجه، فظل يدفع ويدافع، ويحاول، ويدور ويصيح وما هو بخارج حتى الصباح.
وصباح مصر إنما هو بتخطيها هذه المرحلة الحرجة القادمة التي تنتهي بالانتخابات البرلمانية والشورية وانتخابات الرئاسة، واستقرار البلاد لتبدأ مرحلة البناء الطويلة، ولتعوض ما فاتها بسبب سنين الظلم والقهر والظلام، والفساد والطغيان.
ولقد مكثت في مصر أربعة أيام، ولي في -تلك الأيام مشاهدات وملاحظات أوجزها في التالي:
حملة ضد الإسلاميين:
أولًا: الحملة الإعلامية الكبيرة على الدعاة والصالحين والمشايخ العاملين:
إن وسائل الإعلام في مصر قبل الثورة كانت توجه الحملات الإعلامية المغرضة على كل العمل الإسلامي بجميع أطيافه -لكنها كانت حملات موسمية متقطعة، وتخدم أغراض النظام البائد وتحقق أهدافه، أما وسائل الإعلام في مصر ما بعد الثورة فهي شيء آخر وأمر مختلف، إذ إنه لا تخلو جريدة من حملات إعلامية ضخمة تبدأ من الصفحة الأولى وبالعناوين العريضة، وتكتمل في صفحات عديدة في داخلها، والقنوات تنفخ في رماد الفتنة لكي تحيله نارًا حامية، وهذه الوسائل تصور مصر فريسة انقض عليها الإسلاميون، وأنها لا تملك لنفسها حولًا ولا طولًا معهم، وأن مصر على أبواب فتنة جديدة ستأكل الأخضر واليابس إلى آخر هذه التصورات التي تقذف في قلب وعقل المصريين الذين هم -في الجملة- شعب عاطفي شديد التأثر سريع الاستجابة لما يلقى إليه، وفي هذا الأمر خطورة شديدة -لأنه يؤجج العواطف، ويلهب المشاعر، ويوغر الصدور، ولا ريب أن هذه الحملات الغرض منها قطع الطريق على الإسلاميين في الانتخابات القادمة بعد أشهر قليلة، وتنفير العامة منهم، وإضعاف ثقة الناس فيهم.
وقبل الثورة كانت هذه الحملات تدفع بتخطيط أمن الدولة وجهات أخرى عديدة، وأما بعد سقوط عدد من هذه الجهات الأمنية، فقد قام على هذه الحملات أناس أكثرهم يحمل ضغائن دفينة على كل ما له علاقة بأهل الإسلام الصالحين المصلحين، فقام ينفث سمومه في وجههم، ويشوه أعمالهم، ويضخم أخطاءهم.
وهناك من يرد على هذه الحملات المسعورة، ويدفع عن نفسه أكثر تلك الاتهامات المنشورة، لكن عملهم كمن يدفع عن نفسه السيل العرم الشديد بما لا يكاد يصد شيئًا ولا يفيد، وما تغني بضعة أسطر أو مقالات أمام صفحات وصفحات، وما تغني حلقة في القنوات أمام سلسلة محكمة من الحلقات، لكن لا أجد عزاء ولا غناء أعظم من قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ (الرعد: ١٧)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: ٨١)
نعم إن للإسلاميين أخطاء، فهم بشر يصيبون ويخطئون، لكن حسبهم أن أخطاءهم قليلة ويصدق فيها القول: كفى بالمرء نبلًا أن تُعد معايبه، ولا بأس بذكرها ومحاولة علاجها لكن ليس على هذا الوجه المغرض والطريقة العمياء.
تصرفات خاطئة:
ثانيًا: التصرفات الموجودة والخاطئة لبعض الصالحين:
تنسم الشعب المصري نسائم الحرية بعد كبت طويل وظلم عظيم، وفتح الباب الذي كان مغلقًا منذ زمن «محمد علي باشا» أي أن مصر لم يستمتع أهلها بمثل هذه الحرية منذ أكثر من مائتي عام، فقد جثم على صدور أهلها «محمد علي» وبنوه، وزاد الإنجليز الطين بلة، ثم جاء بعد ذلك العبد الخاسر «عبد الناصر» الذي أخر مصر سنين طويلة، ودفع بها في مهاوي الظلم والظلام، وشدد على أهلها كل التشديد وقذف بالصالحين والمصلحين إلى السجون، وقتل من قتل وشرد من شرد، وهزم مصر أمام إخوان القردة، وفعل بالبلاد والعباد ما لا يوصف، ثم جاء من بعده من أكمل مسيرة الذل والهوان، إلى أن أذن الله للشعب المصري بالتحرر من نير الاستعباد في مشهد جليل لم تعرفه مصر، ولا كل البلاد العربية في العصر الحديث.
وهذا جعل الناس في مصر مبهورين مندهشين بما وجدوا أنفسهم فيه، فقام كل واحد يريد تعويض ما فات، والاستفادة مما هو آت ولما كان الإسلاميون هم المتضرر الأكبر من تلك العهود البائدة والنظم الفاسدة؛ كان تحركهم أعظم وأسرع لما يشعرون به من ثقل المسؤولية وعظم التبعة فقاموا في كل صعيد يقولون ويعملون ويخططون ويجتمعون، ولا ريب أن عملهم في الجملة -مبارك إن شاء الله تعالى- «وهذه الكلمة -مبارك- لا يحب إخواننا المصريون سماعها!! وفيه خير عظيم ويحمل بشائر كثيرة، لكن ما كان ينقص بعض تلك الأعمال هو الكيس والحكمة والتعقل والرشد والصبر، فلذلك صاحب تلك الأعمال والأقوال شيء من قلة التوفيق والبصر، وكانت مؤججة لوسائل الإعلام التي لم تترك جهدًا إلا وبذلته في تضخيم تلك الأخطاء وتصويرها على أنها مهلكة للبلاد والعباد على الوجه الذي بينته آنفًا.
ومن تلك الأخطاء ما تكلم به بعض المشايخ عن قضايا هي حق وصدق، لكن ليس هذا وقت الحديث عنها، ولا فتح بابها أخذًا بالحكمة والتدرج والتعقل في بلد -هو في ظني- أهم بلد في العالم الإسلامي كله؛ من حيث اجتماع عوامل قوة فيه ليست موجودة في غيره، على رأسها الموقع المهم المتاخم لإخوان القردة، والعدد الضخم الذي من الله به على شعب مصر، وما فيها من ثروات إيمانية وعقلية ومادية تند عن الحصر وتعجز العاد، وقد بينت ذلك في المقالات التي كتبتها عن مصر، بعنوان «أيام في مصر»، في هذه المجلة المباركة إن شاء الله تعالى.
ومن تلك القضايا التي أثيرت وحصل بسببها لغط كثير هدم التماثيل والآثار الفرعونية، تطبيق الحدود، إقامة الشريعة، دفع النصارى للجزية، وإيقاف بعض المنكرات وهدم الأضرحة بالقوة.. إلخ، وهي قضايا لا بد -في ظني، والله أعلم- من تأجيل النظر فيها إلى ما بعد استقرار الثورة وإجراء الانتخابات، فيجتمع لها ثلة من أهل الشرع لينظروا فيها نظرًا وافيًا لا تفسده العجلة، ولا تؤثر فيه الضغوط من كل جهة كما هو حاصل الآن.
ثم إن إخوان القردة يرصدون ما يحصل في مصر على وجه دقيق ويساعدهم إخوانهم الصليبيون، وهم جميعًا متربصون حاذرون، وأخشى ما أخشاه إن وصل الأمر إلى حد لا يمكن لهم السكوت عليه أو قبوله أن يصنعوا بمصر ما صُنع في الجزائر، وأن يوعزوا إلى قوى متربصة في الداخل أن تفسد الثورة وتعطل نتائجها، أو أن يفتعلوا حربًا في المنطقة تأتي على الأخضر واليابس وما يوم حليمة بسر، وهذه شنشنة عرفناها من أخزم، فينبغي على عقلاء المصريين من المشايخ والدعاة والصالحين وسائر العاملين أن يجتمعوا على كلمة سواء، وأن ينظروا في أمرهم، ويتدبروا شأنهم قبل أن تقع الفأس في الرأس -لا قدر الله- وقبل الندم يوم لا ينفع الندم، فإني أرى الأمور في مصر قد وصلت إلى حد قرع جرس الإنذار، والله يدفع عن البلاد والعباد، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)
ولئن قام بعض المشايخ وتحمسوا على ذلك الوجه الذي بينته، فليسوا هم وحدهم المخطئين في هذا، بل هناك دعوات كثيرة من قبل كثير من الأشخاص والجهات تريد دفع البلاد إلى شفير الهاوية، وتريد ألا تترك جهة إلا وتحاسبها، ولا شخصًا إلا وتوقفه، ولا سيئة كانت في العهد البائد إلا وتبرزها، ولا هفوة كانت من شخص أو فئة إلا وتضخمها، ولا تلتفت في ذلك إلى نداءات التعقل، ودواعي الحكمة، ومتطلبات المرحلة، ووسائل الإعلام من وراء كل ذلك وعلى رأس ما هنالك، تزيد الطين بلة، وتدفع إلى أتون الفتنة دفعًا، فليس الأمر إذًا مقتصرًا على بعض المشايخ، بل إن كثيرًا من طبقات الناس يشارك في مثل هذه الأفعال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أفعال مبشرة:
ثالثًا: أفعال تستحق الذكر والإشادة:
هناك أفعال تعظم الأمل، وتجلب البشائر، ولا بد من التعريج عليها، فمن ذلك:
- اجتماع كثير من مشايخ ودعاة الإخوان والسلفيين في أعمال مشتركة، وهذا من أعظم البشرى، فهاتان الجهتان هما القوتان الإسلاميتان الرئيستان واجتماعهما مطلوب منذ زمن طويل، لكن كان يعوقه أمور تذلل كثير منها الآن بفضل الله تعالى، ومن صور هذا الاجتماع المبارك قيام «الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح» وهي تجمع التيارات الشرعية الرئيسة في مصر مثل الإخوان المسلمين والسلفيين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم؛ مثل «الجمعية الشرعية»، وجماعة «أنصار السنة» ومستقلي السلفيين ومعهم أعضاء من جماعة الدعوة والتبليغ وممثلين غير رسميين من الأزهر ووزارة الأوقاف، وهذه بشرى جليلة وبادرة حسنة، ولئن وصلت هذه الهيئة إلى غايتها التي تتطلع إليها؛ فسيكون من ورائها خير كثير إن شاء الله تعالى، وقد اختير الشيخ «د. نصر فريد واصل» المفتي السابق رئيسًا، والشيخ «علي السالوس» نائبًا له، والأمين العام «د. محمد يسري»، ولعل من أهم مهام هذه الهيئة الحفاظ على مصر إسلامية بعيدة عن فساد الفاسدين ومخططات الأعداء والمتربصين.
- ومن البشائر أيضًا قيام تقارب بين الإخوان وبعض السلفيين؛ لإنجاح بعض الأعمال السياسية، وتجري في هذه الأيام اجتماعات عديدة للخروج بشيء نافع جليل في هذا الباب.
- خلع كثير من رموز الظلم في العهد البائد وعزلهم من مناصبهم، وهذا يبشر بخير كثير، إضافة إلى أن القوانين التي صدرت إلى الآن سواء من الجيش أو الحكومة الانتقالية تبشر بالخير إن شاء الله.
- ولعل من أعظم البشائر هذه الروح الجديدة التي سرت في مصر بعد الثورة، والحرية التي بثت في ربوع البلاد بحيث لا تخطئها العين، وهذا الأمر إن اتقي الله فيه، وروعي فيه حكم العقل والمنطق؛ فسوف يكون لمصر شأن وأي شأن إن شاء الله تعالى، وإن غدا لناظره قريب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل