; أخطار نظرية «تبريد» الثورة في مصر | مجلة المجتمع

العنوان أخطار نظرية «تبريد» الثورة في مصر

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1972

نشر في الصفحة 16

السبت 08-أكتوبر-2011

هناك أمر بالغ الأهمية لا أدري إن كان المجلس العسكري أدركه وضيعه، أم أنه تصرف لم يدركه ولكنه ضيعه في النهاية، أي أن الإضاعة هي الخسارة الكبرى، سواء كان ذلك متعمداً ومقصوداً، أم أنه كان غير مقصود .. فمنذ ۱۲ فبراير، تعاقب على مصر ثلاث حكومات الأولى برئاسة الفريق «أحمد شفيق» التي كان «مبارك» قد عينها قبل رحيله والتي رحلت بعد أن أرهق الشعب نفسه في مليونيات أسبوعية، ولا ندري هل هذه المليونيات الرافضة لحكومة شفيق» باعتبارها من تركة «مبارك» هي التي أقنعت المجلس العسكري بضرورة الرحيل، أم أن لهذه الحكومة مهام محددة كان لابد أن تنتهي منها؟!

ولا عبرة بكل هذه المليونيات وبزخم الثورة الذي كان لا يزال متوهجًا خلال مرحلة «شفيق»، والتي اعتبر «مبارك» أن تعيينها تنازل منه لصالح الثوار، وقعت معركة «الجمل» والتي كشف التحقيق فيها ما كشف وبعد حكومة «شفيق»، خرج «شرف» من الميدان محمولا على الأعناق، واعتبر المجلس العسكري ذلك تماشيًا مع رغبة الثوار، وشملت حكومة «شرف» الأولى معظم وزراء «مبارك»، ثم توتر الشارع لانعدام الإنجاز، بل لتدني الأوضاع في بعض القطاعات، ثم تعدلت حكومة شرف» بضغوط من الشارع، وأعلنت وعوداً كثيرة لم يتحقق شيء منها، وصارت كأنها عقبة في سبيل تحقيق آمال المصريين وذلك بحجة أنها حكومة مؤقتة ولا تستطيع أن تتخذ قرارات أساسية انتظارا لحكومة منتخبة، وهذه ذريعة علقت عليها مرحلة حاسمة في تاريخ مصر.

والحق أن المجلس العسكري الذي تطوع بحماية الثورة من بطش الجيش، وحل محل الشرطة المتواطئة مع النظام، حدد مهمته في البيان العسكري الأول، وبعده دخلت البلاد في دوامة صار التوتر والقلق المصاحب للإحباط أهم سمات مصر في هذه المرحلة، كما يلف الغموض كل مستقبل.. والذي حدث تماما هو أن الثورة كانت قبسا من روح الله، أخرج الناس جميعا من ذواتهم الضيقة إلى الذات القومية الكبرى، فنسي الناس كل مشكلاتهم الشخصية، وذابوا في هذه الذات الكبرى فصار القبطي والمسلم في رحاب هذه الروح القدسية الجميلة وكأنها من نفحات الجنة التي أحسسنا بها وتعلقنا حبا فيها بـ ميدان «التحرير»، وكأنه قطعة خاصة من جنان الله. 

بدأت المؤامرة باستمرار حكومة «شفيق» وإجهاد الناس في مليونيات جديدة، ثم تفرقوا حول الفتنة الطائفية التي صنعتها فلول النظام، ثم ظهر البلطجية وظهر العجز في مواجهتهم، ثم ارتفعت الأسعار، وانقسم الناس حول الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟! فالاستفتاء، فالعلمانية والدينية، فالدولة المدنية والدينية.. وفي غضون ذلك، يتهدد الأمن ويضيع الرجاء ويفقد الناس الأمل في غد ظنوه قريبًا.

ويتبين لنا بالتحليل الهادئ أن المجلس استخدم حكومة «شرف» في إطلاق أكبر عملية مضادة للثورة، ربما دون أن يقصد رغم أنه تحدث عن الثورة المضادة وأخطارها وهي «تبريد» الثورة، فعاد الناس من البوتقة الوطنية الكبرى إلى ذواتهم وواقع أسوأ معيشيا، فارتفع معدل البطالة والأسعار واستمر الفساد، وتمنعت الشرطة، وبدأ الأمل في نظام جديد يزيح النظام القديم الذي تكرس يتلاشى، بينما النظام القديم يستجمع قواه ويتلمس طريقه إلى مشاركة النظام الجديد، والقفز عليه وكأنه هو الذي قام بالثورة.

هذا الوضع يضعنا أمام حقيقة لابد من مواجهتها، وهي أنه كيف نظر المجلس الأعلى إلى هذه الثورة؟ وهل اعترف بها وبشهدائها ؟ نعم صدرت بعض التصريحات.. فلماذا لم يطرق الحديد وهو ساخن ؟ وهل تعمد امتصاص الثورة وتبديدها، أم أنه لم يقتنع أبدا بأنها ثورة، وأنه تمشى مع زخمها الكاسح في البداية؟ وهل أمن أن كل التراكمات منذ 11 فبراير وحتى الآن لا تؤدي إلى انفجار أفظع من الثورة؟ وهل في الساحة حسابات سياسية عليا أجنبية، أم أن القرار مصري لكنه عقيم سقيم؟

الثابت أنه تم تبريد الثورة، وأن ذلك كان خطأ كبيراً، والثابت أيضًا أن آليات التبريد واضحة، وأنه كان يمكن أن تعبر مصر بسرعة إلى النظام الديمقراطي وهي لا تزال في بوتقة قومية متماسكة، لا يهم بعد ذلك أن يكون التبريد متعمدًا أو كان بسبب سوء الفهم للمرحلة وسوء إدارتها مع توافر حسن النية، فكثير من أصحاب النار من ذوي النوايا الطيبة.

أغلب الظن أن المجلس العسكري تسلم أمانة الثورة، ثم أدار المرحلة الانتقالية بين الثورة والحكم الجديد دون أن يشعر تماما بحرارة الثورة وإصرار الشعب على مطالبه فأدار المرحلة بمنطق بارد لا علاقة له بالثورة ووهجها، فانطفأت الآمال في الصدور، ونأمل أن يحيي الآمال مرة أخرى في الشهور المقبلة هي أمانة ثقيلة ولكنها تؤخذ بقدرها. 

والسؤال هو: ما العمل؟ هل تسير مصر وتخوض في كل هذا الوحل وتصر على الخلاص باجتياز الانتخابات بأقل قدر من الخسائر حتى لو سالت الدماء من أجل انتزاع البرلمان أولى ثمار الثورة، أم تعد الثورة جديدة تصر فيها على تنفيذ أهداف الثورة بقيادة ثورية؟

نحن نتمنى أن يتفهم المجلس العسكري خطورة المرحلة، وإصرار الشعب على مطالبه كما نتمنى أن يدرك الجميع أن مصلحة مصر تحقق كل المصالح، أما تحقيق المصالح الفردية فهو غنم لأصحابها فقط.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 81

139

الثلاثاء 12-أكتوبر-1971

أكثر من موضوع (العدد 81)

نشر في العدد 2004

86

السبت 26-مايو-2012

رأي المجتمع .. العدد 2004

نشر في العدد 1582

63

السبت 27-ديسمبر-2003

صيد الفضائيات (العدد 1582)